ملخص
التجارة الحرة، بصيغتها التي سادت بعد الحرب الباردة، لم تؤدِّ إلى ازدهار متوازن، بل عمّقت العجز التجاري الأميركي، وأضعفت الصناعة، ونقلت الثروة والوظائف إلى الخارج، فيما راكمت الدول ذات الفوائض مكاسبها تحت شعارات الانفتاح الاقتصادي. وترمب يكسر هذا المسار عبر الرسوم الجمركية والسياسة الصناعية، ويدفع نحو نظام تجاري جديد يقوم على التوازن والسيادة والشفافية، ويمنع الدول من الاستفادة من الأسواق المفتوحة من دون أن تتحمل كلفة اختلالاتها.
في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، جلس عشرات من كبار المسؤولين من مختلف أنحاء العالم إلى جانب الرؤساء التنفيذيين لشركات متعددة الجنسيات، وقد وصلوا لتوهم على متن طائراتهم الخاصة، وصفقوا لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني لما رأوا فيه من جرأة على مصارحة أصحاب النفوذ. وألقى كارني خطاباً استلهمه من مقالة كتبها فاتسلاف هافيل عام 1978، حين كان هافيل شاعراً تشيكياً ومعارضاً للهيمنة السوفياتية، قبل أن يصبح لاحقاً أول رئيس لبلاده في حقبة ما بعد الشيوعية. وكانت المقالة، التي حملت عنوان “قوة الضعفاء”، تسعى إلى تفسير كيفية بقاء النظام الشيوعي. وفيها، تخيل هافيل بائع خضراوات يضع، شأنه شأن جميع أصحاب المتاجر من حوله، لافتة على نافذة متجره كتب عليها الشعار: “يا عمال العالم، اتحدوا!”، على رغم أن أياً منهم لا يؤمن بالنظام الشيوعي. وأطلق هافيل على هذه الحال وصف “العيش داخل كذبة”، وجادل بأن الكابوس السوفياتي يمكن أن يبلغ نهايته عندما يقرر ذلك البقال، بوصفه نموذجاً رمزياً، أنه لم يعد قادراً على الاستمرار في التظاهر بالموافقة، فينزع اللافتة
وكان كارني هناك ليقول لزملائه القادة إنهم هم أيضاً يعيشون داخل كذبة. فعلى مدى عقود، أعلنوا إيمانهم بنظام دولي تقوده الولايات المتحدة، وبنظام اقتصادي عالمي تهيمن عليه واشنطن، في حين أنهم في الواقع لم يكونوا يؤمنون به، وقد سئمت كندا هذا التظاهر. وقال كارني: “نحن نزيل اللافتة من على النافذة”، زاعماً أن “القوى العظمى”، ولا سيما الولايات المتحدة، قد حولت التكامل الاقتصادي إلى سلاح أضر بلده وبلداناً أخرى شبيهة به.
كان كارني يصور نفسه في هيئة بائع الخضراوات في مثال هافيل: شخصاً يتحدى أسطورة فارغة ويتحرر من نظام قمعي آخذ في الاحتضار. لكن هذا التصوير يقلب المعنى رأساً على عقب. ففي الصراع الحالي على النظام الاقتصادي العالمي، ليس كارني هو الأقرب إلى بطل هافيل، بل الهدف الرئيس لغضبه: الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فترمب هو من اعترض على النظام الاقتصادي السائد قبل عقد من الزمن، ووصل إلى السلطة على موجة من الغضب إزاء الوضع القائم. وترمب هو من رسم مساراً جديداً يقوم على نهج أكثر توازناً في التجارة. وترمب هو من أزال اللافتة من على النافذة.
تمثل أجندة ترمب خطوة أولى ضرورية نحو ما ينبغي أن يكون الهدف الأكبر والأكثر طموحاً لواشنطن: استبدال نظام جديد يقوم على مبادئ التوازن والشفافية والسيادة، بآخر تجاري متقادم، قائم على الأوهام وقابل للاستغلال.
