
الكاتب والمترجم والباحث السوري حنا عبود (إتحاد الكتاب العرب)
ملخص
قدم حنا عبود (1937-2026) الذي وافته المنية نموذجاً فريداً للأكاديمي والمترجم والناقد الموسوعي، فلم يقتصر عمله الإبداعي على الأدب العربي الذي درسه في جامعة دمشق، بل حفلت مسيرته الإبداعية باشتغالات كثيرة، فقدم 90 كتاباً تأليفاً ونقداً وترجمة.
لم يركن حنا عبود إلى استيراد نظريات الأدب الغربية وقصرها في تفكيك بنية النصوص العربية، بل حاول اجتراح أسلوبه الخاص لاستيعاب الفلسفة الجمالية ضمن حقول النقد الأدبي وعلم الاقتصاد والميثولوجيا، واتسمت ترجماته لأمهات الكتب الفكرية والنقدية، بصرامة علمية ودقة متناهية في إعدادها للبيئة الثقافية العربية.
خاض عبود مبكراً، ومنذ أول إصداراته “الاشتراكية الخيالية في القرن الـ19” (اتحاد الكتاب- 1960) غمار معارك النقد الأدبي، كان عمره وقتذاك 23 سنة. جاء هذا الإصدار بمثابة نقد شمولي جدلي ضد الأكاديمية التقليدية التي رأت في التفكيك الجاف للنص، والنهل من النظرية البنيوية، ملاذاً لها وانعزالاً عن الواقع والبيئة.
انبرى عبود طوال أعوام للرد على نقد لا يراعي الخصوصية الثقافية، وكان أول تلك المؤلفات التي حققها في هذا السياق، كتابه “النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري”. برهن من خلال هذا المؤلف أن أي نقد لا ينطلق من دراسة الجذور الميثولوجية للشعوب، لا يمكنه تقديم فهم شامل لإنجازها الحضاري. واعتبر أن الذائقة النقدية معقدة ولا يمكن اختزالها في نقد جامعي يغرق في استخدام المصطلحات للتغطية على ضعف في العدة الفكرية لدى الباحث في النتاج الإبداعي العربي.
ويعد كتاب “النزوحات الكبرى ومعالم الأدب العربي بعد الحرب العالمية الثانية” (منشورات اتحاد الكتاب العرب- 1979) بمثابة المحطة التأسيسية للناقد حنا عبود، وفيه تناول مفهوم النزوح كمحرك للأدب. درس عبود في هذا الكتاب الهجرات الجغرافية للإنسان العربي. أولاها كان ما سماه بـ”النزوح الإسكندروني” بعد سلخ لواء إسكندرون عام 1939 عن سوريا، ثم “النزوح الفلسطيني” بعيد نكبة عام 1948. وثالثتها “النزوح الحزيراني” من الجولان والضفة الغربية بعد هزيمة عام 1967، ورابعتها “النزوحات الداخلية من الأرياف إلى المدن” بسبب سوء التنمية في تلك المناطق. رصد هذا الكتاب انعكاس هذه الهجرات على طبيعة النص الجديد، وما تخللته من مشاعر فجائعية وجنائزية بعد تحول الأديب من العيش في بيئة ريفية منفتحة على الطبيعة، إلى العيش في عشوائيات المدن الكبرى، وما كابده شعراء السبعينيات تحديداً في تلك المناطق من ضغوط سياسية واجتماعية.
الظاهرة الأدبية
مضى عبود في حفرياته المعرفية إلى تأصيل “المدرسة الواقعية في الأدب العربي” (اتحاد الكتاب- 1978) منجزاً ما يشبه بياناً نظرياً وتطبيقياً للمنهج الذي اشتغل عليه. تتبع هنا كيفية انتقال المذهب الواقعي من الأدب الأوروبي إلى الأدب العربي، وشرح كيف تطور هذا التيار ليتلاءم مع البيئة المحلية والهواجس العربية، لكنه في الوقت ذاته رفض النماذج التقليدية والمثالية، وأكد أن الواقعية جاءت كرد على القوالب الكلاسيكية الجاهزة والنزعات الرومانسية الموغلة في الخيال.
