نواصل اليوم نشر أجزاء من مذكرات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الصادرة بالفرنسية، في خصوص العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، وهو أمر بدأنا الحديث عنه أمس وأول من أمس تحت عنوان (القذافي وجنبلاط وأبو نضال في قارب): تجدر الإشارة إلى أن السوفيات كانوا يمنحوننا بالفعل منحاً دراسية منذ العام الجامعي 1969- 1970؛ بدأت ببضع منح، ثم وصلنا إلى 250 منحة سنوياً؛ ما أتاح تأهيل عدة أجيال من الأطباء والمهندسين اللبنانيين، وهي طريقة ذكية اعتمدوها لتعزيز نفوذهم. ولم يكن بمقدور مناصرينا، المتحدرين في غالبيتهم من بيئة ريفية جبلية، تحمّل تكاليف الجامعات الخاصة في بيروت، نظراً لارتفاع أقساطها وطابعها النخبوي، فكانت هذه المنح تتيح للطلاب التوجه إلى جامعة لينينغراد في موسكو لمن يرغب في دراسة الطب، وإلى جامعة لومومبا للتخصص في المجالات الأخرى. وفي عام 1970، نال والدي جائزة لينين للسلام خلال حفل أقيم في بيروت.
في بداية الحرب الأهلية، لم نكن نملك الاستقلالية العسكرية للتحرك بمفردنا؛ ولهذا السبب اضطر والدي إلى الاعتماد على القوات الفلسطينية، وهو ما شكل عبئاً عليه على المدى الطويل، قبل أن يتقرب من السوريين. كنا بحاجة إلى دعم خارجي لإيجاد نوع من الاستقلالية؛ لأن أولوياتنا لم تكن بالضرورة تطابق أولويات منظمة التحرير الفلسطينية. كان التحالف بيننا هشاً، إذ كان لياسر عرفات أجندته السياسية الخاصة التي لم تكن تلتقي دائماً مع أجندتنا. وبعد طرده من الأردن، استقر في لبنان، وهو وجود تكرس عام 1969 – في مفارقة جمعت اليمين واليسار معاً لأسباب سياسية متناقضة – عبر توقيع اتفاق القاهرة الذي سبق أن تحدثت عنه.
كان الفلسطينيون بالنسبة لنا حلفاء ضروريين، ولكن طباعهم صعبة. كنا بحاجة إلى ميليشياتهم المسلحة لحماية جنوب لبنان، والجبل، وبيروت على طول خط التماس (الخط الأخضر)، حيث كان المناضلون الفلسطينيون ومناضلو اليسار يقفون معاً.
وفي عام 1977، وإلى جانب رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي، انتُخبتُ أيضاً رئيساً للحركة الوطنية اللبنانية التي كانت تضم أطياف اليسار اللبناني كافة، وهي جبهة معارضة للحكومة أنشئت بمبادرة من والدي عام 1969. وكان حلفاؤنا الرئيسيون هم جورج حاوي، رئيس الحزب الشيوعي اللبناني الذي اغتاله السوريون عام 2005، ومحسن إبراهيم، الذي تربع على رأس منظمة العمل الشيوعي في لبنان لقرابة نصف قرن، وهو المناضل السابق في الحركة القومية العربية الذي كان مقرباً جداً من عبد الناصر. كما كان معنا أيضاً حركة ناصرية هي «المرابطون» المقربة من ياسر عرفات، والحزب السوري القومي الاجتماعي. كنت أعرف تلك القامات البارزة في ذلك العصر من خلال والدي، وقد جمعنا مسار سياسي مشترك، وكانوا جميعاً شخصيات من زمن آخر. وأتذكر العديد من المهرجانات الخطابية التي قادها والدي وكنت أحضرها، وإن كنت لا أرافقه في جميع اجتماعاته السياسية. وفي المنزل ببيروت، عندما كنت لا أزال طالباً، شاركت في عدد لا يحصى من الاجتماعات التي كانت تُعقد ليلا؛ وكنت أحياناً أقف عند باب غرفتي لأسترق السمع لما يدور من حديث. وبهذه الطريقة تعرفت على مختلف رجالات السياسة في البلاد، ثم على الفلسطينيين؛ ياسر عرفات أولاً، ثم جورج حبش، الفلسطيني الأرثوذكسي، وقد كان كلاهما يبهرني بحضوره.
كان عرفات يحضر اجتماعاتنا ومسدسه على حزامه. ولا أزال أسمع الخطابات الرنانة الطويلة لنايف حواتمة، المسيحي اللاتيني المتحدر من الأردن، والذي كان يتحدث لساعات طوال عندما يريد شرح الصراع الفلسطيني بمصطلحات ماركسية. كان والدي ينام باكراً، وكانت الساعة الثامنة مساءً هي حده الأقصى، في حين كانت المقاومة الفلسطينية تبدأ اجتماعاتها عند منتصف الليل.