ميراث معيب
يمكن القول إن النظام التجاري لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأ في مؤتمر بريتون وودز في نيوهامبشير عام 1944. وكان هدف ذلك الاجتماع تثبيت النظام النقدي الدولي، ودعم إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب، وتعزيز النمو الاقتصادي العالمي والتجارة الدولية. وأنشأ الاتفاق صندوق النقد الدولي ومؤسسة أصبحت لاحقاً البنك الدولي. وبعد ما يقارب أربع سنوات، طرحت القطعة الأخيرة في البنية الاقتصادية العالمية الجديدة في كوبا مع توقيع ميثاق هافانا، الذي سعى إلى إنشاء منظمة التجارة الدولية. لكن الكونغرس الأميركي لم يوافق على المنظمة أبداً، لأن القادة الأميركيين كانوا يخشون، بحق، أن يؤدي ذلك إلى التنازل عن قدر كبير من السيادة لمصلحة بيروقراطية دولية. وفي نهاية المطاف، تحولت المنظمة المقترحة إلى الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (غات)، الذي انضمت إليه الولايات المتحدة. وكان النظام الذي أرسته الـ”غات” معيباً، لكنه كان يتكون من بلدان ديمقراطية في العموم، ولديها في الأقل قدر من الالتزام بمبادئ السوق في اقتصاداتها. والأهم أنه لم يضم أي خصوم جيوسياسيين للديمقراطيات الغربية.
لكن بعد انهيار الاستبداد السوفياتي، شوه الغرور هذا النظام. فقد رأى كثير من الاقتصاديين وقادة الأعمال، الذين سحرهم انتصار قوى السوق على الشيوعية، في صعود ما سموه “التجارة الحرة” انتصاراً للخير على الشر. وكانت النتيجة ظهور عقيدة اقتصادية جديدة متطرفة أدت، عند تطبيقها مع مرور الوقت، إلى تفريغ الطبقات العاملة داخل البلدان المتقدمة في أنحاء العالم من مضمونها، في حين زادت ثراء النخب، ولم تستفد البلدان النامية إلا حين تمكنت من تفادي الالتزام بالقواعد.
وأسهم قادة قصيرو النظر داخل الولايات المتحدة في دعم هذه العملية وتعزيزها طوال تسعينيات القرن الـ20 وأوائل العقد الأول من القرن الـ21. ففي عام 1994، أقر الكونغرس تشريعاً ساعد في إنشاء منظمة التجارة العالمية، التي حلت محل اتفاق الـ”غات”. وتميزت المنظمة بنظام ملزم لتسوية المنازعات حول هيئة التجارة إلى ما يشبه محكمة كانت كثيراً ما تفرض التزامات جديدة على الأعضاء. وقبل ذلك بعام، واستجابة لضغوط من إدارة جورج بوش الأب، وتحت قيادة الرئيس بيل كلينتون والجمهوريين، أقر الكونغرس اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية. وقد أضاف هذا الاتفاق، في جوهره، المكسيك إلى اتفاق تجارة حرة قائم بين الولايات المتحدة وكندا، على رغم أن القواعد التنظيمية في المكسيك كانت أضعف بكثير، وأن الأجور فيها كانت أدنى، مما شجع على النقل السريع للإنتاج إلى الخارج. وبعد ذلك بوقت قصير، وافق الكونغرس على إقامة “علاقات تجارية طبيعية دائمة” مع الصين، مانحاً إياها معاملة “الدولة الأولى بالرعاية” على نحو لا رجعة فيه، وممهداً الطريق لانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. وقد أدى ذلك كله إلى “صدمة الصين”، التي دمرت في نهاية المطاف ما يقارب 5 ملايين وظيفة أميركية، وأسهمت في 25 عاماً من النمو الاقتصادي البطيء نسبياً داخل الولايات المتحدة. ومثلت هذه العولمة المفرطة بداية نهاية نظام ما بعد الحرب الذي أنشئ في بريتون وودز.
استند وعد التجارة الحرة إلى مبدأ أساس مفاده أن على الدولة أن تصدر لكي تستورد، أي أن تستخدم التجارة لتحسين مستوى معيشة مواطنيها، وكذلك مستوى معيشة شركائها التجاريين. لكن بحلول الثمانينيات، كان معظم الدول قد خلص إلى أن العجز التجاري سيئ، وأن الفائض التجاري جيد. فالفائض التجاري المستمر يجعل الدولة أكثر ثراءً، لأنه يتيح لها شراء أصول في الخارج، بما في ذلك الأسهم والديون والعقارات والتكنولوجيا. أما العجز المستمر، فيجعلها أكثر فقراً، لأنه ينقل ملكية أصولها إلى الخارج في مقابل الاستهلاك الحالي. لكن الولايات المتحدة فقط وبعض الدول الأخرى الناطقة بالإنجليزية فشلت في التوصل إلى النتيجة نفسها. وبحلول أوائل السبعينيات، كانت الولايات المتحدة قد انتقلت من فوائض تجارية مستمرة إلى عجز تجاري. وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الـ21، أصبح ذلك العجز كبيراً جداً. وفي الأعوام الأخيرة صار هائلاً: فمن عام 2020 إلى عام 2024، نما العجز التجاري الأميركي في السلع بنسبة 40 في المئة، ليصل إلى 1.2 تريليون دولار.
