مثلما تحتل المرأة جزءاً لافتاً من نشاطات هاني دهب، المشرف على حملة الذهبي للحجاب الشرعي؛ فإنها تشغل مساحة لا يُستهان بها من كتابه الذي يحمل عنواناً صادماً «أفكار كالراجمات»، الذي صدر جزؤه الأول في ربيع العام 2023، وحوى معظمَ منشورات صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمُها بكثافةٍ. في حين أن الجزء الثاني، الذي صدر بعد قرابة سنتين، كان أشبه بملحقٍ أصغرَ للأول، يُكرّر الأفكار نفسها، وأحياناً النصوص ذاتها.

لا نتدخّل في الحياة الشخصية للذهبي حين نقول إنه مزواج، هو الذي يُعلِن ذلك منذ ارتباطه الأول في مطلع عشريناته وحتى تجاوزِ الخمسين الآن. كما أن مسألةَ تعدُّد الزوجات تحتل موقعاً مركزياً في نظرته إلى المرأة. إذ يرى أن الرجل يستطيع أن يحب عشرات النساء وتتقبّلُهنَّ نفسُه، أمّا المرأة فلن تستطيع ذلك إلا مع رجل واحد، ومن تخرق هذا فهي «شاذة مجرمة» خرجت عن الفطرة الطبيعية. كما أنه يقول إن التعدد هو الأصل في الزواج الإسلامي، بعكس من يقولون إن الزواج الأحادي هو القاعدة، ويحتاج التعدد إلى مبررات.

لا يدور هذا الحُكم، الطبيعيُّ والشرعيُّ في نظره، في الفضاء الاجتماعي وحدَه، بل يتجاوزه إلى أبعاد حضارية وصراعية أوسعَ بكثير. فقد عمدت الثقافة الغربية، في رأيه، إلى ترويض «الشخصية الإسلامية» فأصابتها بمرضٍ عُضالٍ لا يلمسه من لا يربِط حال الرجال مع نسائهم في هذه الأزمنة الأخيرة بهزائم الأمة وخور الهمَّة. ففي زمن الفتوحات وصدر الإسلام، عندما كان الرجل يتحرك بفطرة التعدُّد السليمة، مُلِئت صفحات التراجِم بالقادة الذين لم تكبتهم فكرة المرأة الواحدة والبكاء على الأطلال وتحكُّم النساء في حياة الرجل الذي أصبح رتيباً مملاً يعمل ليل نهار ليُطعم ويُكسي ويُرضي من لن تَرضى. أمّا في زمن سيطرة النساء ومنعِهنَّ انطلاقَ الرجال في «فلَك الإبداع والتحرر» فقد نتج ذكورٌ اعتادوا الخضوع بشكلٍ ممنهجٍ، ثم تصاعد الأمر للخضوع لأنظمة طاغوتية بدّلت ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة. لنجد أن نفس المنطق الذي يُنكِر على الرجل تعدّده يُنكِر عليه الخروج على سيطرة حاكمٍ ظالمٍ يحكُم بغير ما أمرَ به الله. فثقافةُ قوةِ الشخصية منهجٌ مجتمعي وتربية أسرية اجتهدَ الأعداء على سلبها من المسلمين بكل السُبل حتى نشأ لدينا «عبّاد حقوق المرأة».

ولا يجوز لامرأة أن تطلُب الطلاق لأن زوجها تزوج عليها، فلو كان الطلاق بيد النساء لطلقنَ أنفسهنَّ 70 مرة في الدقيقة. فانظُر كم إنسان سيُحب هذه الحياة وكم عدَدَ من سيبحث عن صداع تُسببه له هذه الشخصية الكريهة ليستمتع بالمعارك التي سيُضيّع فيها عمرَه؟ وقد كانت المرأة في العهد الإسلامي الأول ذات شأن، فقيهةً عالمةً، يُستعان بها لحل المشاكل بين كبار الصحابة. ومع ذلك لن تجد منهنَّ ناشزاً ولا من تُقلل من زوجها ولا من تحاول وضع نفسها في مكان ليس لها، بتقمُّص شخصية رجل، فينفر منها القريب قبل البعيد.

ولأن الذهبي، الذي يبدو أنه يتلقى استشارات في شؤون الزواج برسائل خاصة، يرى أن الرؤية الشرعية بِنيّة الزواج لا تُمكِّن المرء من تحديد خبايا من أمامه، ولا حتى سنوات من الحديث عبر الإنترنت؛ فإنه ينصح الشاب باختبار بسيط لكنه قاطع الدلالة ولا مزاح فيه. وهو أن يطلب من الفتاة أن تُقبّل يده، فإن رفضت هذا «الفعل الطيب» والمباح، ظهر كثيرٌ من شخصيتها وأسلوبِ تربيتها. والمرأة الناشز يجب عليك أن تتخلَّص منها فوراً، ومن لا تُبالِغ في احترام الزوج ومعرفة قدره «الذي يصل للقداسة» لا تستمرَّ معها ساعة.