وضع عبود كثيراً من الكتب المهمة للمكتبة العربية، لعل أبرزها ما جاء في كتابه “مسرح الدوائر المغلقة- اتحاد الكتاب 1978″، إذ يرى أن الإنسان في نصوص المسرح الحديث، يعيش في دائرة مغلقة تفرضها حتمية التراجيديا وصعوبة فكاك البطل من الخطأ التراجيدي، لذا يبدو هذا الإنسان عاجزاً عن تخطي مأزقه الوجودي، تحديداً في مسرح اللامعقول عند يونسكو وبيكيت، فاللغة تزيد الشخصيات تشويشاً وانغلاقاً، بل تدفع الكائن الإنساني إلى نهايات مأسوية، هذا من دون أن يكون لدى أبطال هذه المسرحيات خيار للتخلص من انغلاق الدوائر الدرامية عليها، وهو ما يجسد أزمة الإنسان المعاصر، إنسان يعيش أزمات ومصاعب كبرى في ظل تحولات لا تسمح له بالتفكير خارج الأطر السياسية والاجتماعية المفروضة عليه.
بدا كتابه “النحل البري والعسل المر”- (وزارة الثقافة السورية- 1982) كأولى الدراسات النقدية الجادة التي تناولت تجارب شعراء سوريين في النصف الثاني من القرن الـ20. تطرق ابن منطقة تلكلخ (غرب حمص) إلى النص الشعري لا كظاهرة لغوية معزولة، بل كشاهد على تحولات سياسية واجتماعية جذرية طاولت البلاد في ظل الانقلابات العسكرية وهيمنة حزب البعث على السلطة. شعراء قصيدة التفعيلة ومثلهم شعراء قصيدة النثر كانوا حاضرين في هذه الدراسة التي تناولت تجارب كل من بدوي الجبل وعمر أبو ريشة ونزار قباني، مع نديم محمد ومحمد الماغوط وفايز خضور وممدوح سكاف وآخرين.
الملاحم الكبرى
ودرس الناقد السوري نشأة فن الرواية وتطورها عبر العصور من خلال كتابه “من تاريخ الرواية” (اتحاد الكتاب- 2002). ذهب عبود هذه المرة إلى الأصول والملامسات الأولى لفن السرد عبر غوصه في نشوء الملاحم الكبرى والقصص والحكايات القديمة التي مهدت لنشوء هذا الفن. لم يكتف بالعودة إلى القرن الـ17 في أوروبا لدراسة جذور الفن الروائي، بل اتجه إلى استقصاء معظم الآراء والمدارس والتيارات النقدية، الحديثة منها والقديمة، التي حاولت تفسير ظاهرة الرواية وتحديد خصائصها الفنية.
كان عبود يصر على البعد الأسطوري في نقد المخيلة الجمعية، لا سيما ذات التزمت الذكوري الأبوي، ففي كتابه “ليليت والحركة النسوية الحديثة” (وزارة الثقافة السورية- 2007) بحث في جذور القمع البطريركي من خلال ما أسهمت به المرويات والأساطير في تشويه صورة ليليت، زوجة آدم الأولى والمولودة في البانثيون السومري (الألف الثالثة قبل الميلاد) لتمسي في المرويات الجديدة شيطانة الليل وخاطفة الأطفال. يربط عبود ذلك بنشاط الحركة النسوية الحديثة التي أعادت إحياء رمزية ليليت كنموذج للمرأة المتمردة التي ترفض التبعية والتدجين.
أنجز الباحث الموسوعي بحق توثيقاً مهماً لما يقارب 5 آلاف أسطورة في سفره الضخم “موسوعة الأساطير العالمية” (دار الحوار- 2018). أمضى عبود أعواماً طويلة في تقصي أساطير الشعوب الفراتية (السومرية، الأكادية، البابلية، الآشورية)، فلم تقتصر جهوده على الميثولوجيا الإغريقية، بل تعدتها إلى جمع وتوثيق الأساطير الرومانية والأوغاريتية والمصرية القديمة، إضافة إلى الأساطير الهندية والصينية واليابانية والفارسية والإسكندنافية، وصولاً إلى الأساطير الأفريقية. في هذا المؤلف الجامع لمرويات الشعوب وقصصهم السحرية لم يكتف عبود بالتجميع والنقل، بل ربط هذه الحكايات الخرافية بالعلوم الإنسانية الحديثة، وكيف تفعل الأسطورة فعلها في تحقيق التوازن النفسي للبشر، وزاوج بين الأسطورة ومفهوم اللاشعور الجمعي عند كل من كارل يونغ وسيغموند فرويد.
