وهنا، لا بد لنا أن نقر بأن ملايين الشباب في سورية قد جُنِّدوا قسرًا للقتال في صفوف النظام أو في صفوف الجماعات المتطرفة كـ”داعش” خلال أربعة عشر عامًا من الثورة والحرب التي شنها النظام على معارضيه، كما قُتل الكثير منهم في الاحتجاجات والمظاهرات بالرصاص الحي المباشر، واختفى الكثيرون في فروع الأمن التابعة لنظام الأسد حيث عانى مئات الألوف من الموت تحت التعذيب، وأُجبر الكثير من السوريين على اللجوء إلى بلدان أخرى. وعلى الرغم من أن كل هذا الموت والقمع بالإضافة إلى النفي القسري قد ترك أثره العميق على جميع السوريين، إلا أن المرأة كانت الأكثر معاناة وتحملًا لتبعات هذه الكارثة، خاصة وأن كلًا من جيش الأسد وجيوش المعارضة مكوَّن من الرجال والشباب، وهو ما قاد الشباب تحديدًا إلى الفرار بأعداد هائلة هربًا من التجنيد، الأمر الذي وضع المرأة السورية في حالة من التحدي بسبب غياب الرجل وقادها إلى شغل وظائف عامة ومهنية كانت سابقًا حكرًا على الرجال، لا سيما تلك الأعمال الأكثر هشاشة، حيث تطورت مسؤوليات المرأة، من المشاركة الفعّالة في العملية الثورية، إلى محاولات النجاة بالأسرة ومن بقي منها، في زمن الحرب في بلد مزقته بكل معنى الكلمة دكتاتورية الأسد.
العمود الفقري للثورة
وكما وصفت الكاتبة ريم علاف النساء السوريات بأنهن “عمود الثورة السورية الفقري”، فإنّ مشاركة المرأة السورية في الثورة ضد الطاغية الأسد لم تكن أبدًا مشاركة هامشية، بل كانت ولا تزال تمثل القوة الدافعة وراء المطالب بالعدالة والحرية والكرامة منذ بداية الثورة في آذار/ مارس 2011، خاصة وأن النساء كنَّ هنَّ من قاد الاحتجاجات الأولى عندما اعتقل النظام أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا في درعا، وهنّ من حافظ على النسيج الاجتماعي للبلاد في السنوات اللاحقة.
وفي هذا السياق، نجد أنه لا يمكن فهم الثورة في سورية من دون الإشارة إلى شخصيات نسائية مهمة ومفصلية مثل شخصية رزان زيتونة، الشخصية المحورية في لجان التنسيق المحلية، والمحامية التي وثّقت انتهاكات الأسد وبقيت توثق كل الانتهاكات إلى يوم اختطافها في دوما، وأيضًا مثل شخصية الممثلة مي سكاف، والتي تُعتبر إحدى أوائل الشخصيات العامة التي ندّدت بالدكتاتورية، بالإضافة إلى شخصية الممثلة والكاتبة والناشطة فدوى سليمان، التي قادت المظاهرات ضد الأسد في حمص تحت شعار: “لا للأيدي السورية التي تسفك الدماء السورية” أو “دم السوري على السوري حرام”.
وهنا، لا بد من القول بـأن انتماء مي سكاف إلى عائلة مسيحية، وانتماء فدوى سليمان إلى الطائفة العلوية، شكّلا تحديًا ومواجهة ودحضًا للرواية الرسمية التي سعى الأسد من خلالها إلى تشويه سمعة الاحتجاجات وحاول بهذه السردية تقديم الثورة على أنها نتاج مؤامرة إسلامية متطرفة. مثلما أيضًا لا بد من القول بـأن سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 لم يُغْنِ عن توثيق حالات الاختفاء القسري، وعن العمل من أجل العدالة ومعرفة مصير الآلاف من المفقودين، ولا زالت المرأة هي التي تقود ملف مطالبة النظام الجديد في دمشق بالكشف عن مصير المغيَّبين من خلال عدة منظمات مدنية مثل “جمعية عائلات الشهداء في ملف قيصر”، ومنظمة “نساء الآن من أجل التنمية”، و”منتدى العائلات السورية من أجل الحرية”.
