“ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَررِ”
[بشار بن برد]
(أ) طائر الحدأة يصطاد القوارض والحشرات من خلال إحراق الغابات، لتهجير الفرائس الصغيرة، لذلك فهو صقر النار الذي تعلّم كيفية الاصطياد ولو كلّف ذلك إحراق غابات واسعة. هذا الذكاء الفطري لطائر صغير هو أقرب للأسطورة منه إلى الواقع. غير أن الواقع أفرد الحدأة من دون بقية الطيور الجارحة بسلوكه غير المعتاد، كعامل مساهم في امتداد الحرائق في الغابات والمزارع الكبيرة.
(ب) في إحدى القلاع المغولية في هيمالايا الهند هناك شمعة لا تنطفئ ولا يذوب شمعها منذ 300 سنة في سر هندسي يُعد أعجوبة. ولا يمكن لأحد أن يفسر اشتعال شمعة واحدة طيلة ثلاثة قرون. ولمّا حاول المهندسون المعاصرون فك اللغز بالحفر تحتها وإلى جوانبها انطفأت الشمعة ولم تعد إلى العمل ثانية. انقطعت المشيمة التي كانت تغذّيها في البقاء والخلود…!
شخصيًا… رأيتُ الشمعة المطفأة. رأيت الصمت المحيط بها. ورأيت الذهول الذي يكتنف السياح وهم يستمعون إلى قصة الشمعة العجيبة.
(ج) دخلت اختبارًا صحافيًا في دولة عربية مع مجموعة من الصحافيين والإعلاميين. الاختبار هو عبارة عن سؤال واحد والمطلوب الإجابة السريعة عليه. وكان السؤال غير المتوقع: ما أهم حدث في طفولتك؟ ولأنه يتوجب أن أسرع في الإجابة قفز إلى ذهني – بصورة غير متوقعة – حريق بيتنا في منطقة قروية ريفية بيوتها من القصب، وكيف انتشلتني الوالدة من بين النيران وهي تسحلني سحلًا بينما كنت نائمًا. قفز لي هذا الحادث من غيره، بالرغم من كوني صغيرًا ينبغي ألا أتذكر هذا. إلا أنه انفرش أمامي كما لو أنه حدث قبل أيام، بالرغم من تشوش صورة النار القديمة أمامي.
(1)
لن يكون طائر الحدأة في القلاع المغولية أو بين الماء والأهوار وبيوت القصب. ولن تكون الأحلام في كل مرة تفسر الواقع أو المُقبل منه؛ ففي الأحداث الثلاثة (أعلاه) ثمة نار صغيرة كشمعة المغول؛ وحرائق واسعة كاحتراق الغابات من قبل طائر النار، وحريق متوسط لبيت الطفولة القصبي. فالنار تولد من شرارة صغيرة.
في الحالات الثلاث استنهضت الحدأةُ النارَ من الأشجار، واستقدم قصبُ بيتنا النار ذاتها، فيما كان مجهولٌ قد أوقد شمعة المغول حتى انطفأت بعد ثلاثة قرون. لهذا يبدو وكأن النار غير موجودة في الحياة كعنصر من عناصر الطبيعة، لكننا نوجدها لحاجتنا إليها. لذلك فهي مختفية، لنقل بأنها مختبئة في خشب الأشجار، بين القصب والحصى والمعادن الثمينة. بين كل شيء معنا وحولنا. النار سر داخلي اكتشفناه نحن البشر منذ عصور ما قبل التاريخ. وهذا قبل عصر العلم.
سنرى في الحالات الثلاث بأن النار لا تُحاط بإطار واحد. ليس لها شكل ثابت، ولا رائحة محددة، ولا طعم. إنما كنقيضها الماء؛ تأخذ شكلها من المكان الذي تشعله أو تشتعل فيه. فقد تكون جمرة صغيرة لم تتسع. أو تكون حريقًا كبيرًا في غابات نائية. قد تكون أفقية أو عمودية، تبعًا للرياح التي تنشرها. أو في جو ساكن لتعلو ما شاء لها أن تعلو، فتأخذ من المكان الذي تستعر فيه رائحته العميقة وتفضحها لكنها تطهره وتقضي عليه لذلك فهي بلا رائحة شخصية. لا يمكن أن يُشم فيها رائحة خشب أو قصب. كما أنها غير ثابتة اللون، فقاعدتها اللهبية لا تشبه وسطها أو أطرافها، وحرارتها متفاوتة كما سيأتي.
