تقديم
ما يميّز آن كارسون كشاعرة هو تمرّدها على الأشكال الشعرية المألوفة، وسعيها الدائم إلى تجاوز الحدود التي رسمتها التقاليد الأدبية. ففي كتاباتها، لا يُولد النصّ من لحظة حاضرة معزولة، بل يتشكّل في فضاء تتداخل فيه أصوات الماضي مع أسئلة الحاضر، فيكتسب عمقًا يتيح له أن يستثير أسئلة القارئ المعاصر. كذلك، تتجاوز كارسون الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وتفتح القصيدة على أشكال من الكتابة والمعرفة والفنون، فتغدو نصًّا متحوّلًا عصيًّا على التعريفات الموروثة. وينبع شعرها، في الوقت نفسه، من تجربة حياتية ملموسة، بما تنطوي عليه من حبّ ورغبة وفقد وألم. غير أنّ ما يضفي على هذه التجربة مزيدًا من التوتّر والغنى هو وصلها بتجارب إنسانية سابقة، كأنّ الشاعرة تمدّ يدها إلى الماضي، فتغترف منه، على حدّ تعبيرها، ما يمدّ حاضرها الشعري بالحياة. وهكذا، تجمع أعمالها بين متعة اللغة وعمق المعنى، وتستمدّ فرادتها من قدرتها على جعل القديم يتكلّم بلسان الحاضر.
بمنح آن كارسون جائزة نوبل في الأدب لعام 2026، كرّمت الأكاديمية السويدية شاعرة وكاتبةً ظلّت تتحدى الأشكال الأدبية الراسخة، وتختبر حدود الشعر وإمكاناته. وقد أشادت الأكاديمية بجرأة أعمالها وابتكارها، وبقدرتها على تجديد الأدب المعاصر من خلال حوار خلّاق مع التراث الكلاسيكي. وينطلق مشروعها الأدبي من تحويل المعرفة بالعالم القديم إلى ممارسة إبداعية حيّة؛ فهي لا تتعامل مع النصوص الموروثة بوصفها آثارًا من زمن مضى، بل تستكشف فيها منابع أسئلة ما تزال مفتوحة على التجربة الإنسانية في الحاضر.
وُلدت كارسون في تورنتو، كندا، في 21 حزيران/يونيو 1950، وبدأ اهتمامها بالأدب اليوناني القديم في المرحلة الثانوية حين ساعدها أحد معلّمي اللاتينية في المدرسة على تعلّم اليونانية القديمة، فاتحًا أمامها طريقًا قادها إلى الدراسات الكلاسيكية التي ستشكّل لاحقًا ركيزة أساسيّة في تكوينها الفكري والإبداعي. درست في جامعة تورنتو، حيث حصلت على البكالوريوس عام 1974، والماجستير عام 1975، ثم الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981. وعملت لاحقًا في التدريس في عدد من الجامعات الكندية والأميركية. أتاح لها تكوينها الأكاديمي التعمّق في اللغة والتاريخ الأدبي والتقاليد الفكرية التي استكشف الكتّاب من خلالها أبعاد الرغبة الإنسانية والمعاناة. وغالبًا ما تنطلق كارسون في نصوصها من كلمة، أو شذرة من قصيدة قديمة، أو سؤال يتعلّق بكيفية تصوير الأدب للتجربة الإنسانية، ثم تمضي في الكتابة بحرية، رافضةً الفصل الصارم بين منهج الباحثة ومخيّلة الشاعرة.
