كان يمكن أن يكون مجرد حفل افتتاح عادي، بكلمات معتادة وقص شريط ودعوات يصعب تمييزها عن آلاف المناسبات المماثلة في عالم تُوظف فيه الثقافة، غالباً، غطاء براقاً للسياسة. لكن تدشين المسرح الملكي بالرباط لم يكن ذلك أبدا. ليس فقط لأن المعمار يخطف الأنفاس؛ صرح زجاجي يتحدى الصحراء ويعانق الأطلسي في آن، بل لأن الحضور كان مختلفا، والرسالة كانت مختلفة. حين وقفت شخصيات دولية إلى جانب فنانين ومفكرين من المغرب والعالم، لم يكونوا مجرد ضيوف شرف في افتتاح مؤسسة ثقافية. كانوا شهودا على لحظة تحول، أتقن المغرب فيها استخدام أدوات لا تمتلكها الجيوش ولا البنوك المركزية ولا حتى الاتفاقيات التجارية: أدوات الثقافة بوصفها سلاحا جيوسياسيا من طراز رفيع. لأن ما يحدث اليوم في المملكة المغربية يتجاوز بكثير السؤال التقليدي: هل تدعم الدولة الفنان أم لا، ليصل إلى سؤال آخر أكثر جوهرية: ماذا يحدث عندما تتحول الثقافة من هامش رفاهية إلى مركز في إستراتيجيات القوة؟
لطالما نظر العالم إلى الثقافة، بحس تبسيطي، على أنها ترف المجتمعات الغنية؛ حلوى جميلة تأتي بعد أن تُحلّ المشاكل الاقتصادية الكبرى. لكن المغرب ذهب أبعد من ذلك بكثير: جعل الثقافة محركا اقتصاديا قبل أن تكون ترفا، وصناعة قائمة بذاتها تخلق فرص عمل وتدير رأسمالا وتجذب استثمارات وتحول مدنا بأكملها إلى وجهات تتنافس عليها الخطوط الجوية ووكالات الأسفار وشركات الضيافة الدولية. المسرح الملكي ليس مبنى، بل هو مشروع اقتصادي متكامل يُحدث زلزالا صغيرا في الناتج المحلي للعاصمة. الفنان الذي يؤدي على خشبته يحتاج إلى إضاءة، وإلى ملابس، وإلى نقل، وإلى سكن، وإلى طعام، وإلى مليون تفصيلة صغيرة تشكل في مجموعها سلسلة قيمة تمتد إلى المطاعم والمقاهي والفنادق والمحلات التجارية ووكالات السفر بل وحتى مدارس تعليم اللغات للسياح الذين لا يأتون لمشاهدة معلم واحد بقدر ما يأتون لاستنشاق مدينة تعيد تعريف نفسها كعاصمة ثقافية بامتياز.
العالم كله يبحث عن هذا النموذج اليوم: باريس نجحت بفضل مسارحها الكبرى في أن تستمر كأول وجهة سياحية على الرغم من كل منافسيها، لندن تحولت إلى مدينة لا تنام ثقافياً وجنت من ذلك مليارات لا تحصى، ميلانو وبكين وإسطنبول كلها تعلمت درسا واحدا: الثقافة لا تستهلك الأموال فقط، بل تولدها. ما يفعله المغرب هو أنه يقرأ هذا الدرس بذكاء، ويطبقه في سياق عربي وأفريقي ظل لوقت طويل أسير فكرة أن بناء المسارح هو رفاهية لا يمكن تحملها عندما تكون الأولويات هي الخبز والماء. لكن المغرب اختار أن يخوض المغامرة المعاكسة: أنه لن يحصل على الخبز والماء للناس جميعا إلا إذا خلق اقتصادا متنوعا لا يعتمد فقط على الفوسفات والفلاحة، بل على الإبداع الإنساني ذاته.
