لم تعد المكتبات في عصرنا الحالي مجرد أماكن لحفظ الكتب وحمايتها من التلف فقط، بل أصبحت أيضًا مؤسسات معرفية تعتمد على التكنولوجيا، وتحتاج إلى بيئة حديثة قادرة على مواكبة التطورات العالمية، وتلبية احتياجات القراء والباحثين، ومراكز أساسية لنشر الثقافة، وحفظ التراث الإنساني، ودعم التعليم والبحث العلمي.
وقد ظهرت المكتبات الأولى في سورية منذ أقدم العصور التاريخية، وتحديدًا في الألف الثالث قبل الميلاد، وتنوعت مع مرور الزمن بين وطنية وأكاديمية وتاريخية، وغيرها، مثل: المكتبة الظاهرية، ومكتبات الجامعات الحكومية، والمراكز الثقافية، والمكتبة الوطنية في قلب العاصمة السورية، التي واكبت المتغيرات المعرفية والتقنية عبر الزمن مع الحفاظ على رسالتها الأولى في صون التراث الوطني والإنساني.
تُعد المكتبة الوطنية صرحًا ثقافيًا بارزًا، إذ تحتوي بين جدرانها كنوزًا من المخطوطات والكتب النادرة التي تجسد ذاكرة حضارية عريقة، وتمثل المصدر الأساسي للمعرفة التاريخية والفكرية والثقافية، وتساهم في دراسة التجارب الإنسانية وتعزيز الهوية الحضارية السورية. وفي الوقت الحاليّ، ومع التطور الرقمي، أصبح الحفاظ عليها وإتاحتها رقميًا بمثابة أولوية ملحّة لضمان استمرار هذا الإرث الثمين وحمايته من الضياع. ولذلك بدأت المكتبة خطواتها الأولى في مشروع رقمنة هذه المخطوطات والكتب النادرة منذ سنوات طويلة، لكن العمل توقف وتراجع بعد الحرب المدمرة التي شنها النظام الأسدي على الشعب السوري، وأثرت سلبًا على المؤسسات والقطاعات السورية جميعًا. وبعد سقوط النظام، بذل القائمون على المكتبة الوطنية جهودًا كبيرة ومتواصلة لتطوير منصاتها الرقمية، وإقامة ورشات عمل لتحديث البنية التحتية وتجربة المستخدم، وتم إنجاز رقمنة المؤلفات الهامة وإتاحتها عبر البريد الإلكتروني، أو ضمن ضوابط أمان محددة. وجرى العمل على فهرسة المخطوطات وفق معايير دولية للحفاظ عليها وعلى الكتب والدوريات والصحف السورية والعربية والعالمية من خلال مشاريع الترميم والرقمنة. كما أصدرت المكتبة مجلة “التراث والمكتبات” في أواخر تموز/ يوليو لهذا العام ضمن مشروع وإشراف وزارة الثقافة السورية. وهي علمية متخصصة في مجال التراث وعلوم المكتبات والمعلومات، ومتوفرة إلكترونيًا بشكل كامل ضمن خطة التحول الرقمي ودعم سياسة الوصول المفتوح للمعلومات.
وبالرغم من الخطط الاستراتيجية للمكتبة الوطنية، والقيام بخطوات جادة، لم تكتمل عملية التحول الرقمي للخدمات والمساحات بشكل نهائي، إذ تواجهها تحديات كبيرة، منها: محدودية الإمكانيات المادية وعدم توفر أجهزة حديثة لمواكبة تقنيات الحفظ والترميم والرقمنة، والحاجة إلى تجهيزات خاصة لضمان أعلى معايير الأمان والبيئة المناسبة للمخطوطات، وهذا ما تعانيه مكتبات هامة ومعروفة في عصرنا الراهن، فالتحولات الرقمية تتطلب استثمارات كبيرة في تكنولوجيا المعلومات، وتحتاج لتدريب الموظفين على التعامل مع الأنظمة الجديدة، إضافة إلى مواجهة تحديات حماية الملكية الفكرية للكتب والمصادر الإلكترونية المتاحة على الإنترنت.
وعلى الرغم من كل ما ذكرناه من معوقات، تتسارع الجهود الرامية إلى توفير خزائن إلكترونية مضادة للحريق في هذا الصرح الثقافي الهام، وأجهزة لرش غازات آمنة للمخطوطات، إضافة إلى استكمال مشروع إتاحة المخطوطات الرقمية للمستخدمين بطريقة منظمة وآمنة، بحيث يمكن الاطلاع على الصور الرقمية لها من دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع النسخ الأصلية.
تأسست المكتبة الوطنية السورية عام 1984، وفيها قسم الحفظ الذي يشرف على المخطوطات والكتب النادرة في مستودعات مهيأة بشروط صحية خاصة، وقسم الفهرسة التراثية الذي يتولى تصنيف وفهرسة المخطوطات، وأقراص التبادل الرقمية، وإعداد الفهارس وطباعتها، مما يتيح للباحثين الوصول المنظم إلى المحتوى التراثي، كونها تحتوي على نحو 19400 مخطوط، و3600 كتاب نادر.
وأقدم المخطوطات هي:
ــ كتب “مسائل الإمام أحمد بن حنبل”: وفيها توثيق لفتاوى الإمام في أبواب الفقه والعقائد والحديث والآداب.