أما طعم النار فلا طعم لها. إنها عبارة عن لهب متداخل. ألسنة فوّارة تأكل ما أمامها. لهذا فالشكل (الفني) لها غير موجود. ليس لها شكل هندسي أو رمزي. لوحة متمردة في الفن.
| الاشتعال يضاهي الحب ويتفق مع المعنى في سياقية التأويل الباشلاري |
(2)
النار ليست علمًا بتعبير جاستون باشلار. لا تُدرّس بين العلوم الكيميائية والفيزيائية والكهربائية. فهي ليست شيئًا ماديًا، بل تنتج عن تفاعلات كيميائية لتخرج من محبسها الذري، وتتحرر من طاقتها الداخلية. ففي الهواء أوكسجين لا ينتهي. ولأنها كذلك فهي حالة شخصية اكتفت بأن تكون نارًا حسب. ومع أنها مصدر للحرارة، إلا أنها حارقة وقاتلة لو اتسعت ودخلت البيوت والمحال والأسواق.
عندما أخذ الفيلسوف الظاهراتي باشلار على عاتقه أن يؤول النار ويربطها بفلسفة تقوم على أسس علم النفس التحليلي، قام بتحليلها ككيان واحد، وربطها بـ”الجنس والأنوثة” ربطًا، ليس مهمًا أن نتوافق معه كليًا، بالقدر الذي نحتكم فيه إلى الوعي الذي يؤسطر النار مرة، وأخرى يُطقّسها دينيًا، وتارة يعبدها. “حميمية اللهب هي الجنس الذي يقابل الحياة المادية بوجود الرجل والمرأة”. والمشتركات التي وجدها باشلار بين الأنوثة والنار قد لا تقنع قارئًا عابرًا، لكنها تمضي وتتفكك إلى عناصر صغيرة ثم تتكون كما هي في التأويل النفسي.
اللهب هو فكرة النار. هو الضوء المنبعث من الذرات.
النار ليست هي التي تحرق، إنما اللهب؛ لا لأنها خفيفة وشفافة ومرئية تمامًا، تصعد إلى الأعلى؛ خلف اللهب؛ ولا تنزل. لا لأنها ثانوية في صيرورتها المتشكلة. بل لأنها تتبع مسارات اللهب بالتمام في مراحل تتفاوت في ظاهريتها، وباطنية في نزوعها إلى الشر. ولا تتناقض معه. فاللهب هو القوة الساحبة لها. هو الذي ينبثق من الخشب والحطب أولًا، ثم يتمرأى في النار. الاكتواء باللهب حسب الوعي هو الذي يتأثر بالنار. كما لو أن الوعي في اللهب وليس في النار، وعليه فإنها مخزن اللهب الذي يتصاعد ولا ينزل. انعتاق فوري من محبس خشبي أو صخري جاف.
لهذا يحق لنا أن نتساءل: أين يذهب اللهب عندما تنطفئ النار؟
لا توجد نار مسالمة؛ لكن يمكن عدّ نار الشمعة التي تشبه سمكة إصبعية هي النار الأكثر مسالمة والأقل خطورة من فضيحة الحرائق العريضة. وهذه أيضًا يتوجب مراقبتها ومنع الرياح القوية من أن تُسقطها. فنيران المناسبات الشمعية هي لهب صغير؛ مجموعة شرارات متحدة؛ يبعث على الحرارة الأكثر خفةً، ويحتفل بالمناسبات الميلادية والهجرية، لذا فهو محدود ضمن قالب بيتي لا يتجاوزه. وسنعرف من سياق الأحداث الصغيرة والكبيرة التي رأيناها وسمعنا عنها، ومن مستقبل النار بأن مستصغر الشرر هو الحريق الهائل، لكنه مُحكم بقيود… كشمعة الميلاد.
هكذا تُستحضر النار التي أنس بها النبي موسى؛ فهي ليست نارًا مادية إنما هي نور الله الذي تجلى له بوضوح. فالنور هو نار بلا حرارة كافية. نار مجمّدة في قالب روحاني عظيم… هكذا يؤسطر المفسرون هذه الآية:
“إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى”، سورة طه – الآية 10.