جسّد كتابها النقدي “إيروس: الحلو المرّ”، الصادر عام 1986، هذا المنهج المميّز. ففيه تستكشف الرغبة من خلال كتابات سافو وأفلاطون وغيرهما من شعراء اليونان القدماء وفلاسفتها، متتبّعةً طبيعتها المتناقضة وصلتها بالحبّ والمسافة والانفصال. فالرغبة، في قراءتها، لا تنبع من التوق إلى الامتلاك فحسب، بل تتغذّى أيضًا من المسافة التي تفصلنا عمّا نرغب فيه، ومن استحالة بلوغه. ويجمع الكتاب بين البحث في الأدب الكلاسيكي والنقد الأدبي في مقاربة جريئة فكريًّا، أرست موضوعات ستعود بأشكال مختلفة في أعمالها اللاحقة.
| بمنح آن كارسون جائزة نوبل في الأدب لعام 2026، كرّمت الأكاديمية السويدية شاعرة وكاتبةً ظلّت تتحدى الأشكال الأدبية الراسخة، وتختبر حدود الشعر وإمكاناته (Getty, 8/10/2026) |
أما كتابها الأشهر، “السيرة الذاتية للأحمر: رواية شعرية”، الصادر عام 1998، فيمثّل نموذجًا بارزًا لقدرتها على إعادة تشكيل المادة الكلاسيكية وتجاوز الأطر الأدبية المألوفة. وتتميّز كتابة كارسون في هذا الكتاب بصعوبة إدراجها في جنس أدبي واحد، إذ تمزج بين معرفتها العميقة بالأدب القديم ومعالجتها العاطفية المكثّفة للرغبة وانكسار القلب. وهكذا، لا يعود الخروج على الأشكال الأدبية المألوفة مجرّد تجربة أسلوبية، بل يغدو وسيلةً للتعبير عن تعقيد الحبّ واستعصاء التجربة العاطفية على القوالب الجاهزة .
واصلت كارسون استكشاف تعقيدات العلاقات الحميمة في كتابها “جمال الزوج: مقالة متخيّلة في تسع وعشرين رقصة تانغو”، الصادر عام 2001، الذي تتناول فيه الخيانة الزوجية والغيرة وهشاشة الروابط العاطفية. وفاز الكتاب بجائزة تي إس إليوت للشعر في العام نفسه، مما عزّز حضورها على الساحة الأدبية الدولية. وكانت قد فازت أيضًا بجائزة غريفين للشعر عن كتابها “الرجال في ساعات الفراغ”، الصادر عام 2000. وفي هذين الكتابين، تتداخل أزمنة تاريخية وأصوات أدبية متباينة فيما بينها، ناسجة لقاءات غير متوقعة بين شخصيات الماضي ووعي الإنسان المعاصر، في كتابة تكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين التجارب الإنسانية عبر العصور.
بلغ استكشاف كارسون للفقد نبرةً شديدة الحميمية في كتاب “نوكس”، الصادر عام 2010، وهو مرثية لأخيها مايكل الذي توفي عام 2000. يجمع الكتاب بين الصور الفوتوغرافية والملاحظات المكتوبة بخط اليد ومداخل القواميس والترجمات والذكريات الشخصية، ليغدو أقرب إلى أرشيف مادي منه إلى كتاب تقليدي. وتعكس بنيته المجزّأة صعوبة إعادة بناء حياة إنسان آخر من شذراتها، كما تجسّد صعوبة التعبير عن الحزن في سرد متماسك ومكتمل. أما في كتابها “تفكيك الذات”، الصادر عام 2005، فتستلهم كارسون أفكار الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل متأمّلةً إمكان التخلّي عن مركزية الذات، ومستكشفةً الصلة بين الفناء والتجرّد والتجربة الروحية.
لا يمكن فهم المشروع الأدبي لآن كارسون من دون التوقّف عند ترجماتها للأدب اليوناني القديم، وما تنطوي عليه من استلهام إبداعي لنصوصه وإعادة توظيفها. فهي لا تكتفي بنقل النصوص القديمة إلى لغة معاصرة، بل تضعها في مواجهة حساسيات الحاضر وأسئلته. وأثارت بعض خياراتها انقسامًا بين النقاد والقرّاء؛ إذ يربك استخدام اللغة المعاصرة واللجوء إلى تأويلات غير مألوفة من اعتادوا ترجمات تحافظ على النبرة الجليلة والأسلوب المهيب للتراجيديا الكلاسيكية. غير أنّ هذه الخيارات تتيح، في المقابل، إبراز الصراعات والالتباسات والأسئلة السياسية والإنسانية التي ما تزال تمنح تلك النصوص حيويتها. وهكذا، لا تغدو الترجمة عند كارسون مجرّد استعادة للماضي، بل وسيلة لإعادة قراءته واختبار دلالاته، وفتح حوار جديد بينه وبين الحاضر.
