في روايته “قناع بلون السماء” يقود الروائي والشاعر الفلسطيني باسم خندقجي رحلة بحث مضنية عن بئر اللجّون حيث الصندوق (الذي يُعتقد أنه يحوي رفاتَ مريم المجدليّة وضفائرَها وعطرَها وإنجيلَها)، موضحًا على لسان بطل الرواية نور الشَّهدي أن الهدف من هذه الرحلة هو استعادة السردية الخاصة بالمجدليّة التي تعرّض إرثها الماديّ والروحانيّ والغنوصيّ، للتشويه الغربيّ الاستعماريّ الاستئثاريّ، وهو التشويه الذي يرى خندقجي في الرواية التي أنجزها خلال أعوام أسره الطويلة، أنه استند إلى سردية بطرس، فإذا بنا أمام سرديّتيْن؛ واحدة أنثوية تسامحية وجدانية تمثّل مريم الكنعانية المجدلية الفلسطينية، وأخرى ذكورية سلطوية تمثّل المسيحية الغربية البطرسية البطريركية. وفق مختلف ما تقدم، تتجلّى اللجون في رواية الأسير المحرر، بوصفها أرضَ الحقيقة، وسهل البئر الذي يحضن هذه الحقيقة، رائيًا أن اسمها القديم ميسيميان يعود لمفردة ميسيا أي المسيح/ المخلّص في اللغة السريانية، وليس إلى الإمبراطور ماكيسيميان، وذاهبًا إلى أن الاحتفاظ بالصندوق والحفاظ عليه من أسرة سمعان ومن أتى بعدهم، يشكّل رسالةً وغايةً وضرورةً، بانتظار عودة المخلّص (يسوع/ ميسيا/ المسيح المنتظَر) ليحيي، في يوم الدينونةِ، المجدليةَ من جديد.
العصابات الصهيونية اقترفت في بلادنا فلسطين جريمة التجريف المنهجي سعيًا يائسًا من قراصنتها لمحو الذاكرة وشطب محفّزاتها في عين المكان. وعليه فإن بئرًا بمكانةِ بئر اللجون المفترض بحسب رواية “قناع بلون السماء”، يصبح فعل مواجهةٍ لجريمة التجريف، وجدران مقاومة، وخزّان حقيقة، ونبعًا لا ينضب للهوية العصيّة الأبيّة غير القابلة، ولا بأي شكلٍ من الأشكال، للنسيان، أو الذوبان، خصوصًا أن من يريدونها أن تذوب هم شرذمةٌ عصاباتيةٌ مأزومةٌ مأفونةٌ مجرمةٌ ومطلوبةٌ لكل محاكم العدل الدولية، ومحاكم الجنايات الجبانة (أي تلك الجنايات الرخيصة من نوع قتل الأطفال في مدارسهم وأحضان أمهاتهم، والمسعفين في سيارات إسعافهم، والأطباء والممرضين في مستشفياتهم وعياداتهم ومراكزهم الطبية، والمزارعين في حقولهم، والصحافيين وهم يقبضون على مايكاتهم ويتذرعون بسترات عملهم ويوثّقون حقائق الميدان، والحالمين وهم يدندنون لحنَ وجْدٍ مقيمٍ لا يريد أن يموت، أو ينحني).
| اللجون وجسرها القديم |
اللجّون بحسب تغنّي خندقجي بها من خلال لغةِ وجدٍ ذائبةٍ في تفاصيلها هي: “تلٌّ يطلُّ على سهل… ربوةٌ حبْلى بأكثر من عشرين مدينة، تتقلّب فوق آلام مخاضها منذ آلاف السنين… أنثى السر القديم…” (الرواية صفحة 153). ثم يسألها في حوارٍ معها مشتاقٍ لها: “كم من معركة وقعت في سريرك السهل الذي لم يكن سهلًا على العالمين؟ كم من قوافل محمّلة بالأقدار مرّت من هنا؟ كم من حتْفٍ مسجّى على نعش المؤامرة والدهاء دُفِن في دفْء حاراتِك؟ كم من امبراطورٍ سار إلى نهايته، أو مجده بحسب كيف رآك، وكيف تعامل مع كنعانيّتك؟ كم من خليفة شدّ سروج خيله في طريقه إلى سدّة خلافته، أو قبره المسموم داخل بطن أرضِك؟” (ص 153). إنها اللجّون أعظم مقبرة للغزاة؛ منذ بيادق الفيلق وصولًا إلى شذّاذ الآفاق البلماخيين والهاغانيين المجرمين. جارة الكرمل… همس البحر نحو جنين… شهقةُ المتسلّم الذي لا يستسلم ولا يرفع الأكف إلا لله ربّ المجدلية وحامي فلسطين… إحدى بركات أجنادين… كتب فيك وعنك ولعيونك الجغرافي الفارسي ابن الفقيه قائلًا: “مدينة اللجُّون فيها صخرة عظيمة مدوَّرة خارج المدينة، وعلى الصخرة قبّة قيل إنها مسجد إبراهيم عليه السلام، يخرج من تحت الصخرة ماءٌ كثير، حيث ضرب إبراهيم بعصاه هذه الصخرة فخرج منها من الماءِ ما يتَّسع فيه أهل المدينة ورساتيقهم إلى يومنا هذا”. ويبدو أن ابن الفقيه استقى ما قاله عن اللجون من قصة شعبية ظل يتوارثها أهل اللجون حول وفْرة ينابيع قريتهم المباركة؛ تلك الينابيع التي شكّلت مصدر الماء الرئيسيّ في قريةٍ بحر التلاقي غربها، وجبل النار شرقها، وتدافع التاريخ جنوبها، ورياح الشام شمالها.