ترجمات أساسية
لم ينفصل عمل هذا المؤرخ الميثولوجي والباحث الرصين عن اجتهاده الكبير في مجال الترجمة، فقد حقق إنجازات كثيرة في هذا المجال، أبرزها كان نقله لملحمتي “الإلياذة” و”الأوديسة” (دار الحقائق-2007) عن اللغة الإنجليزية، وقد اعتمد على رؤى نقدية وترجمات دقيقة للمتن الإغريقي الأصلي. وترجم حنا كتاب “الكوميديا الإلهية” للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري (دار ورد- 2002)، وعزز هذه الترجمة بهوامش فككت الإحالات الدينية والسياسية والتاريخية في أبيات الشاعر الإيطالي. اعتمد المترجم في هذا على خبرته العميقة وموسوعيته اللافتة وسعة اطلاعه على أساطير الأولين، ثم جاءت ترجمته لكتاب “المسرح: ثلاثة آلاف سنة من الدراما- وزارة الثقافة- 1998” للمؤرخ والناقد الأميركي شلدون تشيني، ليكون هذا الكتاب من المراجع الأساسية اليوم للدارسين في المعاهد والأكاديميات المسرحية العربية.
لم يغب اهتمام حنا عبود في هذا السياق عن نجوم الأدب الغربي الحديث، إذ نقل إلى العربية كتاب “الخيال الأدبي- وزارة الثقافة” للناقد نورثروب فراي (1912- 1991)، وفيه يوثق الأحاديث الإذاعية التي أدلى بها المنظر الكندي لتبسيط مفاهيم النقد للجمهور. وتمثل ترجمته لروايات د.ه. لورانس (1885-1930) محطة مهمة في تقديم الأدب الحداثي للقارئ العربي، فإلى جانب دراسة عبود النقدية “تفاحة آدم” عن الكاتب البريطاني، خاض ترجمة أعماله الأكثر جرأة، من مثل “نساء عاشقات” و”عشيق الليدي تشاترلي”- (دار ورد- 1999).
حقق حنا عبود في مجال ترجمة الكتب التي تعنى بالفلسفة إنجازين مهمين، جاء الأول في نقله كتاب “بؤس الفلسفة” (دار دمشق- 1972) لكارل ماركس، إذ جسدت هذه الترجمة للفيلسوف والاقتصادي الألماني اهتمام عبود بالفكر المادي الاشتراكي قبل أن ينصرف نهائياً إلى النقد الأدبي. الإنجاز الثاني في هذا السياق كان ترجمة كتاب “موجز تاريخ الفلسفة اليونانية” (الهيئة العامة السورية للكتاب-2023) للكاتب والمؤرخ البريطاني جون مارشال، وفيه تتبع نشأة المدارس الفكرية الكبرى ما قبل سقراط وصولاً إلى أفلاطون وأرسطو، أما كتابه “موجز تاريخ الفلسفة المعاصرة” فجاء تلخيصاً لكتب وبحوث نقلها عبود إلى العربية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عن الفلسفة المادية والتاريخية.
ولد حنا عبود في قرية القلاطية التابعة لمدينة تلكلخ الحمصية، قضى أعوام طفولته في الميتم الأرثوذكسي بعد رحيل أبويه وهو لا يزال في الخامسة من عمره، مما كان له عظيم الأثر في تكوين شخصيته ونظرته للوجود. تلقى حنا تعليمه في مدارس حمص وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة العربية وآدابها، ثم عمل مدرساً، إضافة إلى عمله في تحرير مجلتي “الآداب الأجنبية” و”الموقف الأدبي” الصادرتين عن اتحاد الكتاب العرب.
وقبل أيام من رحيله أطلقت وزارة التربية السورية اسمه على إحدى مدارس حمص، جاء ذلك بعد أعوام من التهميش التي فرضها النظام البعثي على المؤلف الموسوعي الحمصي.