استقطبت أعمال كارسون الإعجاب وأثارت الجدل، لأنها تستعصي على التصنيف السهل. فبينما يجد بعض القرّاء كتابتها مثقلةً بالإحالات التي يصعب فهمها من دون معرفة مسبقة، يرى آخرون في غناها الفكري وانتقالاتها المفاجئة وتجاربها الشكلية مصدر قوتها الأساسية. وتتطلّب كتبها من القارئ التنقّل بين طرائق مختلفة للقراءة والتلقّي؛ إذ يحتاج إلى فضول الباحث حين يواجه الشعر، وإلى الحساسية العاطفية حين يتعامل مع الحجة الفلسفية، وإلى الاستعداد لمواجهة نصّ لا يكشف عن معناه دفعةً واحدة، بل تتجلّى دلالاته تدريجيًا مع التقدّم في القراءة.
تواصل كارسون استكشاف آفاق التجريب الأدبي ويتجلّى ذلك في كتبها اللاحقة مثل “فلوت” الصادر عام 2016، و “نورما الخاطئة” الصادر عام 2024، حيث تتداخل النصوص والصور، وتتجاور أشكال أدبية مختلفة.
تؤكّد تجربة كارسون أن الشعر لا ينبغي أن يظلّ أسير الحدود التي ترسمها الأجناس الأدبية أو اللغات أو الفترات التاريخية، بل يمكن أن يتحوّل إلى فضاء يلتقي فيه الفكر بالشعور، والمعرفة بالتجربة، وشذرات الماضي بأسئلة الحاضر التي ما تزال تبحث عن إجابات. ولا تدعو كارسون قرّاءها إلى استعادة الحكايات القديمة فحسب، بل إلى اكتشاف الكيفية التي تتجدّد بها دلالاتها كلما أُعيدت قراءتها، والإصغاء إلى ما يمكن أن تكشفه عن أنفسنا وعن العالم الذي نعيش فيه.
فيما يلي مختارات من نصوصها وقصائدها، ترجمناها عن اللغة الإنكليزية:
1 – بينما كانت القهوة
بينما كانت القهوة تنسابُ في حلقي، والكافيين يبدّدُ غشاوة ذهني، تساءلتُ عن السبب الذي دفعه إلى المجيء باكرًا. أحكمت لفّ معطفي المنزلي البالي حول جسدي؛ كانت عيناه الرماديتان أشدّ يقظة مما يليق بهذه الساعة، وكان جليًّا أنه من أولئك الذين يستيقظون مع طلوع الفجر. وبعد نحو خمس دقائق من الجلوس بهدوء واطمئنان، أخذت ركبته اليسرى ترتجفُ من القلق والضيق. تلذّذتُ بحرجه. قد تتهمونني بالقسوة، لكن عليكم أن تعرفوا أن هذا أقلّ ما يستحقّه من يتجرّأ على اقتحام مملكتي قبل أن أرتشف فنجان قهوتي الأول. واصلتُ ارتشاف قهوتي، مغمضة العينين في نشوة، مستمتعةً، ولو إلى حدّ ما، بضِيقه.
2- لا شكّ أنّني عُشقتُ
أنا أروّضك.
(كلا، أنت لا تفعل ذلك).
كنت عاريًا.
كنتَ عصيًّا على اللمس.
كنتَ غير مُقنعٍ.
كنتَ غامضًا.
ادّعيتَ أنّك من سلالة الملائكة،
لكنّ أهوال الحرب كانت تفوح منك.