خضراء مثل أرض القصائد اللجّون… مدينةٌ زاخرةٌ بـ”الآلهة، والفراعنة، والأباطرة، والملوك، والخلفاء، والسلاطين، وجيش الإنقاذ العربي” (ص 154). لم تسلم قيادها لأفراد العصابات الصهيونية من دون مقاومة؛ لا بل قاومت وكلّفتهم وأدمت بعض مجرميهم. ولم تَدَع الجاحد نابليون يمرّ منها مرور الكرام، استوقفته ليستعرض عضلات معارفه على جنده قائلًا عن سهلها الأسطوريّ العظيم: “جميع جيوش العالم باستطاعتها أن تتدرّب هنا على الحرب المنتظرة”، قاصدًا، على ما يبدو ما يتناقله الغزاة أجمعين؛ الصهاينة والغربيين، حول معركة منتظرة تحمل اسم “هرمجديون”، أو هرمجدون، أو أرمجدون (على كل حال قصة المعركة الفاصلة الكبرى هو معتقدٌ عابرٌ للأديان).
اللجون أرض الرؤيا… أمكنة هزيمة الشيطان… أرض مقدسة تنسج حروف الكتب المقدسة جميعها… تنبثقين، في كل مرّة يا جميلتي اللجون، من تحت رماد محاولات محوك، ودفْن آثار وجودك الساطع البهيّ… وها أنت تتحضّرين للانبثاق من جديد راكلة كل (كيبوتس)… وداحرة كل مستوطنة استعمارية احتلالية إحلالية بنت أركان جريمتها المتهاوية فوق أنقاض قرية فلسطينية، صحيح أنها مدمّرة، ولكنه الدمار الذي عجز عن شطب الذاكرة، أو قتل أنفاس الوجود المتواري تحت طبقة شفيفة من أرض الأجداد. وجود يكشف عن نفسه من خلال بئر قديمة… أو عبر حروف اسم ولي فوق ما تبقى من مقام… أو من خلال دم محموم أساله خنجر جدعون المسموم… كل ألوية القتل لا تقدر أن تغيّر اسمك في وجداني يا لجّون جنين… وسيبقى يوم الـ 30 من أيار/ مايو 1948، محفورًا في ذاكرتي بوصفه يوم سرقتك من خارطة فلسطيننا، وتحويلك إلى قائمة مسروقات العصابات المجرمة.
تحيط باللجّون من غربها قرى بلاد الروحا المنسيّ والغبيّة والكفرين وخبيزة والريحانيّة (كلّها مهجّرة)، وهي ممتدّة حتّى كعب سلسلة جبال الكرمل. بينما منها شرقًا، تمتدّ نحو المرج قرى، مثل: زلفة ورمّانة وزبوبًا، مرورًا باليامون وصولًا إلى جنين. أمّا من شمالها، فيقع تلّ المتسلّم، ثمّ يمتدّ مرج ابن عامر شمالًا نحو أبو شوشة. ومنها للناحية القبليّة، قرى وادي عارة مثل: المشيرفة ومصمص والبياضة وأمّ الفحم.
من أشهر عيون مائها كانت “عين الحجّة”، وهي كناية شعبيّة أخرى ربّما مرادفة لتسمية “الستّ”. ظلّت عين الحجّة مروى أهالي اللجّون ومغناهم حتّى عام النكبة:
“طير الطاير وصلّي وسلّم
علّي هواهم بالقلب معلّم
وامرق ع الدبّة وتلّ المتسلّم
وعبّي من ميّة واد اللجّونا”.