ونتيجة لهذه العُجز، نقلت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات من الثروة إلى الخارج. وبحلول عام 2025، بلغ صافي مركز الاستثمار الدولي للولايات المتحدة سالب 27 تريليون دولار، أي إن الجهات الأجنبية تملك من الأصول الأميركية ما تزيد قيمته بمقدار 27 تريليون دولار على ما تملكه الولايات المتحدة من أصول أجنبية. ويمثل ذلك زيادة بأكثر من 20 تريليون دولار خلال العقدين الأخيرين وحدهما. ومع التفريط في هذه الثروة، تخلت البلاد أيضاً عن حق أطفال الأميركيين في الدخل الذي كان يمكن أن تولده لهم مستقبلاً. وقد شبه المستثمر الشهير وارن بافيت هذا الوضع بمزارع يبيع أرضه لتمويل استهلاكه الحالي: قد يعيش جيداً لبعض الوقت، لكنه في النهاية لن يعود يملك مزرعته ولا ما يستهلك.
وإلى جانب هذا التحويل للثروة، شهدت الولايات المتحدة تباطؤاً في النمو الاقتصادي. فمنذ عام 2001، نما اقتصادها بمعدل سنوي بلغ 2.1 في المئة. أما من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2000، فقد كان ذلك المعدل يقترب من 3.2 في المئة. وقبل عام 2000، كان في وسع الولايات المتحدة أن تتوقع نمواً سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز ثلاثة في المئة في نحو 14 عاماً من كل 20 عاماً. أما منذ عام 2000، فلم تشهد البلاد سوى ثلاثة أعوام تجاوز فيها النمو ثلاثة في المئة، وكان أحدها عام التعافي الاستثنائي بعد الجائحة. وبعبارة أخرى، لم تشهد البلاد نمواً طبيعياً بالمعايير التاريخية منذ أكثر من 19 عاماً، ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس الآن متوسط نمو سنوي لا يتجاوز 1.8 في المئة بين عامي 2027 و2035. وقد أسهمت عوامل كثيرة في هذا التباطؤ، لكن العجز التجاري كان محركاً رئيساً. فالأمر في النهاية حساب بسيط: صافي الصادرات السلبي يخصم مباشرة من الناتج المحلي الإجمالي.
ومع اتساع العجز التجاري، فقدت الولايات المتحدة أيضاً ملايين الوظائف الجيدة، ولا سيما في قطاع التصنيع. ففي عام 1999، كان هذا القطاع يوظف نحو 17.3 مليون شخص، وهو عدد يقارب ما كان عليه خلال عام 1970. أما اليوم، فيبلغ العدد نحو 12.6 مليون. وقد يفسر ارتفاع الإنتاجية جانباً من تراجع عدد الوظائف، لكنه لا يكفي لتفسير هذا التراجع كله. وفي الوقت نفسه، ركدت الأجور. فعلى سبيل المثال، لم يزد متوسط دخل الأسرة الحقيقي إلا بنحو 17 في المئة خلال ربع القرن الماضي، من نحو 72 ألف دولار إلى 84 ألف دولار بأسعار عام 2024، في حين نما بضعف هذا المقدار خلال ربع القرن السابق. ويكفي أن يجوب المرء مئات البلدات والمدن الأميركية ليرى كيف أفرغت مجتمعات صناعية كانت مزدهرة في السابق، في نتيجة طبيعية لفقدان الوظائف وتدفق الثروة إلى الخارج. ولا تقتصر عواقب ذلك على الجانب الاقتصادي بالنسبة إلى العمال الأميركيين. فاليوم، يقل متوسط العمر المتوقع لنحو ثلثي القوة العاملة في البلاد، ممن لا يحملون شهادات جامعية ويعدون مؤشراً تقريبياً إلى أصحاب الأجور من الطبقة العاملة، بثماني سنوات عن متوسط العمر المتوقع لخريجي الجامعات، بعدما كانت الفجوة لا تتجاوز سنتين ونصف السنة حتى عام 1992. وتعود هذه الظاهرة إلى حد كبير إلى ما سماه الاقتصاديان آن كايس وأنغوس ديتون “وفيات اليأس”، أي الوفيات الناجمة عن الانتحار والجرعات الزائدة من المخدرات وإساءة استخدام الكحول، وهي وفيات تفشت في المجتمعات الأميركية ما بعد الصناعية.
