يحلو للبعض، من ساقطي القيد ومن متواضعي الموهبة، سِباب “المثقفين”. صحيح أن المثقف غير منزَّه عن الخطأ. ومن الواجب انتقاده، وكشف أخطائه، خصوصًا مَن يتخذ الثقافة مهنة، يمتهنها كما يمتهن أطباء وقضاة شرف الطب والقضاء. أما السبَّابون القاصرون فلا تسعفهم قدرات أقل من طموحهم، ولا يحتملون التجاهل؛ فيستسهلون توجيه اللعنات إلى المثقفين، بتعميم يجد هوى لدى طائفتين: أولًا يمين ديني يتخيل المثقف علمانيًّا ملحدًا، وثانيًا محبطون آخرون فشلوا في اختبار جدارة الانتماء إلى الضمير الثقافي.
لا أجد لاصطلاح “الضمير الثقافي” تعريفًا محددًا، وإن سهلت معرفة المنتمين إليه، لعلهم “أعضاء نادي فن القول”، كما وصفهم يحيى حقي. ورغم محاولات النحر والمضايقات والتهميش، فلا تزال في الضمير الثقافي بقايا يقظة. وأعضاء هذا النادي “قضاة” ثقات، حكماء عدول، تكفي شهادة أي منهم لتعميد كاتب. هذا الضمير يرصد، بدأب وأناة، التطور الطبيعي للموهوبين، ويفرح بهم، ويلفظ آخرين نشروا خمسين كتابًا، وكل كتاب يصحبه صخب وأحيانًا ضجة سينمائية، ولا يمنحهم شرف انتماء يحظى به أحيانًا كاتب ألَّف كتابًا واحدًا أسكنه متن الضمير الثقافي.
| أنور عبد الملك درس الفلسفة في جامعة عين شمس. وفي نيسان/ أبريل 1955 اعتقل لمدة عام |
من الكتب القاسية، في كشف هذا التناقض السلوكي، “المثقفون” للكاتب البريطاني بول جونسون. و”من الأرشيف السري للثقافة المصرية” لغالي شكري، عن خطايا اليمين وخلاياه التي استيقظت بعد وفاة جمال عبد الناصر. و”المثقفون” لحمزة قناوي، عن انتكاسات وتصدعات بعض اليساريين، من الحلم بتغيير العالم إلى الاستئناس بالسلطة، والرضا بفوائض عطاياها.
عرفت الدكتور غالي شكري، وأعرف الدكتور حمزة قناوي. كلاهما جادٌّ، يمتاز بغزارة إنتاج يستحق الاهتمام. وشهادتهما تخلو من دوافع انتقام وشماتة تحكم، في العادة، كتَّابًا غير متحققين. كان غالي شكري، عام 1975 حين نشر هذا الكتاب، ناقدًا مرموقًا في المشهد الثقافي العربي. وكان حمزة قناوي، عندما نشر “المثقفون” عام 2009، شاعرًا له خمسة مؤلفات ويحمل عضوية اتحاد كتاب مصر. وإذا كان كتاب “من الأرشيف السري للثقافة المصرية” يوثّق “تناقضًا خطيرًا تجرثم في بناء ثورة يوليو (1952)، بين الواجهات الرسمية للثقافة والمنتجين الحقيقيين للثقافة”، فكتاب “المثقفون” يلخّص المشهد البانورامي، ويخلُص إلى حالة فردية دالة على عزلة المثقف، وقلة حيلته. وقد حرص المؤلف على عدم ذكر اسم المثقف الكبير بطل كتاب “المثقفون”، باستثناء إشارة في صفحة 75 إلى “الدكتور عبد الملك”. ومن السياق ومن عناوين الكتب، يعرف القارئ أن المقصود هو الدكتور أنور عبد الملك (1924 – 2012).
من المهم، للقارئ وللمهتم بالدراما، تأمُّل مسيرة الدكتور بطل الكتاب. لا أثر لعنفوان البدايات في نهايات حزينة لكاتب أرستقراطي يعيش في ظلال تاريخ طُوي طيَّ السجل، منذ خمسين سنة. لا يتحرر الرجل من أسر الماضي، ولا يملك جسارة الوفاء لتاريخه والتمرد على الأحوال العامة الكارثية. في منتصف الأربعينيات انضم إلى منظمة “إسكرا” الشيوعية، وتعني الشرارة. وفي عام 1946 أسهم في تأسيس “التكتل الثوري” بقيادة المفكر الشهيد شهدي عطية الشافعي، أيقونة الحركة الشيوعية المصرية، وقد قُتل تحت التعذيب في المعتقل عام 1960.
عبد الملك درس الفلسفة في جامعة عين شمس. وفي نيسان/ أبريل 1955 اعتقل لمدة عام. وشمله اعتقال رموز الحركة الشيوعية عام 1959، وتمكن من الهروب إلى فرنسا، ونال الدكتوراه من جامعة السوربون، ثم أصبح أستاذًا بها، وعضوًا بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ورئيسًا للبحوث. ونشر عام 1963 دراسة في نقد الاستشراق أغضبت مفكرين أجانب. كما نشر في الستينيات كتابَي “مصر: مجتمع جديد يبنيه العسكريون” و”المجتمع المصري والجيش 1952 – 1967″.
| نشر حمدان، في سلسلة “كتاب الهلال” عام 1967، كتاب “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”. ثم طوَّر المشروع إلى موسوعة بالعنوان نفسه، في أربعة مجلدات |
الاعتقال لم يمنعه من أن يقيّم تجربة عبد الناصر بموضوعية. ويقول إن كتابه عن مصر والجيش “أهم كتاب مصري ينشر في القرن العشرين”، وإن عبد الناصر أرسل إليه 13 ملحوظة على الكتاب، “كان بها حوالي 9 صحيحة تمامًا، وطلب مني البقاء في فرنسا عندما طلبت منه العودة إلى مصر… نظرًا لتآمر اليمين المصري”. وفي عام 1974 ترك مناصبه، وعاد إلى القاهرة أستاذًا جامعيًّا، ومستشارًا بالمركز القومي للدراسات في الجامعة العربية. ثم انتهى كل شيء باستثناء عضوية هيئات ثقافية حكومية، وكتابة مقال نصف شهري في صحيفة “الأهرام” التي لا تخصص له مكتبًا، ويوم يُحجب مقاله “يوم مأتم! يظل قلقًا طوال اليوم يدور في الشقة وكأن به شيئًا من الجنون، ويزوره الشك!”؛ خشية إلغاء عقده.
بشيء من التبسيط، أستطيع تقسيم الباحثين إلى نوعين: جُسور وأصحاب مشاريع. قد يخوض الباحث مغامرة غير مسبوقة، ولا يستكمل الطريق. وقد يُخلص الباحث لمشروع، ويتعهده كقضية حياة مهما يستهلك من جهد أو وقت. وفي العادة، لا يتوقف الناس على الجسور، يعبرونها إلى الضفة الأخرى، وقلَّما يتأملونها. أنور عبد الملك أقام جسر الاستشراق. وإدوارد سعيد عبره، وشيَّد مشروعًا متكاملًا بكتاب “الاستشراق” عام 1978. أنضجه على مهل، وتابع ردود أفعال أجنبية غاضبة، وفاجأته حفاوة عربية اعتبرت الكتاب “دفاعًا منهجيًّا عن الإسلام والعرب”، كما قال في تذييل إيضاحي مُهم لطبعة 1995. وتابع قضية الاستشراق في مؤلفات أخرى. ولم يتردد في إبداء آراء مضادة للتوجه الفلسطيني الرسمي، واستقال من المجلس الوطني الفلسطيني؛ اعتراضًا على ياسر عرفات وثمار اتفاق أوسلو. وأصدر كتابه “غزة – أريحا: سلام أميركي”.
| توفي أنور عبد الملك عام 2012، ونادرًا ما يُذكر إلا عرضًا، بمناسبة نقد الاستشراق، إشارة إلى مقال لم يتحوّل إلى مشروع علمي |
من أصحاب المشاريع أيضًا جمال حمدان وعبد الوهاب المسيري ونصر حامد أبو زيد. نشر حمدان، في سلسلة “كتاب الهلال” عام 1967، كتاب “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”. ثم طوَّر المشروع إلى موسوعة بالعنوان نفسه، في أربعة مجلدات. ونصر أبو زيد كتب عام 1982 مقالًا عن علوم القرآن، وأرسله من اليابان إلى مجلة “فصول” في القاهرة، وكان ضياعه في البريد “خسارة فادحة”، فرجع إلى المسودات، وعكف خمس سنوات حتى جعل “تلك الضارة النافعة” كتاب “مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن” الذي صار عنوانًا على اجتهادات مؤلفه.