(3)
يحيل باشلار النار إلى وعي أنثوي، بربطها بالحرارة الناتجة عن جسدها، لهب المدفأة المتوازن. لهب الموقد المخدّر. وكلها حرارة دافعة وناعمة، تأنس لها النفس شتاءً. هذا الربط ليس عشوائيًا بتقديرنا، لا سيما لو انتبهنا إلى أن الصيف لا يحتاج إلى مدفأة أو موقد حجري. فالفصول لها آلياتها الدارجة التي لا تنفصل عن الكيان البشري: الجسد الذكوري بدرجة حرارته الـ 37 المئوية الثابتة ينطوي على “دفء جنسي معقول”، وأبعد من هذا أن توليد الحرارة (الجنسية) إذا عددنا النار وجهًا من أوجه الحب الجسدي؛ يأتي عبر الحركة والرياضة والاحتكاك. فالاحتكاك هو الذي يولّد الدفء ومن ثم إشعال النار فيه، وهذا قياس على أن النار تتولد من الاحتكاك، حجرًا بحجر، غصنًا بغصن؛ الغابات تحترق بفعل احتكاك الأغصان (لو استبعدنا طائر الحدأة المشاغب)، وعندما تكون “النار امرأة” فيها برق وصواعق نارية فهي تصعد عبر اللاوعي إلى الأعلى “لأن الإنسان خلقته الرغبة ولم تخلقه الحاجة”، الرغبة الذاتية تتضخم قطعًا. حتى فرويد أحالها إلى الرغبات القوية للإنسان من أجل العمل والإبداع ليس للجنس فحسب، لكن باشلار ربطها به أولًا وأخيرًا.
تتحول النار المستعرة إلى لهب خفيف مرئي، كونه “أقل أنواع الموت وحدة”، لذا فمعركة النار إن لم تكن نفسية فإنها بيولوجية صارمة، وهي نار النار في فحولتها المؤنثة، كونها عنصرًا من عناصر الحياة مع الماء والتراب والهواء. وإذا كان الحب “نارًا” بمعنى التحليل والتأويل فإنها تصبح نارًا جنسية وتنتقل إلى الطرف الآخر. وباشلار يتعمق في هذا ويصغي إلى نداء الجسد مرتفع الحرارة: “إذا ما اشتعلنا فإننا نحب”، فالاشتعال يضاهي الحب ويتفق مع المعنى في سياقية التأويل الباشلاري.
(4)
بعد العلم يكون التأويل ذا ملامح علمية على الأغلب الأعم. وعلم النفس الذي يتدرج مع وقائع التاريخ والمعاصرة، يستطيع ربط حالات الطبيعة مع بعضها بطريقة تبدو انسيابية، مع أنها لا تبدو كذلك، بسبب تعقيد العنصرين: الإنسان، النار. الأول عنصر ذو غوامض كثيرة، يتداخل فيه الوعي باللاوعي في كثير من الأحيان. تركيبة غريبة وغير ممكنة الفهم. الخيال والواقع لا يتطابقان فيه، لكنهما يؤسسان يوتوبيا شخصية على الأكثر.
أما النار فهي عنصر من عناصر الحياة والوجود اليومي، وإذا ما سلمنا أن التفسير الجنسي ممكن في شبوب الحرائق والنيران العالية، وله علاقة ما، فإن “ألسنة النار” لا بد أن تكون “أكثر حساسية في الجنس الأنثوي” لأن الحرارة الأنثوية “تهاجم الأشياء من الخارج أما النار فتشكل المادة الأنثوية” لها. لنفهم على نحو مباشر بأن المرأة نار أيضًا. وهذا من التأويل المتداخل في فهم الكينونة النارية والأنثوية بخلطهما معًا. فنقع في النار العنيفة حتى لو تسببت بها شمعة صغيرة، ونغادر النار الرقيقة في أقصر وقت.
لكن هل كان الإنسان القديم يعي ذلك؟
| في إحدى القلاع المغولية في هيمالايا الهند هناك شمعة لا تنطفئ ولا يذوب شمعها منذ 300 سنة في سر هندسي يُعد أعجوبة (Getty) |
(5)
الشعوب القديمة قدّست النار وعبدتها. المجوس في إيران القديمة عدّوا النار رمزًا للنور الإلهي والطهارة والخير. الزرادشتيون والشعوب الهندية القديمة احتفت أساطيرهم وحتى خرافاتهم بالنار المطهّرة. عبدوا النار وقدّسوها وأولوها اهتمامًا استثنائيًا من دون عناصر الحياة الأخرى، هي نار مطهّرة في الفكر الزرادشتي، لأن الإنسان فيها حر: النار حكمة. والجحيم منطقة باردة تسكنها الحيوانات المتوحشة تعاقب المذنبين بما اقترفت أيديهم من إثم في الدنيا.