ولعل دور المرأة السورية ونضالها من أجل الحصول على العدالة والحرية لا ينفصل، بل ويرتبط بحركة “المرأة، الحياة، الحرية” التي تشهدها إيران منذ عدة أعوام، حيث كانت المرأة هي القوة الدافعة في كل حركة تحرر شعبي منذ عام 1979. وبعد مقتلل مهسا أميني عام 2022، أصبحت قيادتها لا جدال فيها، الأمر الذي وضع حقوق المرأة ودورها، في طليعة مطالب البلاد بالتحرر.
مع ذلك، يُعلّمنا تاريخ إيران، شأنه شأن العديد من البلدان الأخرى، أن التواجد في الطليعة لا يضمن حماية الحقوق أو تحقيق المساواة الفعلية بعد التغيير السياسي. ففي سورية مثلًا، وفي مرحلة ما بعد الأسد، تبرز اليوم حاجة قصوى إلى مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية، ولنيلها حقوقها التي سُلبت ولا تزال تُسلب منها، ولمنع تحوّل المؤسسات إلى ساحةٍ مهجورة تُفرَغ من الحقوق التي ناضلت المرأة السورية من أجلها.
بين الفراغ المؤسسي وانعدام الأمن
واستمرارًا لعدم حضور المرأة بالشكل المطلوب واللازم في سورية، نجد أنه يندر وجود نماذج نسائية ملهمة في المشهد السياسي السوري الراهن، على الرغم من وفرة النماذج النسائية المميزة في البلاد، ففي الحكومة الجديدة التي تحكم سورية حاليًا، برزت شخصية نسائية واحدة وهي وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، التي صرحت بأنها ستركز جهودها على محاولات تعزيز مفهوم المواطنة في مواجهة الخطابات الطائفية والعنصرية التي تغزو المجتمع السوري والتي تتسم بحالة حقيقية من انعدام الثقة. وقد أكدت قبوات في تصريحاتها العلنية: “سورية بحاجة إلى البدء في التفكير في مفهوم المواطنة”.
وباستثناء هند قبوات، فإن وجود المرأة في المناصب المؤسسية القيادية، من السياسية إلى الاجتماعية والاقتصادية، لا يزال ضئيلًا للغاية بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد. وعلى الرغم من وجود بعض الخطوات البارزة التي ظهرت بخجل بعد انهيار النظام، مثل تعيين امرأة على رأس البنك المركزي السوري – وهو أمرٌ غير مسبوق منذ سبعين عامًا – إلا أن هذه الخطوة بقيت مجرد إجراءٍ شكلي ومعزول. ولا بد اليوم من التأكيد على أنه بدون تمثيلٍ حقيقي وشامل للمرأة السورية في هياكل السلطة، لا يمكن لنا أبدًا أن نضمن حصول أي تغيير في الثقافة المؤسسية، مثلما لا يمكن أبدًا أن نضمن حمايةً فعّالة لحقوق المرأة.