كان يفيض منك غرور لا يعرف الرحمة،
وكان فمك الممتلئ، والمسترخي يتوهج بدوره.
أزهرت كما تزهر البراعم في طريقها إلى أن تصبح ثمرة
وتفتّحَ فيك نهمُ آكلي لحوم البشر،
كنت مستعدًّا لأن تلتهم أو أن تُلتهم
أو أن تفعل الأمرين معًا.
تركت صورتك تُرْسم في هيئة لوحٍ لتقطيع اللحم.
ومع ذلك، لم تكن طبيعةً صامتة؛
كنت لحمًا لم يمْضِ على حياته سوى وقتٍ قصير.
جئت على ساقيك، فاستبدلتُ ساقيك.
وما بين ساقيك، وكلّ ما في تلك المنطقة.
كنتَ تحوم حولنا كالشبح، كلغزٍ من ألغاز هايمين (1).
عرّيتُك، وكان ذلك الفارق الوحيد.
أمّا ما عدا ذلك، فلم يطرأ علينا أيّ تطوّر يُذكر.
استخدمتُ العكّازات، والدعامات الطويلة، واستئصال الأحشاء، والجبائر الجبسية.
ثبّتُّ حذاءك إلى الأرض.
أملتُ خشبة المسرح، ثمّ حطّمتُها،
ودمجتُك بأجناسٍ أخرى.
شمّرتُ عن ساعديّ.
لم أُبدِ لك ذرّةَ من الحنان؛
فكان يمكن لعلاقتنا أن تكون جنسيةً محضة!
أو طبيّة!
أو علاقةً بين علماء آثار!
أجبرتُك على تنظيف الفوضى التي أحدثناها،
ثم أعدتُ استخدام تلك الفوضى في اليوم التالي.
أبطأتُ خطاك، وأخمدتُ أنفاسك، وهاجمتُك بموسيقى تصويرية (موسيقى الفالس).
نثرتُ القبور المفتوحة في أرجاء المسرح، فسقطت فيها – يا للمفارقة!
ضحكتُ عليك!
جعلتُك تمشي على يديك، بلا أكسجين،
وبلا أصدقاء يمدّون إليك يد العون.
جعلتُك تبني الأرضية التي تمشي عليها.
ونفختُ ملابسك بعيدًا عن جسدك، فعرّيتُك.
أفسدتُ مشهد أورفيوس الخاصّ بك.
وقذفتك بفخذَيْ شخصٍ آخر،
وأغرقتُك في مياه نهر النسيان.
سحقتُك حتى صرت مسطّحًا كقرص حلوى، ثم دسستُك في جيبي.
أمطرتُك بكلّ سهام جيش الملك الفارسي داريوس (وبسرعة!)
ثم جعلتُك تجمعها كلّها (على مهل).
ألقيتُ بهيكلك العظميّ عن منصّته، فتناثر حطامًا.
وعبثتُ بجمجمتك.
جعلتُك تطارد قصاصة ورقٍ توقظ الحنين،
ثم أطفأتُ الأنوار، وأمرتُ الجمهور بالعودة إلى بيوتهم.
ومع ذلك، لم يُحسم شيءٌ بيننا.
كانت الأرجل متفاوتة الطول.
دعوتني إلى عصرك الذهبي،
فحوّلتُك إلى غريب، وإلى خاسر، ومتسلّقٍ انتهازيّ، ومهاجر غير شرعي،
ورهينةٍ لا يطالب بها أحد، وهدية عيد ميلادٍ بائسة.
جعلتُ الإنسان ينهش جسدك.
حطّمتُ قدرتك،
واخترعت جاذبيتك،
وسحبتُك إلى الخارج من ثقب المراقبة الذي تختبئ خلفه.
(لا، لم تفعل).
أنا أروّضك.
(كلا، أنت لا تروضني).
3- ما النعت؟
تُسمّي الأسماءُ العالمَ، وتُضْفي الأفعالُ الحيويّة عليها، أما النعوت فتأتي من مصدرٍ آخر. فكلمة “نعت” (أو epitheton باليونانية) تعني “ما يُوضَع فوق الشيء”، أو “ما يُضاف إليه”، أو “يُلحق به”، أو “ما هو دخيل”.
قد تبدو النعوت إضافاتٍ بريئةً تمامًا، لكننا إذا أمعنّا النظر فيها، اكتشفنا أن هذه الآليات الصغيرة الوافدة هي المسؤولة عن ربط كل شيءٍ في العالم بموضعه الخاص والمحدَّد؛ وأنها أشبه بأقفالٍ تُحْكم إغلاق الوجود.
4- أتسمعين هذا؟
أتسمعين هذا، أيتها الجماجم الحيّة؟ ماذا نفعل هنا؟ وأيّ حرب تدور رحاها في طروادة؟ وهل يكترث أحدٌ بذلك أصلًا؟ أليست آلهة الحب والكراهية، في جوهرها، إلهًا واحدًا؟ نقضي حياتنا كلّها نبحث عن عدوّ مثالي واحد: أنتَ وأنا وهيلين وباريس ومينلاوس (2)، وجميع أولئك اليونانيين المجانين! وجميع أولئك الطرواديين المنكوبين! وجاك، حبيبي الغالي! لطالما تشاجرتُ أنا وجاك. لا أكاد أتذكّر شيئًا من علاقتنا سوى شجاراتنا. كان كل شجار منها بمثابة “الحرب التي ستضع حدًّا لجميع الحروب”. تعرفون كيف تجري الأمور: حرب عادلة، حرب فاصلة، أسوأ شجار خضْته في حياتك، تشعر بعده أنك لن تستطيع خوضه من جديد، وأن عليك هذه المرة أن تحسم المسألة، بطريقة أو بأخرى، وإلا فالنهاية محتومة. سيفهم ما تقصدينه، وسيُدرك أنك على حق؛ فالمشاجرات لا تدور حول شيء سوى إثبات أنك على حق، أليس كذلك؟ حسمٌ نهائيّ للأمر.
تشعرين بأنك قد شخْت، وبأنك مخطئة، وبالثقل والارتباك. تجلسان على كرسيين في الشرفة، أو في المطبخ، أو في الردهة الأمامية. تنفتح أبواب الجحيم. كأنّ الحرب كانت قائمة بالفعل، تتربّص بكما لتصبّكما في قوالبها، كما تُصبّ الخرسانة السائلة. والكرسيان اللذان تجلسان عليهما ليسا الكرسيين اللذين اعتدتما الجلوس عليهما؛ إنهما الكرسيان اللذان لا تجلسان عليهما أبدًا، لأنهما غير مريحين. تواصلان التفكير في تبديل مكانيكما، لكنكما لا تفعلان. يتسلّل الألم إلى عنقيكما، فتكرهانهما، ويحلّ المساء.
تتقافز الطيور في أرجاء الفناء. كأنّ أبواب جهنّم قد انفتحت على مصراعيها. تفوران غضبًا ويشتدّ العداء بينكما، فتستحيلان شخصين محمومين ونتنَين لا يُطاقان. تتقهقران هربًا من ذلك الجحيم وتعودان طفلين؛ فكل جملة تُنطق بهدوء وحزم تعيدكما إلى حالة الطفولة الكامنة فيكما، وكلّ جملة تقولينها تفشل كليًّا في التعبير عمّا أردتِ قوله، فيما يظلّ المعنى يتوهّج وينكمش، كشرارات تتساقط على البنزين فتزيده اشتعالًا: “تبًّا لهذا! تبًّا لذاك!” ولا يعود للحياة أيّ مبرر.