لطالما نظر العالم إلى الثقافة على أنها قطعة حلوى تأتي بعد أن تُحلّ المشاكل الاقتصادية الكبرى لكن المغرب انخرط في لعبة أكبر: جعل الثقافة محركا اقتصاديا قبل أن تكون ترفا
لكن المغامرة الأعمق ليست اقتصادية، بل سياسية بامتياز، وهنا يصبح المسرح الملكي بالرباط أكثر بكثير من مجرد صرح ثقافي. في منطقة ملتهبة شمالها يعاني من أزمات متتالية وجنوبها يعيش صراعات مفتوحة وشرقها يغلي بقوى متناحرة على النفوذ وسواحل المتوسط تحترق بلهب الهجرة غير النظامية والتطرف والإرهاب، يقدم المغرب صورة بديلة: دولة مستقرة، حديثة، منفتحة، قادرة على بناء مشاريع كبرى في ذروة التحديات الاقتصادية العالمية. هذه ليست صورة دعائية سطحية، بل هي رسالة سياسية مباشرة لأوروبا التي تحتاج إلى جار جنوبي مستقر، ولأفريقيا التي تبحث عن نموذج تنموي ناجح، وللعالم العربي الذي يتعطش إلى دليل على أن المنطقة قادرة على إنتاج الحداثة من داخلها. المسرح الملكي، بكل تفاصيله، يقول لكل من يسمع: المغرب ليس دولة تتداعى عند أول أزمة، بل هو دولة تخطط لمئويتها القادمة بثقة من يملك رؤية. والأكثر دقة من ذلك، أن الثقافة هنا تُستخدم لتأطير الهوية الوطنية في لحظة تتعرّض فيها جميع الهويات في المنطقة لضغوط هائلة. من خلال استضافة الفنون المغربية والعربية والأمازيغية والأفريقية على مسرح واحد، يعيد المغرب إنتاج سرديته الوطنية كدولة تعددية مندمجة، نموذج حيّ على أن التنوع لا يؤدي بالضرورة إلى التفكك بل يمكن أن يكون مصدر قوة. في وقت تتصارع فيه دول المنطقة على من يمثل الأصالة الحقيقية ومن يملك الشرعية التاريخية، يختار المغرب سلاحا مختلفا: لا يدافع عن هويته بالانغلاق، بل بالانفتاح، ولا يحصنها بالجدران بل بالجسور.
هذا يقودنا إلى البعد الأكثر استشرافا في إستراتيجية المغرب الثقافية: القوة الناعمة الدولية. حضور شخصية مثل بريجيت ماكرون في حفل التدشين لم يكن بروتوكولا دبلوماسيا، بل كان لحظة معبّرة عن تحول عميق في علاقة فرنسا بالمغرب، وتحول أعمق في كيف ينظر العالم إلى هذه المملكة. الثقافة أصبحت الأداة التي تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه المذكرات الدبلوماسية والبيانات الرسمية: تبني جسور ثقة حقيقية بين الشعوب، ليس فقط بين الحكومات. كوريا الجنوبية فهمت هذا قبل عقدين، واستخدمت ثقافتها الشعبية لتحتل عقول العالم وقلوبه قبل أن تحتل أسواقه، وأصبح الكيبوب والدراما الكورية اليوم من أقوى أدوات النفوذ الكورية في آسيا وأميركا وأوروبا. فرنسا نفسها، رغم كل انتقاداتها، لا تزال قوتها الناعمة تتجلى في مطابخها ومتاحفها ومهرجاناتها السينمائية أكثر مما تتجلى في قواعدها العسكرية. الصين، الأكثر براغماتية، أطلقت العشرات من معاهد كونفوشيوس وأقامت أضخم المشاريع الثقافية في أفريقيا وأميركا اللاتينية ليس لأنها تحب الفن فقط، بل لأنها تعلم أن نفوذ الغد سيكتب بالثقافة قبل أن يكتب بالمال أو السلاح. المغرب يلعب اللعبة نفسها الآن، لكنه يلعبها بذكاء من يملك أوراقا مميزة: موقعا جغرافيا فريدا، تاريخا حضاريا غنيا بالمكونات المتعددة، ومصداقية متنامية كلاعب إقليمي لا يمكن تجاهله. نجاح هذه الإستراتيجية يحتاج إلى الصبر، لكن المؤشرات الأولى مشجعة: المغرب لم يعد مجرد وجهة للشمس والشاطئ، بل بات مرادفا لفكرة أن دولة عربية وإسلامية وأفريقية يمكنها أن تكون رائدة في الثقافة المعاصرة دون أن تتنازل عن خصوصيتها.