الوجه غير الظاهر للتجارة الحرة
لا شك في أن عوامل أخرى غير التجارة أسهمت في هذا الوهن الاجتماعي والاقتصادي. كما أن للتجارة بعض الآثار النافعة. فالنظام الذي ولد في بريتون وودز لعب، إلى جانب القوة العسكرية الأميركية، دوراً في كسب الحرب الباردة، وفتح مرحلة من السلام النسبي، وترسيخ القيادة العالمية لواشنطن. وساعدت التجارة مع الولايات المتحدة أوروبا وآسيا على إعادة البناء بعد كارثة الحرب العالمية الثانية. لكن مع مطلع القرن الـ21، كان النظام التجاري المتزن نسبياً في مرحلة ما بعد الحرب، والذي وازن إلى حد ما بين النمو الاقتصادي الوطني والتنمية الدولية، قد تحول إلى نظام العولمة المفرطة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وهو نظام تخلص من تلك القيود، فكشف الأساطير والافتراضات الخاطئة التي طالما استند إليها.
وكانت أولى هذه الأساطير الوعد الكاذب بأنه إذا فتحت الولايات المتحدة أسواقها وعرضت صناعاتها وعمالها للمنافسة العالمية، فإن الدول الأخرى ستفعل الشيء نفسه. وسترتفع الصادرات والواردات معاً، وسترتفع مستويات المعيشة للجميع. وكان الافتراض غير المعلن أن جميع الدول ستلتزم القواعد نفسها عند تنظيم اقتصاداتها. لكن الواقع، كما وثق الاقتصادي مايكل بيتيس بإسهاب، أن “التجارة الحرة” أصبحت تعبيراً ملطفاً عن قيام الولايات المتحدة بدور المستهلك الأخير في العالم. فإذا استخدمت بلدان أخرى السياسة الصناعية لخلق فائض في الطاقة الإنتاجية محلياً، أمكنها دائماً الاعتماد على الولايات المتحدة لشراء ذلك الفائض.
ونتيجة لذلك، تحولت المفاوضات التجارية في الثمانينيات والتسعينيات إلى طقوس غريبة، كان المسؤولون من أنحاء العالم يرددون فيها شعارات جوفاء عن مثال التجارة الحرة، ويصرون على فتح الأسواق في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، فيما يحافظون هم على الحواجز في أسواقهم. وتسللت مفاهيم غريبة، مثل “المعاملة الخاصة والتفضيلية” لأي دولة تعلن نفسها “أقل نمواً”. فالدول تعلن نفسها “نامية” لكي تتفادى القيود الجديدة. ومع الوقت، أصبح واضحاً أن القواعد لا تطبق بالتساوي، وأن بعض الدول تستطيع رفع الرسوم الجمركية وحماية أسواقها بوسائل أخرى، فيما لا تستطيع دول أخرى ذلك. واتضح سبب هذه الازدواجية: فقد اتفق الجميع، بصمت، على أن التجارة الحرة لا تساعد الدول حقاً على التنمية، إلا إذا سُمح لها بكسر القواعد.
ولم تكن المشكلة فقط أن التجارة الحرة، في الممارسة، انطوت على تناقضات في ما يتعلق بالرسوم الجمركية. بل إن الرسوم الجمركية نفسها أسيء فهمها باعتبارها العقبة الأكبر أمام التجارة، بعد زمن طويل من انقضاء المرحلة التي كان ذلك فيها صحيحاً. فبحلول السبعينيات، كانت متوسطات الرسوم الجمركية منخفضة جداً في معظم البلدان المتقدمة، وقد خُفضت كثيراً في عدد كبير من البلدان النامية. أما الأكثر إضراراً بحركة السلع عبر الحدود فكانت الحواجز غير الجمركية التي فرضتها الدول، بما في ذلك الأنظمة الضريبية المشوهة، مثل ضرائب القيمة المضافة التي رفعت أسعار الواردات ودعمت الصادرات، والأنظمة المصرفية الخاضعة لتأثير الدولة التي قدمت قروضاً منخفضة الفائدة للصناعات التصديرية، واللوائح البيئية والصحية ولوائح السلامة التي لم تكن قائمة على العلم بل على الحاجة إلى حماية الصناعات المحلية، وقوانين العمل الضعيفة المصممة لمصلحة أرباب الصناعة على حساب العمال، والسياسات التي خفضت قيمة العملات لتعزيز الصادرات وعرقلة الواردات، والدعم المباشر وغير المباشر الواسع النطاق الذي منح الإنتاج المحلي ميزة غير عادلة.