ولعل تفاقم الفراغ الأمني وتفاقم العنف المستمر الذي لا يزال يؤثر بشكل متصاعد على النساء في سورية، يزيد وضع المرأة الحالي في سورية سوءًا ويطرق ناقوس الخطر، حيث تندد حملة “أوقفوا اختطاف النساء السوريات” بعمليات خطف النساء المستمرة منذ عدة أشهر وبكثرة في كل من مدينة حمص ومدينة حماة ومدينة اللاذقية، والتي كانت موجهة بشكل خاص بحق النساء في المجتمع العلوي الذي يعيش في تلك المدن. ووفقًا لتحقيقات موقع درج ميديا التوثيقي، فإن شبكات إجرامية تقف وراء عمليات الخطف هذه، مستغلة الفراغ الأمني لجمع الفدية والانخراط في عمليات الاتجار بالبشر، وقد تم توثيق تورط أفراد مرتبطين رسميًا أو بشكل غير رسمي بالحكومة المؤقتة في دمشق، بالإضافة إلى تورط جماعات محلية وأجنبية ذات أجندات متطرفة. وردًا على هذه التقارير، نفت السلطات الجديدة المؤقتة في دمشق أي دليل على عمليات الخطف الموثقة، وهو رد فعل لا يزيد من هشاشة هذه المجتمعات، ولا من سوء وضع المرأة تحديدًا فحسب، بل إنه يرسل أيضًا رسالة الإفلات من العقاب إلى الجناة، وهذا ما يشجعهم وما يُعتبر تواطؤًا معهم أيضًا.
النساء، مفتاح السلام الحقيقي
في الحقيقة، إن سورية تحتاج اليوم، إلى جانب الدعم الاقتصادي وإنهاء التدخل الأجنبي – مع اعتبار إسرائيل التهديد الخارجي الرئيسي – إلى عملية تعويضات وعمليات جبر الضرر العميقة وإلى مصالحة وطنية شاملة. حيث يعتمد مستقبل البلاد على العدالة الانتقالية التي تمنع اللجوء إلى الانتقام الفردي وتضمن حقوق جميع السوريين. وفي هذا السياق، تُعد مشاركة المرأة بالغة الأهمية، خاصة وأنها كانت قد قادت هذا الجهد لسنوات من خلال منظمات مثل “منتدى عائلات من أجل الحرية”، التي كانت قد صرحت في بيان نشرته في آب/ أغسطس 2025: “إن الذاكرة لا تقتصر على تذكر الماضي فحسب، بل على منع تكراره”، مطالبة بإنشاء لجنة وطنية للتحقيق تتضمن منظورًا جندريًا وحقوقيًا، والمشاركة الفعالة لأهالي الضحايا، وفتح السجون، وحماية الأرشيفات التي يمكن استخدامها كدليل في المحاكمات المستقبلية.
وفي الختام، وفي ظل الوضع السوري الراهن، نجد أن إعادة بناء الثقة والنسيج الاجتماعي تعدّ أمرًا بالغ الأهمية، تمامًا مثله مثل إعادة بناء البنية التحتية. فبدون مشاركة المرأة وإدماج مطالبها بالعدالة وبدون محاسبة من يقوم بعمليات الخطف، لن يتحقق أبدًا أي سلام حقيقي ودائم في البلاد.
(*) ليلى نشواتي: كاتبة وصحافية سورية إسبانية، مستشارة اتصالات، وناشطة في مجال حقوق الإنسان، وأستاذة جامعية تُحاضر في جامعة خوان كارلوس الثالث في مدريد، ضمن تخصص علوم الاتصال. دافعت عن ثورة الشعب السوري منذ البداية في 2011. وُلِدت في إسبانيا عام 1979 لأب سوري وأم إسبانية مما جعلها تحمل كلا الجناحين في تحليقها.
عملت صحافية في أهم الصحف الإسبانية مثل جريدة “إلباييس” اليومية، وهي عضو ناشط في “جمعية الاتصالات التقدمية”.
منذ بداية الثورة السورية عملت مع مجموعة أصدقاء على إنشاء موقع “حكاية ما انحكت” والذي يهتم بأرشفة الحركة الشعبية السورية ويصدر مترجمًا للإنكليزية وللإسبانية أيضًا. لها رواية وحيدة منشورة باللغة الإسبانية بعنوان: “عندما تنتهي الثورة”.
(*) المقال أعلاه نُشرر في جريدة “البوبليكو” الإسبانية بتاريخ 15/01/2026.