ما أخبار مرج بن عامر في شمالكِ الشرقيّ؟ هل ما يزال يتذكّر أمجاد صلاح الدين، أم أن ما اقترفه السماسرة قهر بعض الذاكرة؟
خبريني يا أيتها اللجونيّة العربية الفلسطينية الساحرة، كيف كان استقبالك للأهل من أم الفحم (أم النور)؟ هل لانت لهم أرضكِ كما تفعل كلما كان القادم إليكِ من بعض أهلِك؟ هل تعرّف المحراث على المحراث، وصبّح الزيتون على الزيزفون؟ خبّريني ما أخبار وادي عارة؟ هل ما يزال يشتاق الصعود حتى أعالي جبال الكرمل؟ فهناك، حيث الوجع يحْدب على الوجع، والهوية تستقطبُ ملامحها بِمغناطيس التعرّف على رموزها في الأرض والإنسان، فإن كل جبل من جبالنا يعرف ما عليه وما له، وكذا كل سهل ووادٍ وحقلٍ وكرمٍ وطريقٍ ساحليٍّ وديع.
ألف فلسطيني كان عدد أهل اللجون قبل عام 1931، لهم مساجدهم وكنيستهم، ولهم سماؤهم وأغنيات سرحاتِهم باتجاه حقولهِم… ألف لو ظلّوا هناك لكانوا اليوم ربع مليون لجّوني، فنحن أهل الخصب، عشّاق الذّراري…
هل أنت بعيدة يا لجّون الزمان عن الجليل بأسمائه وجهاته جميعها (الجليل الغربي والشمالي والجنوبي والأعلى والأوسط، وبإصبعه الذي يفقأ، حتى اليوم، عينَ كل معتدي)؟
الإخشيديون انتصروا فيكِ ثم انهزموا… وكذا فعل الحمدانيون… وفوق بركات تسامحكِ حوّل قائد إخشيديٌّ قبل ألف عام لحظة ثأرٍ واجبة، إلى فعل عفو ومصاهرة. أما السجن البغيض حولكِ، فإن يوم تحررنا منه وتحرير أسرانا بات قريبًا. وحين تكبر في نواحيكِ غابة فلا تصدّقي يا لجّوننا أن عِرْقًا واحدًا فيها قام بفعلٍ استيطانيٍّ صهيونيّ. شجرنا يكبر، يصير غابة لأنه شجرنا، ابن خصبنا، حامل صفات ترابنا، وارث منجل أجدادنا.
سهل اللجون يشبه سدرة المنتهى… تمامًا كما هو وجه يافا وعكّا والناصرة… وكما هو وجه سماء إسماعيل الحيفاوية في رواية باسم خندقجي، لا بل يشبه “صباح العيد… عيد الطفولة البعيدة” (ص 174).
لم يغب عن بال ياقوت الحموي ذكركِ، وذكر بئر العطّار فيكِ، وكذا مسجد إبراهيم… فهل ما تزال رائحة الناردين العابقة تشع من أعماق البئر الذي تتدثّر فيها مريم بأسرارها العصيّة على الغزاة والمستشرقين المؤدْلجين؟
| طاحونة عين الحجة في اللجون |
“المستنقعات أبهى من المستوطنات” (ص 189)، يصرخ نور الشهديّ في لحظة انفجار غاضبة لهويته العربية الفلسطينية التي اضطر لحجبها مستعيرًا، لغايات الوصول إلى الحقيقة، هوية صهيونية، أما أنت يا لجّون فأبهى من كل بهاء… وأريد أن أسألكِ يا جميلتي، كم تبعد عن مرابعكِ قرية أبو شوشة المهجّرة المدمّرة التي قتل أبطالها في حروب الدفاع عن الأرض والعِرض والحق زعيمًا بشعًا من زعماء العصابات؟
أعرف، ويعرف من يعرفونكِ، أن الرعب الثاوي في رؤيا يوحنا لن يخيفك، تمامًا كما لا يزعجك الاسم الذي تحملينه الآن، يكفي أن فيه بعض كنعانيتنا، فهؤلاء اللصوص المرتزقة، لا يخجلون، دائمًا، وفي كل مرّة، أن يسرقوا رموزنا، وأسماءنا، وأكْلاتنا (كما فعلوا مع فلافلنا وحمّصنا وكثير من أكلاتنا)، وتراثنا (كما فعلوا مع الثوب الفلسطيني لولا نضال مها السقا حارسة التراث الفلسطيني التي استعادته لنا)، وحتى موسيقانا، فهم قطعانٌ شذّاذٌ لا موسيقى لهم، ولا خصوصيات، ولولا بعض عرباننا ممن يمنحونهم اليوم مشروعيات خائنة، لكانوا تناثروا في الريح فور انطلاق زوابع الطوفان.