وعلى مدى عقود، حاول المسؤولون التفاوض في شأن هذه الممارسات. لكن بحلول التسعينيات، أصبح واضحاً أنها غير قابلة للتفاوض عملياً، لأنها تقع في صميم الأطر التنظيمية والبنى الاجتماعية في الدول. وهكذا توقفت محادثات التجارة الدولية إلى حد كبير. بل إن العالم أمضى الآن 25 عاماً من دون مفاوضات تجارية حقيقية متعددة الأطراف، بعد عقود كانت جولات التفاوض تعقد خلالها كل بضعة أعوام. وفي الأعوام الأولى لمنظمة التجارة العالمية، قدمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تنازلات غير متكافئة في المفاوضات لحض الدول الأقل نمواً على المشاركة. لكن هذا النهج أصبح مع مرور الوقت أكثر صعوبة، إذ ازداد عدد الدول الأفقر المنضمة إلى المنظمة، فيما تقلصت التنازلات التي تستطيع الدول الأغنى تقديمها. كما أن الطابع القضائي المتزايد للمنظمة أضعف الحوافز إلى التسوية: فلماذا تتفاوض ما دمت تستطيع أن تقاضي؟
وأصبحت الاختلالات الناجمة عن التجارة الحرة أكثر رسوخاً مع شروع الدول في الاعتماد على السياسة الصناعية لإدامة فوائض تجارية مزمنة. فألمانيا، على سبيل المثال، حققت فوائض صغيرة خلال الأعوام التي أعقبت إعادة توحيدها عام 1990، بمتوسط بلغ نحو 0.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي. لكن ذلك تغير بعدما اعتمدت البلاد اليورو عام 1999 وأجرت إصلاحات كبرى في قوانين العمل بين عامي 2003 و2005. فلم يرتفع اليورو نتيجة الفوائض التجارية الألمانية بالطريقة التي كانت سترتفع بها عملة وطنية، لأن قيمة العملة كانت تعكس الموازين التجارية لدول أخرى في منطقة اليورو. وهذا جعل الصادرات الألمانية أرخص نسبياً وأكثر قدرة على المنافسة عالمياً. وزاد كلفة الواردات على المستهلكين الألمان. أما إصلاحات قوانين العمل، فقد رجحت الكفة لمصلحة الإدارة على حساب العمال، إذ خفضت إعانات البطالة وأدخلت تغييرات هيكلية حدت من نمو الأجور، فخفضت في آن واحد كلفة الإنتاج والاستهلاك المحلي. ونتيجة لذلك، بلغ متوسط الفائض الألماني خلال العقدين الماضيين نسبة مذهلة قاربت خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ولعل أوضح مثال على دولة تحدثت عن التجارة الحرة لكنها مارست سياسة صناعية كان اليابان. ففي السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تلاعبت طوكيو بقوة بعملتها لإبقائها منخفضة، وقدمت دعماً كبيراً إلى الشركات اليابانية، وزودت الصناعات التحويلية بقروض بلا فوائد، وأبقت سوقها المحلية مغلقة إلى حد كبير. فأغرقت السلع اليابانية، من الأدوات الآلية والصلب والإلكترونيات والسيارات وأشباه الموصلات، الأسواق العالمية. وكانت الولايات المتحدة الضحية الرئيسة لهذه السياسة الصناعية الناجحة. فكلما نمت الشركات اليابانية، تضررت الشركات الأميركية. ومن أحب ذكرياتي عن الفترة التي قضيتها ممثلاً تجارياً للولايات المتحدة اجتماع عقدته مع كبار المسؤولين اليابانيين عام 2017. فقد عرضوا علي سلسلة رسوم بيانية تبين كيف تستغل الصين نظام التجارة الحرة عبر التلاعب بالعملة والدعم والشركات المملوكة للدولة لتدمير اقتصادات أخرى. فابتسمت وقلت لهم إنني، عندما كنت نائب الممثل التجاري للولايات المتحدة في الثمانينيات، استخدمت رسوماً بيانية شبيهة جداً لشرح سلوك اليابان.