وعليك أن تعلَم أنك، بتأديبكَ للمرأة، لا تُؤثِّر في حياتك فقط. بل بمثل هذا تنضَبِط كثيرٌ من النساء اللائي كنَّ السببَ الرئيسي في تربية شخصيات نتجَ عنها ما جعل الجو العام بهذا الضعف، وتُنقِذ أجيالاً قادمة من أن تنشأ على مآسي البيوت من قوامةٍ نسائيةٍ انتزعنَها من الرجال بسبب لهاثهم خلف عواطفهم وشهواتهم، وبما لقَّنتها إياه مؤسسات تتعمد هدم البيوت بأفكار مثل: لا يجب عليكِ خدمة زوجك. لا يجب عليك طاعته. فلتكن لكِ شخصيةٌ مستقلةٌ بمعارضته. كلما زاد تقليلكِ من شأنه ومعاندته كنتِ أكثر شجاعة وأفضلية. يبحثون بذلك عن طرق لتدمير المجتمعات وتشتيت أذهان الرجال بالجدل ليبتعدوا عن قضايا الأمة وتحرير بلاد الإسلام، لكننا «غير متفرِّغين لتُرَّهاتهم».

أغلب المشكلات التي تصل إلى الذهبي هي عن سيطرة النساء و«ظهور أخلاق النسوية». وهو يلوم فيها الرجل الذي تنازل عن قوامته ورضيَ بأن ترفع امرأةٌ صوتها عليه أو تَعصِيَه وتَنشُز، واستمر معها. فالذكر الذي لا يستطيع السيطرة الكاملة على امرأته فَقَدَ صفات الرجولة ناهيك عن القيادة. أمّا الذي يستطيع السيطرةَ على عدة زوجات فيُمكنه حُكم دولة بما تعلّم من سياسة وتعامل مع أضداد. فالتعدّد لا يَقدِر عليه كل الرجال، لأنه ليس مجرد «تغيير لأنواع الفاكهة» كما يظنه أصحاب النظرة السطحية. نعم، فيه ذلك بالطبع، لكنَّ أغلبه حنكة وإدارة وصبر ومضاعفة إنفاق وتكعيب مسؤوليات وذكاء متابعة وتأقلم مع عدة شخصيات وتوفير متطلبات مُتشعِّبة مختلفة لعدة نساء لا تُشبِه الواحدةُ منهنَّ أختها. ولذلك أجاب أحد طالبي النصيحة المقبلين على التعدّد: «هل ركبت البحر؟».

وبالطبع يغضب الذهبي حين يلاحظ أن الفكر النسوي لم يعد يقتصر على «المتبرجات»، بل تجِد كثيراً ممَّن يُطلَق عليهنَّ «أخوات» يحملنَه ولكن بشكل مصبوغ بصبغة إسلامية. وتعريف هذه الأخت هو أنها امرأة منتقبة أو محجبة تقوم ببعض الفروض وبعض السُّنن مع التلفُّظ بألفاظ الملتزمات المعروفة، وقد تُعرّف نفسها بأنها طالبة شريعة أو مدربة تنمية بشرية، ومع ذلك فهي فعلياً تُنكِر أحكاماً واضحة بتأويلاتٍ تستخدمها كما يقولُها العلمانيون والنسويات المباشرات ولكن بشكلٍ إسلاميٍّ عجيبٍ. وتَحضُّ النساء على المعارك مع الرجال من أجل توافِه الأمور. وهي ترى أن الإسلام ظلمها ولكنها لا تُظهر ذلك وترفض الحديث المباشر عنه. وهؤلاء «المتدينات» أشدُّ ضرراً لأنهن يقدّمنَ آراءً تجذب من في قلبه مرض وتُدمر الأجيال بشكل لا تستطيع فعل رُبعِه الأخريات.

يقول الذهبي، أكثر من مرة، إنه لم يفتح حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي للخدمات الاجتماعية وحل مشكلات الأزواج وقضايا الارتباطات، لكنه وجد أن المسائل المُتعلّقة بالمرأة والرجل تجذِب انتباه الجنسين بشكل قوي، فصار يكتب ما يتعلَّق بهما ليكون «طُعماً» لاصطياد «الزبون» الذي لا يهتم إلا بقصص العلاقات، فيقرأ عن التعدّد والحب والزواج ليجد نفسه يطّلع تلقائياً، في منشورات أخرى، على «قضايا الأمة وأهوال الشام وانتصار أفغانستان وعزم أفريقيا والصومال ومالي واليمن»… لكن الأمر يبدو أعمقَ من ذلك!