كانت اللجّون، كما توثّق المصادر، رافدًا للثوّار ومقصدًا لهم في آن، فقد أنجبت القرية ثوّارًا من مختلف حمائلها الأربع الّذين التحقوا بصفوف ثورة أبناء شعبهم على الاستعمار البريطانيّ. كما كانت اللجّون، وبحكم موقعها الاستراتيجيّ، محطّة يقصدها ثوّار مرج ابن عامر وجبال جنين. في البدء، كانت اللجّون هي الأمّ، وأمّ الفحم هي البنت، هذا قبل أن تصير اللجّون بنتًا منسوبة لأمّ الفحم وأهلها في التاريخ الحديث. الحاجّ أبو خليل يقول: “اللجون هاي بلد أبونا إبراهيم النبيّ، وإلو طاحونة قمح فيها بعدو أثرها لليوم”. فالحكاية الشعبيّة لدى أهالي اللجّون عن قدم تاريخ قريتهم كانت مستلهمة من إرث الستّ طواحين قمح، على مياه وادي الستّ الذي كان ينحر اللجّون من نصفها. ويقال، إنّ واحدة من بين الستّ طواحين، أقيمت في زمن تركيّا على أنقاض طاحونة قمح النبيّ إبراهيم، وأطلق عليها اللجّونيّون اسم “طاحونة الخليل”. وقد ظلّت هذه الطاحونة، بحكم موقعها وأثرها النبويّ، مزارًا لأهالي اللجّون في زمن الحكم العثمانيّ. هذا فضلًا عن خمس طواحين أخرى، ظلّت تدور وتجرّش قمح المرج إلى ما بعد انكسار تركيّا، هي: طاحونة نويصر، طاحونة ملحيس، طاحونة الغباريّة، طاحونة الجسر وطاحونة الحدّاد.
وكما هي حال بلداننا وبلادنا جميعها، فإن اسم اللجون منتشر في كثير من بلادنا العربية، فهناك حي يحمل اسم اللجون في مدينة الكرك الأردنية، وغيرها من مدن وبلدات عربية تحمل اسم اللجون.
اللجون والثورة
انحازت اللجّون للثورة برجالها ونسائها معًا، وممّا ظلّت تذكره الحاجة اللجّونيّة أم بسّام: “آه… في الستّة وثلاثين نصبن بنات اللجّون باب كراج أسعد لمحمّد دبكة، تجمّعن من كلّ الحارات. آه، كلّ الحارات، المحاميد والمحاجنة والجبّارين والغباريّة كلّ بنات اللجّون بقِن يقولِن: زرقا مليحة طلّت من الحارة… خيّالها أبو حمدان يا نوّارة”. ومن الأهازيج النضالية الخاصة بأبي حمدان ما كان أهالي اللجون يرددونه: “يا فيل يا فيلي… يابو التماثيلي… على ظهور الخيلي… جبناك يابو حمدان… لاعَب الناس سيد الرجاجيلي”.
البئر
غابات الصنوبر حولك هي غاباتنا نحن… وحين أتجوّل في ربوعك الفلسطينية البهية، فإن السؤال يظل مثل طعم الزيت البلديّ في حلقي: هل تحضن بئركِ السرمديّة أطياف الحلم الذي راود نور الشهدي في رواية باسم: “ثم ما لبث أن تقدّم ببطءٍ مطلًا برأسه نحو غرفة كبيرة مقبّبة مليئة بالقناديل المشعة في فضائها الذي يعبق برائحة عطر زكيّة؛ عطر الناردين… يتوسّط الغرفة حشدٌ متحلّقٌ حول هيئةٍ أدميّةٍ مجلّلةٍ بثوبٍ حريريٍّ أبيض فضفاض زادته سحرًا الضفائر السوداء الحريرية المنسدلة على كتفيّ صاحبة الهيئة ووجها… كان ثمّة صوت أنثوي رقيق ينبعث من صاحبة الهيئة… ترنّم بهمسٍ ترنيمةً لم يدركها نور… دقّق بها مليًا إلى أن رفعت رأسها نحوه، ثم رفعت ضفائرها وراء ظهره… لتحدّق به بوجهٍ يعرفه نور الشهديّ جيدًا… دبّت الرجفة في أوصاله… كانت تشبه سماء إسماعيل… ثم فغرت فاها على سعته لينبعث من جوفها نورٌ أبيض ساطع تدفّق نحوه ودفعه مطيحًا به عن أجواء الحلقة والممر والدهليز والكوّة وقعر البئر… وملقيًا به خارج اللحظة المشرقة، ليتشبّث بصرخته الأخيرة: صرخة الانبعاث من رقاده”؟ (ص 199). فهل حان انبعاثنا جميعنا من رقادنا يا فلسطين… يا لجّون حسراتنا على ما ضاع منّا بغفلة من الزمن والحق والحقيقة؟ أظنّه حان… وهو أوّل ظَنٍّ يغمرني من دون إثمٍ، أو شكٍّ، أو هذيان.