تصابين بالدوار. إنه يتصرّف بوضاعة. كانت أمّك هكذا. كُفّي عن الأنين. لا جدوى من التساؤل: “ما الذي يجري هنا؟”. لا تغادري الغرفة. عليّ أن أغادر الغرفة. أنفاس لاهثة، واتهامات… أنا لا أُلقي باللوم على أحد! وكيف لا يكون هذا لومًا؟ تمضي الساعات… أم تراها لا تمضي؟ تكرّرين الكلام نفسه… أم أنه كلام مختلف؟
للجحيم رائحة العفن والركود. لا تدور المشاجرات حول أمرٍ بعينه، بل تدور حول ذاتها. جسدك متصلّب. تكرهين هذه الكراسي. لا شيء يُحسَم. الظلام دامسٌ إلى حدّ تعجزين معه عن الرؤية. تأويان إلى الفراش، تغفوان قليلًا، ويحدث بينكما تلامس خفيف. في الليل، يداهمك كابوس: طائر عملاق، أو حشرة، أو كائن ما، يرفرف بجناحيه محاولًا أن يحطّ على مؤخرة عنقك. لا تستطيعين تبيّن ماهيته، ولا إبعاده عنك، فيستبدّ بك الذعر، وتطلقين صرخة تفوق صرخات البشر. يهزّك ليوقظك، وهو يقول: “يا حبيبتي!” بصوته الهادئ والخافت، المنبعث من أعماق قلبه. تختزل المسافة الفاصلة بين هذا الصوت وصوت الشجار عالمك بأسره. كيف يمكن للصوت أن يتغيّر إلى هذا الحدّ؟ لقد نجوتِ. وهو من أنقذكِ. إنه يراكِ ناجيةً.
ينتابك شعور بالانفراج والسكينة، كقطرات الندى ليلًا على أوراق الأشجار. ومع ذلك، تطرأ على بالك فجأة فكرة: أنتِ لا تملكين ذلك النوع من الصوت الداخلي؛ ولعلّ هذا ما يجعله يشعر بالوحدة. فأنتِ لا تستطيعين أن توفّري له هذا الملاذ، ولا تملكين القدرة على إنقاذه. ورغم أن الأمر قد يعود إلى أسباب فسيولوجية أو جينية، أو إلى أسباب لا يعلمها إلا الله، فإنك تدركين أنه يفسّر هذا الغياب على أنه صدٌّ منك وإعراض.
ما من أحدٍ يستطيع علاج هذا الأمر. فتقرّران، من دون أن تنبسا ببنت شفة، أن تتجاوزا ما حدث فحسب. تتشبّثان أحدكما بالآخر. وفي سكون الليل، ترتخي القبضة شيئًا فشيئًا، ويغمركما صمت يجرفكما نحو شاطئ النوم.
يطلع الفجر. ما تزال طروادة في مكانها. تسمعين من الطابق الأسفل جلبة الجميع وهم يرتدون دروعهم فتتّجهين نحو النافذة.
5- حديث مقتضبٌ عن الألم
مروجٌ وحقولٌ وتلالٌ، وأكمامٌ مخمليّة عريضةٌ وعتيقة، ومساحاتٌ خضراء.
تتموّج وتلتوي وتتوالى وتنبسط، فتُريح العين. وتبدو يانعةً في اللوحات.
وفي هذه المساحات الخضراء تُخاض معارك،
أو يمكنك أن تنصب مائدة وتتناول طعامك.
مساحات يلفّها السكون والكتمان، أشبه بأرض الغابات النائية.
ثم تَرِدُ القبور في قصائد كثيرة تتغنّى باللون الأخضر.
لكنَّ هذه ليست قصيدةً؛ بل ملصق إعلاني للبازلاء الخضراء المجمَّدة.
البازلاء الخضراء المجمَّدة مفيدةٌ في تخفيف الألم.
6- نشوة الحبّ القصيرة والحزينة
أحبّ أن أسهر معك طوال الليل، مغمضةَ العينين.
يا لحُسن حظّي! ها أنت ذا تتوهّج آتيًا عبر النجوم!
قطعتُ رحلةً طويلة في عقلي وقلبي،
وهناك وجدتكَ جالسًا على قارعة الطريق،
وأمامك حقيبة عُدّتك الصغيرة، تُصلح شيئًا ما.
