مع أن كثيرًا من دول المنطقة نشأت بفعل خارجي إلى حد كبير، فإن هشاشة الدولة السورية لاحقًا لم تكن نتيجة لذلك الأمر وحده، بل جاءت أيضًا نتيجة الفشل في بناء مؤسسات سياسية واجتماعية مستقرة، قادرة على دمج التنوّع السوري ضمن إطار وطني فعّال. كما أن غالبية القوى السياسية، التي تأسس معظمها في ظل الاستعمار الفرنسي -من الشيوعيين والقوميين العرب والقوميين السوريين إلى الإسلاميين- رأت في الدولة السورية كيانًا مؤقتًا أو مرحلة انتقالية نحو مشروع سياسي أوسع، يختلف باختلاف مرجعياتها الأيديولوجية وغاياتها النهائية. كانت نتيجة تضافر الفعل الخارجي مع الداخلي ولادة دولة مشوهة.
ورغم أن تجربة الوحدة السورية المصرية عام 1958 مثّلت ذروة الحلم القومي العربي، لكن سرعان ما فشلت كاشفة حدود المشاريع فوق الوطنية، ومظهرة هشاشة التوازنات الداخلية السورية، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومع صعود البعث ثم استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، حيث أدخل سوريا مرحلة جديدة من الحكم السلطوي الذي اعتمد على الحزب العقائدي ثم الأجهزة العسكرية والاستخباراتية التي تضخمت لحد ابتلاعها الدولة والمجتمع في النهاية مستندًا إلى الانقسامات الاجتماعية والسياسية القائمة.
.
وفي هذا السياق، لم يسعَ نظام الأسد إلى احتواء الانقسامات الاجتماعية بقدر ما عمل على إدارتها واستثمارها بما يضمن استمراره ويحول دون تشكّل فضاء وطني مستقل قادر على تحدّي سلطته. ومن أبرز أدواته في ذلك تقديم نفسه بوصفه “حامي الأقليات”، لا لأن تلك الأقليات كانت تواجه تهديدًا وجوديًا مباشرًا، بل لأن هذا الدور وفّر له مصدرًا إضافيًا للشرعية، خصوصًا على المستوى الدولي، عبر تصوير بقائه كضمانة للاستقرار ومنع الانفجار الطائفي. وفي المقابل، كرّس النظام انعدام الثقة بين الطوائف باعتباره إحدى آليات الحكم والسيطرة، مروّجًا، في خطابه الإعلامي وداخل بيئته المؤيدة، لفكرة أن سقوطه سيؤدي إلى استبدال ما يُسمّى “الهيمنة العلوية” بهيمنة “المتطرفين السنّة”.
وبالتوازي مع ذلك، ترسّخ خطاب سياسي وإعلامي يرى في “التطرف الإسلامي” -بوصفه نواة محتملة لفاشية دينية- خطرًا يفوق خطر الديكتاتورية الأسدية نفسها، الأمر الذي ساهم في تبرير القبول بالنظام باعتباره أهون الشرّين. وبهذا الشكل، لم يكتفِ النظام باستخدام الانقسامات الطائفية كأداة أمنية داخلية، بل نجح أيضًا في توظيفها سياسيًا على المستوى الإقليمي والدولي، لتقديم بقائه باعتباره شرطًا للاستقرار، لا سببًا رئيسيًا في إنتاج الأزمة واستدامتها.
كان نمط التعايش السائد في عهد الأسد -القائم على تجنّب الحديث عن الانقسامات، ولا سيما الطائفية منها، والاحتماء بشعارات جوفاء عن “الوحدة الوطنية”- يحمل في ذاته عوامل الإضرار بسلامة المجتمع ووحدته. فذلك “التعايش” الذي فرضه النظام لعقود لم يكن تعايشاً حقيقياً بقدر ما كان شكلاً من أشكال القمع السياسي والاجتماعي للانقسامات الكامنة تحت السطح، وهي الانقسامات التي عادت اليوم لتظهر بوصفها أحد أبرز التحديات أمام إعادة بناء الدولة السورية.
وإلى جانب ذلك، شهدت البلاد اختلالات اقتصادية وتنموية عميقة، تجلّت في تركز الثروة والسلطة داخل دائرة ضيقة مرتبطة بالعائلة الحاكمة، مقابل تهميش مناطق واسعة وتآكل الطبقة الوسطى. كما ساهمت التحولات النيوليبرالية، التي تسارعت خلال العقد الأخير قبل الثورة، في تعميق الفوارق الاجتماعية وإضعاف البنى الاقتصادية التقليدية، بما زاد من مستويات الاحتقان الاجتماعي والهشاشة العامة داخل المجتمع السوري.
ومع انطلاق الثورة السورية، وما أعقبها لاحقًا من فراغات في السلطة وتشكّل الفصائل والميليشيات المسلحة، برزت تلك الانقسامات بصورة أكثر حدّة، لتطغى تدريجيًا على المنحى الوطني الجامع الذي طرحته الثورة في بداياتها، ولا سيما ما تعلق بوحدة الشعب والأرض. وفي الوقت نفسه، لعبت العوامل الإقليمية والدولية دوراً حاسمًا في تعقيد المشهد السوري بعد عام 2011، مع تحوّل البلاد إلى ساحة تنافس وتداخل نفوذ بين قوى متعددة. الأمر الذي ساهم في إطالة الصراع، وتعزيز الانقسامات، ونشوء اقتصاد حرب قائم على الميليشيات والولاءات العابرة للدولة.
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تخلّص السوريون من حكم الأسد، بعد أربعة وخمسين عامًا على استيلاء حافظ الأسد على السلطة وتحويله البلاد إلى واحدة من أكثر الدول قمعًا ووحشيةً في التاريخ المعاصر، فاتحين بذلك الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ سوريا التي دمّرها النظام سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
اليوم، تتجه الأنظار إلى معالجة الجراح العميقة والانقسامات المتعددة التي تعصف بالبلاد، والتي تجعل وحدة سوريا ومستقبل بقائها ككيان موحّد موضع تساؤل حقيقي. ومع ذلك، ورغم المخاوف المبرّرة التي تحيط بالمشهد السوري الراهن، يمكن القول إن السوريين يمتلكون اليوم قواسم مشتركة أكثر مما امتلكوه في أي مرحلة منذ تأسيس المملكة السورية قبل أكثر من قرن. وتتمثل هذه القواسم، قبل كل شيء، في التجارب المشتركة المعاشة، وفي الإدراك المتزايد لكلفة الانقسامات والصراعات المفتوحة، وهو ما قد يوفّر فرصة تاريخية للشروع في بناء دولة سورية جديدة، قادرة على الصمود أمام الاضطرابات المستقبلية، تقوم على سيادة القانون والعدالة والمساواة بين مواطنيها، لا على الخوف أو الهيمنة أو الامتيازات المغلقة.
تعهد السيد الرئيس الشرع، بأن يكون رئيساً لجميع السوريين، بغض النظر عن الدين أو العرق، لكن ما أظهرته الفترة اللاحقة التي تميزت بمناخ من الحرية، وخاصة حرية التعبير، كشفت سريعاً عن عمق الانقسامات وتضارب السرديات لمسيرة 14 عاماً من المأساة التي عانت منها سوريا، وقد أفضى هذا الواقع إلى بروز الانقسامات بشكل أكثر وضوحًا، إلى درجة باتت معها تشكّل تحديًا جديًا لوحدة البلاد. وبرز ذلك بصورة خاصة في أعقاب أحداث الساحل والسويداء، التي اتخذ بعضها بُعدًا طائفيًا، ما ساهم في زيادة حدّة التوتر، لا سيما مع انتشار خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي
لقد عانى السوريون خلال العقود الماضية من أزمات اقتصادية واجتماعية قاسية وممتدة، وواجهوا الاضطهاد والجوع والتهجير والنزوح داخل البلاد وخارجها. كما حُرم كثيرون منهم من حق الحداد على أحبائهم الذين قُتلوا أو اختفوا قسرًا. وهذه التجارب، رغم قسوتها، يمكن أن تتحول إلى عناصر تأسيسية في بلورة هوية وطنية سورية جامعة، تقوم على الذاكرة المشتركة والاعتراف بالمعاناة، بدلاً من إنكارها أو تجاوزها دون معالجة. وهذا يستدعي العمل على بناء هوية وطنية لا تقوم على تجميل مفاهيم مجردة أو افتراضات مصطنعة حول التجانس، تُفرض من قبل قوى مهيمنة أو نخب فكرية، بل على تلك التجارب المعيشية المشتركة يشعر فيها السوريون بأن الدولة تمثلهم جميعًا، وتحمي حقوقهم الأساسية، وتوفر لهم حدًا أدنى من العدالة والاستقرار والكرامة الإنسانية.
يقع عبء الحفاظ على وحدة البلاد وبناء الوحدة الوطنية على عاتق الحكومة التي تتولى إعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ ترتبط فعالية هذه المؤسسات واستدامتها بطابعها العمومي، من خلال اعتماد نظام قانوني وإداري موحّد يطبَّق على جميع السوريين دون استثناء، بما يعزز مبدأ المساواة أمام القانون ويحدّ من أشكال التمييز.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة سنّ تشريعات واضحة لمساءلة مرتكبي الجرائم، بما يحقق العدالة بمختلف أبعادها ويحول دون انزلاق المجتمع نحو الانتقام الفردي أو الجماعي، ذلك أن ترسيخ العدالة الانتقالية والمؤسسية يشكّل عنصرًا أساسيًا في منع إعادة إنتاج العنف. كما يتطلب هذا المسار إشراك مختلف الفاعلين في إثراء مناخ الحرية القائم وتفعيله بصورة إيجابية، بدل الاكتفاء بمجرد الاستماع إلى الأصوات الأخرى دون التفاعل معها، لأن بناء الدولة عملية تشاركية بطبيعتها لا تحتكرها أي فئة، بل تقوم على مشاركة واسعة تضمن تمثيل مختلف مكونات المجتمع ضمن إطار وطني جامع.
ورغم سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، لكن التحدي الأهم يتمثل في تفكيك المنظومة التي حكمت البلاد وإعادة بنائها على أسس جديدة. فمستقبل سوريا اليوم يتوقف على قدرة السوريين على بناء دولة تتجاوز إرث الماضي، وتؤسس لحياة سياسية تسمح بالتعددية، والتنافس السلمي، وتداول السلطة. وبهذا المعنى، لم يعد التحدي محصورًا في الحفاظ على الحدود الجغرافية للدولة، بل بناء سوريا بمعنى سياسي واجتماعي جديدين.