والمسيري نشر في سلسلة “عالم المعرفة” الكويتية، في كانون الأول/ ديسمبر 1982، القسم الأول من كتابه “الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة”. ونشر القسم الثاني في الشهر التالي. كان الكتاب نواة مشروع تفرغ له نحو ربع القرن، لإنجاز موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد”، وقد صدرت عن دار الشروق في ثمانية مجلدات عام 1999. وفي المقدمة قال إن الموسوعة “لم تُكتب، وإنما نمت من خلال الكتابة”. وأتبعها بدراسات وثيقة الصلة. ثم يسَّر قراءتها، عام 2003، بتلخيصها في “الموسوعة الموجزة” في مجلدين كبيرين.
الطموح إلى الإنجاز أنسى المسيري ضيق صدر مصر الساداتية. في سيرته “رحلتي الفكرية”، كتب أنه كان مسؤولًا عن وحدة الفكر الصهيوني في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وسافر إلى الولايات المتحدة، ثم عاد عام 1979 في ظل سيادة أجواء التطبيع، فوجد “صعوبة شديدة” في دخول مؤسسة “الأهرام”. وقال له مدير مركز الدراسات السيد يسين إن عودته تعني الانتحار، “فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمرًا عظيمًا”.
وفي كتاب “المثقفون”، يسجل حمزة قناوي، “المساعد العلمي” للدكتور الأرستقراطي، أن الغليان السياسي في نهاية حكم حسني مبارك، واقتراب لحظة الانفجار، لم يكن خافيًا على الرجل، وأنه قرر الانضمام إلى “الجبهة الوطنية” برئاسة صاحب النهضة الصناعية عزيز صدقي، رئيس وزراء مصر في عهد السادات. كما انتبه إلى الحضور الفاعل لحركة “كفاية”، ونوى الانخراط فيها. ثم أجرى حساباته وتوازناته، ولزم الصمت وعدل عن القرارَين؛ حفاظًا على استمرار نشر مقاله في “الأهرام”.
هل يمثل مقال في صحيفة حكومية مجدًا لكاتب؛ فيضطره إلى الصمت على سياسات يرفضها؟ ربما، إذا لم يكن لديه مشروع أو قلق معرفي يدعوه إلى إضافة، باستثناء جهد “المساعد العلمي” الشاب في جمع مقالات قديمة للدكتور، وتنسيقها في كتاب مثل “الوطنية هي الحل” المنشور عام 2009، “ولم يكن يحوي كلمة جديدة سوى المقدمة”.
ماذا تصنع العزلة في الكاتب؟ المسيري، فضلًا عن إنجازه الفكري، ظل مرتبطًا بالشارع، وتولى عام 2007 منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) التي تأسست في نهاية 2004، واتخذت شعارًا له بلاغة الإيجاز: “لا للتمديد، لا للتوريث”، فرفعت سقف المطالب السياسية، دفعة واحدة ومن دون مواربة أو مجازات، واحتمت بالفضائيات وبالشارع، بعيدًا عن الأحزاب. ذهب المسيري للكلام عن “النكتة السياسية”، في مؤسسة أهلية، ففوجئ بإلغاء الندوة. كما قاد في كانون الثاني/ يناير 2008 مظاهرة، فحملته الشرطة مع كثيرين، وضعوهم في سيارة مصفحة، ثم تركوهم في الصحراء. وللمسيري صورة أيقونية وجنود الشرطة يدفعونه، في 14 آذار/ مارس 2007، وكاد يقع ويصاب، لولا أن أحاط به المتظاهرون. للحركة ثمنها. أما العزلة فتورث الاكتئاب والأوهام.