ومع ذلك، كان في وسع المسرح الاستعراضي المسمى “النظام التجاري الدولي القائم على القواعد” أن يستمر عقداً أو عقدين آخرين. فالنظام القديم كان يوفر نظرياً سلعاً رخيصة، حتى وهو يكلف الولايات المتحدة مرونتها الصناعية ويدمر الوظائف الأميركية. لكن طبيعة المشكلة تغيرت جذرياً في أوائل الألفية الجديدة، حين دخلت الصين على الخط. فقد استخدمت الحكومة الشيوعية كل الأدوات التي سبق أن استخدمتها اليابان وأضافت إليها أدوات جديدة، بينها التجسس الاقتصادي وسرقة التكنولوجيا. وطبق المسؤولون الصينيون مستوى من التركيز والتنظيم، فضلاً عن درجة من التلاعب وحجم من الدعم، لم يسبق لها مثيل. وخلصت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن دعم الصين لبعض القطاعات الرئيسة يعادل نحو أربعة في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي، أي نحو 800 مليار دولار سنوياً. وللمقارنة، فهذا يقل قليلاً فقط عن الناتج المحلي الإجمالي السنوي لسويسرا بأكمله. وباختصار، لم تعد البلدان التي أضرتها التجارة الحرة تموت ببطء من ألف جرح، بل صارت تواجه ذبحاً سريعاً.
فعل الموازنة
هذه التجاوزات هي ما يقصده ترمب حين يقول إن الولايات المتحدة سئمت من أن تستغل. وكان رده البدء في صياغة سياسة صناعية أميركية. ففي العام الماضي، فرض رسوماً جمركية على كل بلد في العالم تقريباً، فاستوفى رسوماً منخفضة نسبياً من البلدان التي تحقق واشنطن معها فائضاً تجارياً، ورسوماً أعلى من البلدان التي تحقق فوائض معتدلة مع الولايات المتحدة، ورسوماً أعلى من ذلك على البلدان التي تنتهج السياسات الصناعية الأكثر عدوانية وافتراساً. وفي فبراير (شباط) الماضي، قضت المحكمة العليا بأن ترمب أخطأ حين استند إلى “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لفرض رسومه الجمركية. وأنا أتفق مع القضاة الثلاثة الذين خالفوا رأي الغالبية وجادلوا بأن القانون يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم جمركية استجابة لحال الطوارئ الوطنية التي أعلنها العام الماضي، والناجمة عن الاختلالات التجارية مع الدول الأجنبية. وقد اختلفت الغالبية مع ذلك، لكن القرار لا يبدو أنه يغير كثيراً من النفوذ الذي يتمتع به الرئيس في التعامل مع قضية التجارة، كما أن الإدارة الأميركية تعمل على استخدام قوانين أخرى منح فيها الكونغرس السلطة التنفيذية صلاحية فرض الرسوم الجمركية.
لكن الرسوم الجمركية ليست سوى جزء من استراتيجية ترمب. فقد أبرم أيضاً اتفاقات مع عدد من الدول لفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الأميركية من المنتجات الزراعية وغيرها، وحصل على تعهدات من كثير من الدول بضخ استثمارات جديدة كبيرة في الصناعات الأميركية. ولتقليص اعتماد الولايات المتحدة على الدول المعادية في مجال المعادن الحيوية، أنشأ احتياطاً استراتيجياً للمعادن الحيوية بقيمة تقارب 12 مليار دولار، واستثمر مليارات الدولارات في شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير المناجم ومرافق المعالجة، وأبرم اتفاقات مع حلفاء الولايات المتحدة لتطوير هذه الموارد بصورة مشتركة. والنتيجة برنامج دفاعي متماسك يرد على السياسات الاقتصادية المشوهة التي تنتهجها دول أخرى، ويبني الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة.
وقد تقرب هذه الخطوات الولايات المتحدة من هدف أكثر طموحاً: نظام تجاري عالمي جديد، يتفق عليه الشركاء التجاريون الليبراليون الديمقراطيون الرئيسون لواشنطن، ويكرس في اتفاقات دولية وفي القانون الأميركي. لقد كان نزع اللافتة من على النافذة ورفض النظام القديم أمراً ضرورياً، لكن الخطوة التالية ينبغي أن تكون بناء نظام جديد. ويجب أن يكون الهدف الأساس لهذا النظام الجديد توفير الأمن الاقتصادي والأمن القومي. وهذا يعني منع انتقال الثروة الأميركية إلى أي خصم جيوسياسي. ويعني الإبقاء على برامج حكومية تضمن ازدهار الصناعات الحيوية والاستراتيجية، وأن تصبح الأفضل في العالم. فالنظام الدولي من القواعد الذي يحد من الدعم والحماية في ما يتعلق بالدفاع الوطني والقطاعات المتصلة به لا يخدم المصلحة الوطنية لأي دولة. ويجب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إنتاج المقاتلات والقاذفات المتطورة، وأنظمة الصواريخ، والدفاعات الجوية المتقدمة. ويجب أن تكون قادرة على إنتاج رقائق أشباه الموصلات، وتصنيع الفولاذ والألمنيوم اللازمين لصنع المسبوكات والمطروقات التي تبنى منها تلك المعدات، وكذلك بناء المصانع.