لكن الجمال الحقيقي للمشروع الملكي، ربما، يكمن في التوازن الذي يحققه بين المحلي والعالمي. مسرح بحجم هذا الصرح وتلك الطموحات يمكن بسهولة أن يتحول إلى “فضاء غربي” في قلب الرباط، حيث يقدم الفنانون العالميون عروضهم لجمهور النخبة الدبلوماسية، بينما يظل الفنانون المحليون خارج دائرة الضوء والمشاهدون العاديون خارج قائمة المدعوين. المغرب تجنب هذا الفخ بعناية، ليس من خلال بيانات شعبوية، بل من خلال برمجة فعلية توازن بين استضافة أيقونات المسرح العالمي وبين توفير منصة حقيقية للمبدعين المغاربة والعرب والأفارقة. الأصالة والانفتاح لم يعودا متناقضين في هذه الرؤية، بل أصبحا وجهين لعملة واحدة: لا يمكنك أن تكون منفتحا حقيقيا إلا إذا كنت واثقا من أصالتك، ولا يمكنك أن تؤكد أصالتك في عالم معولم إلا إذا أثبتت قدرتك على الحوار مع الآخرين بلغتهم وفنونهم وطريقة تفكيرهم. هذه معادلة صعبة، تفشل فيها معظم الدول إما بالانغلاق المريض أو بالذوبان المذل. المغرب يجرب تقديم إجابة ثالثة: أن يكون عالميا دون أن يتوقف عن كونه مغربيا، وأن يفخر بتنوعه دون أن يفقد تماسكه، وأن ينفتح على كل التيارات دون أن تنجرف هويته.
قد يعترض أحدهم بالقول إن بناء مسرح مهما بلغت ضخامته لا يطعم جائعا ولا يداوي مريضا ولا يؤمن سقفا لمشرد. وهذا صحيح، لكنه صحيح فقط إذا نظرنا إلى الثقافة بمعزل عن كل شيء آخر. أما إذا نظرنا إليها كجزء من إستراتيجية متكاملة، فإنها تدعم الاقتصاد فتخلق فرص عمل وتجذب استثمارات، وتدعم السياسة فتعزز الاستقرار وتحد من الصراعات، وتدعم الدبلوماسية فترفع مكانة الدولة في المحافل الدولية مما ينعكس إيجابا على كل مجالات التعاون من التجارة إلى الأمن إلى الهجرة. الثقافة ليست بديلا عن التنمية بل هي جزء من التنمية، وليست ترفا بعد تحقيق الرفاهية بل هي أداة لتحقيق الرفاهية. هذا ما فهمه المغرب، وهذا ما لا تزال كثير من الدول العربية والأفريقية تتلكأ في استيعابه. المسرح الملكي بالرباط ليس نهاية الطريق، بل هو إعلان عن مسار طويل ستتوالى فيه المشاريع الثقافية كجزء من إعادة توزيع مشهد القوى في المنطقة. فهو يقول لمن يريد أن يسمع: لم تعد القوة تقاس بعداد الدبابات أو حجم الاحتياطي النفطي فقط، بل تقاس أيضا بقدرة الدولة على سرد قصتها، وإغراق العالم بجمالها، وإقناع الآخرين بأن مشروعها الحضاري يستحق المشاهدة والاستماع والتصفيق. وفي منطقة منهكة بالعنف والإحباط واليأس، ربما يكون هذا النوع من القوة هو ما نحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر.