تكشف المواجهة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران بشأن مضيق هرمز، والتهديدات في مضيق باب المندب، والهجمات في البحر الأسود وبحر قزوين، عن اتّجاه أوسع نطاقاً: لم تعد البحار مساحات مفتوحة، بل أصبحت مناطق حدوديّة كغيرها، وساحات صراع جيوسياسيّ، مع ما ينطوي ذلك على مخاطر نتيجة سعي الدول إلى السيطرة والتحكّم بهذه المساحات التي كانت تُعتبر حرّة، والتي يمرّ عبرها 90% من التجارة العالميّة.
إزاء تحوّل الممرّات المائيّة الكبرى من طرق تجاريّة عاديّة إلى أدوات ضغط سياسيّ واقتصاديّ عالميّ، تتفاقم المجابهة وترتبط نتائجها السياسيّة بالمتغيّرات ومجريات الصراعات على النفوذ والطاقة والذكاء الاصطناعيّ.
الخلاصات الأوّليّة لاختبار القوّة
جعل الحرس الثوريّ الإيرانيّ من مضيق هرمز، الذي يعتبر الشريان الحيويّ للاقتصاد العالميّ والطاقة، العنوان الرئيس للمجابهة مع واشنطن، على أمل تعديل نتائج حرب الاستنزاف. وعندما زادت الضغوط على إيران بعد الضربات المتتالية خلال ثلاث عشرة ليلة في النصف الثاني من تمّوز، اتّجه الجانب الإيرانيّ لتوسيع الصراع وتهديد حرّية الملاحة في مضيق باب المندب عبر الحوثيّين، علماً أنّ نحو 12% من تدفّق التجارة العالميّة يمرّ عبر هذا الشريان الاستراتيجيّ. وتزامن ذلك مع هجمات أوكرانيّة وروسيّة ضدّ منشآت الطاقة وفي البحر الأسود.
لذا يشهد العالم أكبر أزمة طاقة منذ الحرب العالميّة الثانية بسبب الامتداد الاستراتيجيّ بين حربَي إيران وأوكرانيا، وعرقلة حرّية الملاحة والمشكلات في ثلاثة بحار: الخليج، البحر الأحمر والبحر الأسود. والأدهى للرئيس دونالد ترامب الذي يواجه انتخابات نصفيّة في تشرين الثاني المقبل، أنّ المعيار في قراراته سيكون التطلّع إلى سعر برميل النفط وبقائه تحت حاجز تسعين دولاراً، على أمل الحفاظ على قاعدته الانتخابيّة.
إذاً سعر النفط هو الذي يضبط سلوك الطرفين في الأسابيع المقبلة.
من ناحية أشمل، تواجه سيطرة القوّة العظمى الأميركيّة على البحار تحدّيات تقنيّة وصاروخيّة متطوّرة تعيق هيمنتها المطلقة في بعض البحار الاستراتيجيّة.
يمكن للصراع في المضائق والممرّات والبحار أن يؤدّي إلى قيام نظام جيوسياسيّ جديد لا تعود فيه السلطة معنيّة بالسيطرة فقط على الأراضي، الجيوش والموارد، بل وبامتلاك القدرة على التحكّم بالتدفّقات المادّيّة وغير المادّيّة العالميّة (الممرّات، المعلومات وطرق التجارة) أو تأمينها أو تعطيلها.
يتبيّن من خلال تسلسل الأحداث منذ نهاية شباط الماضي وجود مخاطر تمسّ حرّية الملاحة البحريّة، التي تطلّب ترسيخها قروناً من الزمن. وما هو على المحكّ الآن في هرمز يتجاوز بكثير تكلفة عبور ناقلة نفط لأنّه سيتعلّق بمن سيضع قوانين البحار لاحقاً، ومن يغيّر قواعد اللعبة.
في هذا الصدد، لم يعد التفوّق العسكريّ الأميركيّ ناظماً للصراعات ونتائجها، بل بات التدخّل الأميركيّ في كثير من الأحيان يؤدّي إلى اهتزاز الوضع الاقتصاديّ بدلاً من استقراره.
أمّا القوى المتوسّطة فقد تعلّمت أنّ النجاح لا يتحقّق في الانتصار العسكريّ فحسب، بل يكمن في فرض تكاليف مرتفعة واستنزاف الخصم وإطالة أمد الصراع.
التّحوّلات في النّظام الدّوليّ وأبعاده
تُعتبر الحرب الحاليّة مع إيران حدثاً تاريخيّاً ينهي حقبة كاملة من النظام الدوليّ بدأت مع حرب الخليج عام 1991. للتذكير، كرّست الحرب ضدّ العراق بداية حقبة الهيمنة الأميركيّة الأحاديّة، بينما تدشّن الحرب الدائرة مع إيران بداية نظام عالميّ مختلف تحكمه قواعد جديدة للقوّة.
تصدّعت العولمة حاليّاً لكنّها لم تتراجع لأنّ العالم يُعاد تشكيله حول مناطق نفوذ واسعة تسعى إلى تقليل بعض أوجه التبعيّة فيما بينها: قطب أميركيّ، وقطب صينيّ، وربّما قطب أوروبيّ، بالإضافة إلى عدّة أقطاب إقليميّة.
يبدو جليّاً أنّ دونالد ترامب يحاول بناء عدّة مراكز نفوذ في نصف الكرة الغربيّ (فنزويلا، وبنما)، والقطب الشماليّ، وغرب آسيا (الخليج والشرق الأوسط). والأرجح أنّه يرغب في السيطرة والتوجيه من دون الحاجة بالضرورة إلى إقامة وجود أميركيّ دائم.
على الرغم من هذا التنافس الحادّ على النفوذ، تزداد الحاجة إلى الترابط في السباق على المعادن الأرضيّة النادرة، الغاز، النفط ومستلزمات الذكاء الاصطناعيّ، فانعزال مناطق النفوذ هذه بعضها عن بعض لن يصبّ في مصلحة أيّ منها، بل سيزيد من خطر نشوب الحروب.
تبرز الخشية أيضاً مع صعود قدرات الذكاء الاصطناعيّ، إذ ستزداد قوّة عمالقته وإمكان تحكّمهم بالتدفّقات العالميّة في نقض للسيادة الوطنيّة وتغليب القطاع الخاصّ. ويمكن لنهج كهذا أن يقود إلى عولمة أكثر تشرذماً وأكثر صراعاً في عالم من دون حوكمة.