أما الهدف الثاني للنظام التجاري الجديد، فيجب أن يكون تحقيق نمو اقتصادي قوي، والأهم تعظيم أثر هذا النمو على مستوى البلاد كلها، من خلال توزيع منافعه بعدالة عبر خلق وظائف مجزية وعالية الأجر لغالبية المواطنين. وينبغي ألا تقل الفوائد التي تعود على العمال عن تلك التي تعود على رأس المال. وينبغي أن يعطي النظام التجاري الجديد أولوية لخفض كلفة المعيشة على الأميركيين العاديين، ما دام ذلك لا يعرض الأهداف الأخرى للخطر. وأخيراً، يجب أن ينظر إلى هذا النظام على أنه عادل، إذ لن يصمد إلا إذا آمن العاملون بأنه يخدمهم، ولا يجوز أن يؤدي إلى ترسيخ هيمنة نخبة صغيرة ودائمة.
والسبيل إلى بناء نظام تجاري جديد يحقق هذه الأهداف هو الاستناد إلى المبدأ الأوسع للتجارة المتوازنة. وهذا لا يعني السعي إلى تحقيق توازن في كل علاقة تجارية ثنائية، إذ إن الاختلالات الثنائية طويلة الأمد قد تكون مفيدة للطرفين في بعض الحالات. لكن ينبغي لكل دولة أن تلتزم الحفاظ على توازن عام في تجارتها الدولية، لا على أساس سنوي، لأن الظروف الاستثنائية قد تجعل العجز في عام بعينه غير ضار، بل على أساس متوسط خلال فترة قصيرة معقولة: ثلاثة أعوام مثلاً.
وفي ظل نظام من هذا النوع، قائم على معايير واضحة، ستتعاظم فوائد التجارة لجميع المشاركين. وسيكون الجميع أحراراً في تعديل سياساتهم لتحقيق الأهداف الضرورية للتماسك السياسي والاجتماعي، لكن لن يسمح لهم بتحميل الآخرين كلفة تلك السياسات. ومن شأن إزالة الاختلالات المزمنة أن تحقق فوائد عالمية، وأن تضمن توزيعاً أكثر كفاءة للموارد. كما أنها ستعاقب الممارسات الافتراسية والمشوهة، مثل سوء تخصيص الموارد المحلي الهائل في الصين، الذي أضر باقتصادات الدول الأخرى بجعل التخصيص السليم لمواردها أكثر صعوبة.
وسيضع المشاركون آليات موضوعية لتحديد صادرات بعضهم ووارداتهم رسمياً. وستخضع الدول التي تحقق التوازن لنظام رسوم جمركية منخفضة لدى بقية دول المجموعة. أما الدول التي تخرق الاتفاق بتحقيق فوائض على مدى فترة زمنية، فستواجه رسوماً جمركية أعلى من بقية الأعضاء إلى أن تعود إلى الالتزام بالمعايير وتحقق التوازن. وستكون الدول الأقل نمواً حرة في تحقيق عجز إذا رأت أن ذلك يساعد في تلبية حاجاتها التنموية قصيرة الأجل. أما الدول الواقعة خارج النظام الجديد، فستخضع لرسوم أعلى بكثير.
ومن حيث المبدأ، ستكون المشاركة مفتوحة للجميع. لكن الدول التي اعتادت تحقيق فوائض ستواجه خياراً واضحاً: إما الموافقة على موازنة تجارتها، أو مواجهة رسوم جمركية أعلى تضمن، في جميع الأحوال، اختفاء فوائضها. ومن المرجح أن تنضم معظمها. لكن من الصعب تصور أن دولاً مثل الصين ستوافق يوماً على نظام يشترط تجارة متوازنة. وحتى لو كانت الصين مستعدة للانضمام، فسيتعين على الأعضاء الآخرين أن يحددوا ما إذا كان إدخال بلد ماركسي – لينيني شمولي وعدواني يصب في مصلحتهم أم يخلق نقاط ضعف لا تحتمل. فعلى سبيل المثال، هل من مصلحة أي بلد أن تمر سلاسل إمداده الحيوية عبر منافس جيوسياسي؟ وسيتعين على المشاركين معالجة أسئلة مماثلة في ما يتعلق بإدراج إيران وكوريا الشمالية وروسيا.