إنسان ما قبل العلم، ما قبل التاريخ، أخافته الطبيعة بتقلباتها الكثيرة. النار أسهمت في روعه. لكنه كان يحتاجها. وجد ذلك ممكنًا من توليد حجرين يابسين. اكتشف النار فاكتشف ذاته المعطلة، فكانت مبدأه في الحياة الغامضة. وربما وقتها اكتشف الغد/ المستقبل/ فالنار ثقافة – وعي – يقظة. ولو تأملنا مظهر النار بوصفها أحد عناصر الحياة والطبيعة، لوجدنا بأنها مظهر من مظاهر التقديس التعبدي. لكن باشلار يضعها في قوالب التحليل النفسي مستشهدًا بالمكونات الجنسية لأحلام اليقظة حول النار.
يشير باشلار أيضًا إلى أن التحليل النفسي لمُشعلي الحرائق يكشف أن لهم ميولًا جنسية أكثر من غيرهم، بقوله إن النار الحبيسة في الفرن هي النار الأنثوية؛ المذيب الكوني في كيميائها المستعرة. على اعتبار أن “العلم يتأسس على حلم اليقظة أكثر مما يتأسس على التجربة”، وهذا ليس مثالًا كونيًا، لكنه من تأويلات علم النفس وتحليله للظواهر المادية والحسية. أحلام اليقظة هي التماس السري بين الأنا والآخر. العمق الدال على الوصول إلى العمق.
“العمق هو ما نخفيه”- باشلار.
إذًا علينا أن نتماهى مع هذه الحكمة الباشلارية ونصدقها فعلًا. ولما كانت “النار ابنة الخشب” فهي “ابنة الإنسان” قبل ذلك، وهي أحد العناصر القوية للثقافات العالمية في مهد الحضارات ما قبل التاريخ، قبل عصر العلم والاكتشافات والاختراعات. تُعد مصهر الثقافات على مر الحقب الحضارية “اختراع النار وحده… حجر الزاوية لكل بناء ثقافة”.
هذا يمكن تصديقه. لكن الذي لا يُفهم تأويله هو: كيف علينا أن نصدق بأن النظافة هي قذارة من وجهة نظر التحليل النفسي الباشلاري…!
(6)
يمكن أن تكون النار زرقاء أو حمراء أو صفراء. ألوان النار هي هكذا، ولكن هذه الاختلافات تتبع قوة الحرارة التي تكتنزها. فقاعدة اللهب زرقاء كونها أكثر حرارة، ووسط النار بلون برتقالي لأنه الأقل حرارة، أما أطرافها فهي صفراء وهي الأقل حرارة نسبيًا. وهذا يعني أنه كلما ارتفعت درجة الحرارة تغير اللون. فتخرج من عمقها غير المرئي، تنعتق من حبسها في اللاوعي كونها كائنًا حيًا. النار كائن حي يأكل كل شيء يمرّ عليه. لكنها قد تحتضر في الموقد فتتحول إلى لون أحمر، هو لون الموت القريب تحت الرماد. وضماد روحها هو النفخ التدريجي من البطء إلى البطء الأسرع حتى تتوهج وتحيا. وإذا ما كانت مستعمرة الشرار “علّة النار” فالنار يمكنها أن تغيّر كل شيء حتى الحديد الصلب تذيبه مثل العجينة، بعد أن تقذف فضلاتها من الدخان.
لكن كيف تموت النار؟
(7)
شمعة المغول النحيفة أخرجت النار من جوفها حتى أطفأها – من دون قصد – مهندس مغفّل. بينما طائر النار أحرق الأرض وما فيها من أجل أن تهرب القوارض والحشرات ليأكلها. ولما كنتُ ابن الرابعة أو الخامسة من العمر طوقتني النار من كل جانب، لولا أمي التي سحلتني كالنعجة الصغيرة وأخرجتني من دائرة النار القديمة. وكل هذه التوثيقات كانت النار مصدرها. نار الذاكرة التي تتوهج بها.
كانت نار الاختبار الصحافي القديم هي الأصعب لأنها انبثقت من الذاكرة الطفلية بشكل عنيد.
مصدر:
رافقتُ في رحلة النار المختصرة كتاب جاستون باشلار “التحليل النفسي للنار” بترجمة: د. زينب الخضيري، دار شرقيات للنشر والتوزيع والمركز الفرنسي – القاهرة 2003.
تعريف:
غاستون باشلار (27 حزيران/ يونيو 1884 – 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1962): أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين، وأبرز فيلسوف ظاهري، قدّم أفكارًا متميزة في مجال الإبستمولوجيا، حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي مساهمات لا يمكن تجاوزها، بل تركت آثارها واضحة في فلسفة معاصريه ومن جاء بعده. من أشهر مؤلفاته: “جماليات المكان” و”الماء والأحلام” و”الهواء والرؤى” و”شاعرية أحلام اليقظة” (ويكيبيديا).