ــ مخطوط “صفة النار” للحافظ ابن أبي الدنيا: وهو يختص بذكر الأخبار والآثار الواردة في وصف نار جهنم وعذاباتها. يضم مئات النصوص والأحاديث المُسندة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين بهدف التذكير والوعظ.
ــ “ورقات من سور القرآن الكريم”: مكتوبة على “رقّ الغزال”، وهو جلد نظيف ورقيق عولج ليصبح صالحًا للكتابة، والأوراق المكتوبة عبارة عن آيات قرآنية كريمة أُخذت من مصاحف أثرية ومن سور متفرقة، وكُتبت بالخط الكوفي القديم، والخطوط المغربية والمشرقية التاريخية.
تحتوي المكتبة أيضًا على مخطوطات خزائنية كانت محفوظة في خزائن الملوك والسلاطين مثل: “مخطوط الشجرة المحمدية” لعالم الأنساب محمد بن أسعد الجواني، ويتناول نسب النبي محمد (ص) وأصوله وفروعه، ويعد مرجعًا هامًا في علوم النسب والتاريخ.
كما توفر خدماتها لطلاب الدراسات العليا والباحثين داخل سورية وخارجها، وتقيم علاقات تعاون مع مراكز بحثية دولية منذ تأسيسها، إضافة إلى تبادل صور المخطوطات الرقمية مع الباحثين في كل مكان، وكانت مهمتها وما زالت جمع أشكال التراث الثقافي كافة، والمؤلفات والمراجع، وغيرها من مصادر المعلومات في المجالات كافة، والسعي لتطوير النشر الأكاديمي، وربط التراث السوري بالمعايير الرقمية المعاصرة.
وتُعد المكتبة الوطنية من المكتبات العالمية المتميزة، حيث تضم 12 قاعة، ومراكز محاضرات، وتجهيزات ومستودعات، وغرفًا وأقسامًا للإدارات المنظمة لعملها، وفيها أكثر من مليون عنوان باللغة العربية وبلغات أجنبية، وأهم الكتب التي تتناول التاريخ السوري والعربي الإسلامي.
وهي تحرص على الحصول على نسخ من كل كتاب يُعرض في سورية وفقًا لقانون الإبداع.
وهنالك مشاريع ومكتبات رقمية أخرى في سورية، ومنها:
ــ مكتبة جامعة دمشق التي بدأت عملية رقمنتها منذ سنوات، غير أن القفزة الكبرى حدثت في الأول من أيار/ مايو عام 2026، حيث تم إدراج المستودع الرقمي للجامعة رسميًا في دليل (أوبن دوار) العالمي للمستودعات الرقمية المفتوحة، ويضم آلاف رسائل الماجستير والدكتوراة والمقررات الجامعية، ويجري العمل حاليًا لبناء مقر مادي جديد لـ”مكتبة رقمية ذكية حديثة” داخل حرم الجامعة لتحديث البنية التقنية بالكامل، واستيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ــ بوابة المجلات العلمية للجامعات السورية: تم إطلاقها إلكترونيًا في جامعة دمشق وجامعتي اللاذقية وحمص منذ عام 2012. تطورت تدريجيًا للانتقال الكامل نحو النشر الإلكتروني المحكم، ويتم تحديثها دوريًا فور صدور أي أعداد جديدة للأبحاث الأكاديمية، والمنصات الإلكترونية الخاصة بها موجودة ومتاحة مجانًا.
وهنالك مكتبات رقمية عربية هامة وعريقة أيضًا منها:
ــ مكتبة قطر الرقمية: أضخم أرشيف وثائقي بالعالم. تحفظ الماضي وتجعله في متناول الجميع، وهي مخصصة للمخطوطات والوثائق التي تدوّن التاريخ والثقافة في قطر ومنطقة الخليج العربي بصفة خاصة، والشرق الأوسط والعالم العربي بصفة عامة.
ــ المكتبة الرقمية السعودية: مكتبة علمية، وأكبر تجمع أكاديمي لمصادر المعلومات في العالم العربي لدعم البحث العلمي والتعليم في المملكة من خلال توفير محتويات رقمية عالية الجودة من دون الرجوع لمراجعة مقرها.
كما تجدر الإشارة إلى أن أبرز المكتبات الرقمية العالمية أيضًا هي التالية:
ــ المكتبة الرقمية الكونية: التي أُنشأت بدعم منظمة “اليونسكو” ومكتب “الكونغرس الأميركي”، وفيها مخطوطات ووثائق تاريخية بسبع لغات، منها اللغة العربية.
ــ مشروع كتب غوغل: يتيح إمكان معاينة وقراءة ملايين الكتب ومواقع الويب مجانًا.
ــ مكتبة أوروبا الرقمية: أنشأها الاتحاد الأوربي عام 2008، وتهتم بجمع وتوثيق التراث الثقافي والفني والأرشيفي الخاص بالدول الأوروبية، وتربط بين ملايين المواد الرقمية للمؤسسات والمكتبات داخل أوروبا.
عمومًا، لن يكون هذا التحوّل الرقمي بديلًا للمخطوط الورقي، بل وسيلة لإبراز هذا التراث في دول العالم، وفي سورية تحديدًا التي تحتاج مكتباتها المنتشرة في المحافظات السورية أساسًا إلى إعادة بناء شاملة، وتطوير للكوادر وأساليب العمل والخدمات لتلبية احتياجات القرّاء والباحثين.
مراجع:
ــ موقع المكتبة الوطنية.
ــ بوابة علم المكتبات والمعلومات.