وهناك آليتان أخريان في الأقل يمكن أن يستخدمهما النظام الجديد إلى جانب الرسوم الجمركية. فقد تطلب الدول من أي شركة ترغب في استيراد سلعة أو خدمة إلى سوقها أن تشتري شهادة من مصدر محلي بالقيمة نفسها لأي سلع أو خدمات. وقد اقترح بافيت وآخرون نظاماً كهذا وسيلةً لتحقيق تجارة متوازنة. لكن هذا النظام قد يكون في التطبيق العملي مرهقاً ومفرط البيروقراطية. وثمة فكرة أخرى تقوم على السماح للمصارف المركزية في الدول الأعضاء بفرض “رسوم دخول إلى السوق” على الاستثمارات الواردة كلها، بما يقلل من قيمة فوائض الدول الأجنبية. ومن شأن ذلك، مع مرور الوقت، أن يخفض تدريجاً قيمة عملة البلد الذي يعاني عجزاً ويقود إلى تحقيق التوازن. لكن هذا النهج، الذي اقترحه بعض أعضاء الكونغرس، يصعب شرحه، وقد يبدو كضريبة على الاستثمارات الوافدة، مما يرجح أن يلقى رفضاً شعبياً. وبالمقارنة مع هذه البدائل، فإن الرسوم الجمركية مرنة وسهلة التطبيق، ولدى كل دولة بالفعل إطار قانوني لاستخدامها. فهي الآلية الأبسط.
وفي التطبيق العملي، سيحافظ الأعضاء على التزاماتهم التجارية الأساس الحالية. وستظل مفاهيم الدولة الأولى بالرعاية والمعاملة الوطنية قائمة. وهذان المفهومان، اللذان يضمنان أن تعامل الدول غيرها على قدم المساواة في التجارة، وأن تعامل الشركات الأجنبية كما تعامل الشركات المحلية، يشكلان حجر الأساس للنظام القديم، وسيظلان ساريين على المشاركين في النظام الجديد. وسيتعين على المشاركين تطبيق قواعد تتعلق بالشفافية والمنافسة العادلة، مثل متطلبات نشر اللوائح وحماية براءات الاختراع. ويمكن للمفاوضات اللاحقة أن تحدد أي الالتزامات الحالية الأخرى ينسجم مع النظام الجديد.
ومن شأن نظام تجاري دولي جديد قائم على التزامات بالحفاظ على التوازن أن يؤدي إلى توزيع أفضل للموارد في الاقتصاد العالمي، وأن يولد منافع واسعة النطاق للدول المشاركة، وأن يعزز القدرة على التنبؤ. فتنمية القطاعات داخل كل اقتصاد ستخضع لقوانين العرض والطلب، وعند الاقتضاء لسياسات حكومية تدعم التماسك المجتمعي. وهذا النظام سيوقف تدفق الثروة إلى منافسي واشنطن، وسيضع ضغوطاً على السياسات الصناعية التي تضر بالآخرين والتي ينتهجها حلفاؤها. وستسمح التجارة المتوازنة للحكومات باعتماد سياسات تهدف إلى خلق وظائف عالية الأجر من دون إرغام بلدان أخرى على دفع ثمنها.
إن إنشاء نظام دولي جديد أمر صعب دائماً. وفي هذه الحال، ستقاومه الدول ذات الفوائض، وستردد بعض الشركات والجماعات في الدول ذات العجز حججها. وستعارض الصين مثل هذا الاتفاق، ليس فقط لأنه سيضر بنموذجها الاقتصادي الافتراسي، بل أيضاً لأنه سيشجع التماسك بين الديمقراطيات الغربية. لكن معارضة الصين للتغيير لا ينبغي أن تكون سبباً للإبقاء على الوضع الراهن. كما أن نظاماً تعاونياً جديداً سيكون أفضل بكثير من الخطوات الارتجالية التي تتخذها حالياً الأطراف الدولية الفاعلة، ليس الولايات المتحدة فحسب، بل كذلك المكسيك والاتحاد الأوروبي وغيرهما، لتقليص عجزها التجارية وتحييد الممارسات غير العادلة.
لقد أزال ترمب اللافتة من على نافذة الولايات المتحدة. لا عودة إلى الوراء. والطريق إلى الأمام واضح.
مترجم عن “فورين أفيرز”، الـ21 من أبريل (نيسان) 2026
روبرت إي. لايتهايزر شغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة بين عامي 2017 و2021، ومنصب نائب الممثل التجاري للولايات المتحدة بين عامي 1983 و1985. وهو مؤلف كتاب “لا تجارة حرة”.