| كتاب “من الأرشيف السري للثقافة المصرية” يوثّق تناقضًا خطيرًا تجرثم في بناء ثورة يوليو (1952) |
يذكر حمزة قناوي أن الدكتور، الغارق وسط قصاصات الصحف لتشكيل موضوع المقال نصف الشهري، كان “يعيش الوحدة والصمت في بيت متسع لا يرن هاتفه إلا مرة أو مرتين في الشهر!… لماذا لا يزوره أحد في بيته؟”. يتأمل العالم من الشرفة، فيتخيل أنه مشهور، ويقرر دخول حديقة الميريلاند القريبة من بيته، ويتوهم أنه نجم سيعرفه رواد الحديقة. يدنو منهم لينتبهوا، ولا أحد يبالي. ثم يفرح باقتراب امرأة وابنتها من البسطاء: “أكيد من قارئاتي في ’الأهرام’”، ويتبين جهلهما به وبـ”الأهرام”؛ فينتفض ويغضب. ويبرز نفسه لآخرين لعل أحدًا يعرفه. ويتساءل: “هل هناك ارتباط سوسيولوجي بين من يزورون الميريلاند وعدم قراءتهم للأهرام!”.
الدكتور الذي يصف نفسه بأنه “أكبر أستاذ لعلم الاجتماع في مصر ومن أكبرهم في العالم” مقطوع الصلة بالشارع. يتأكد له أن أحدًا لا يعرفه؛ فيصير كائنًا شرسًا، يستعلي على الآخرين ويتهمهم بالنقص والحقد الطبقي، ويمارس استعبادًا يتناقض مع ما كان يتبناه من أفكار ماركسية. وما هكذا كان معظم الشيوعيين المصريين الأرستقراطيين. أما الدكتور، حين تتهاوى الجدران الأيديولوجية والشهرة الزائفة، فيلوذ بالقناع الأرستقراطي. بعد حفل صغير في مكتبة القاهرة الكبرى، لمح السائق يأخذ طبقًا من بوفيه مفتوح، فعنفه: “نزلت تأكل بين البهوات!”.
توفي عبد الملك عام 2012، ونادرًا ما يُذكر إلا عرضًا، بمناسبة نقد الاستشراق، إشارة إلى مقال لم يتحول إلى مشروع علمي. وفي عام 2015 توفي أرستقراطي آخر هو إيهاب حسن، في صمت أيضًا، بعد إسهامات نقدية أثرت ما بعد الحداثة. حسن درس الهندسة في مصر، وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1946. في “الجزيرة نت”، 9 آذار/ مارس 2024، نفى الدكتور صبري حافظ أي تشابه بين إدوارد سعيد وإيهاب حسن الذي كان يعتبر نفسه ناقدًا أميركيًّا، “يمثل الرغبة في القطيعة الكاملة مع تاريخه في مصر… أول تعارف به عندما جاء ليلقي محاضرة في جامعة ستوكهولم، وكنت أقوم بالتدريس هناك، وحينما تقدمت للتعرف عليه بعد نهاية المحاضرة، رفض الحديث معي باللغة العربية تمامًا… من حديثه أعطاني يقينًا تامًّا أنه لا علاقة له بمصر ولا بآدابها”.
يتراجع دور المثقف، فينكمش على ذاته، وتضيق الرؤية فتتسع العبارة لقلق الدكتور على مصير المقال: “هل تنشره الأهرام؟”. ولكن مثقفًا كالمسيري رأى للحرية آفاقًا أكثر رحابة وأهمية من “الأهرام”، ومن مصر المطبِّعة، وأن الحياة حسب شروط مهينة يفرضها الآخرون هي والموت سواء. هذا إذا قرر المثقف أن يحيا.
بدأ غالي شكري كتاب “من الأرشيف السري للثقافة المصرية” غاضبًا، وانتهى غاضبًا. ولم يملك حمزة قناوي، في كتاب “المثقفون”، إلا الشفقة على مصير بائس لكاتب أسير الماضي.