امنحْني عالمًا،
سلبْتني العالمَ الذي كنتُ.
7- قاعدة جديدة
كان صباحًا أبيض من صباحات العام الجديد، غطّاه جليدٌ حديثٌ متصلّب.
عاليًا، فوق أغصان تجمّدت، رأيتُ سنجابًا يقفز ثم ينزلق.
بدا كأنه يقول لي، وهو يرمقني من علٍ، متشبّثًا بغصنٍ يابسٍ يتمايل مرتجفًا:
“أهذا مخيف؟ أم أن كلّ شيءٍ يبدو مريبًا اليوم؟”
أصدرت الأغصان حفيفًا خافتًا.
مسحَ شفتيه الصغيرتين الباردتين بإحدى يديه.
“أتخشى الأشياء نفسها التي أخشاها أنا؟” تساءلتُ، وأنا أرفع بصري إليه.
كانت إمبراطوريته من الأغصان تنزلق في الهواء.
أهي ليلة الخطّافات؟
أم سكين الرجل المتروك مكشوفًا على الدرج؟
“لم تعد لديه طاقة كافية”، قال حبيبي
قبل أن يموت في عامنا الخامس.
قفز السنجابُ هابطًا على طول الغصن
وتعلّق بطرفٍ يشبه وتدًا من الدموع.
لا تتّضح لنا تمامًا طريقة التمسّك بالشيء إلا بعد فوات الأوان.
| يجمع كتاب “نوكس” بين الصور الفوتوغرافية والملاحظات المكتوبة بخط اليد ومداخل القواميس والترجمات والذكريات الشخصية، ليغدو أقرب إلى أرشيف مادي منه إلى كتاب تقليدي |
8- ثلاثة موسيقيين من العصور القديمة
ثلاثة موسيقيين من عصور غابرة كانوا يجلسون هناك بظهورهم المحنيّة: عازف بيانو وعازف غيتار وعازف أكورديون. لم يكن عمر أيٍّ منهم يقلّ عن سبعين عامًا. كان عازف الأكورديون ضعيف البنية إلى حدّ أن غيريون (3) كان يخشى، كلما أدار كتفيه متمايلًا مع اللحن، أن يسحق الأكورديون جسده ويفتّته. لكن سرعان ما اتّضح أن لا شيء يستطيع سحق هذا الرجل.
عزف الثلاثة كأنهم موسيقيّ واحد، في حالة من الوجد الخالص والإلهام. انطلقوا ونقروا وتشابكوا ثمّ انفصلوا، رفعوا حواجبهم وخفضوها. تقاربوا وتباعدوا وارتفعوا وانفصلوا وتتبّع بعضهم بعضًا، ثمّ حلّقوا في سحابة، قبل أن يغوصوا عائدين إلى الأمواج.
9- دروس في الحِداد
ثمّة من يقول إن مشاهدة قصصٍ يصعب احتمالها، عن أشخاصٍ غارقين في الحزن والغضب، أمرٌ مفيد لنا؛ إذ قد تطهّرنا من عتمتنا الداخلية. هل ترغب في أن تغوص وحدك في أعماق ذاتك؟ في غالب الظن، لا. ولكن، ماذا لو استطاع ممثّل أن يفعل ذلك نيابةً عنك؟ أليس لهذا السبب تسمّيهم ممثّلين؟ إنهم يؤدّون الأدوار نيابةً عنك، فيما تقدّمهم أنت قربانًا للفعل الدرامي. وترى في هذه التضحية ضربًا من الألفة العميقة بينك وبين حياتك الخاصة؛ فمن خلالها، تشاهد ذاتك وهي تتجسّد، وتنكشف لك طبيعتها، سواء في صورتها الراهنة أو في صورها الممكنة. وهكذا، يتسنّى لك أن تعي طبيعتك وتدركها على نحوٍ لا يتاح لك أبدًا حين تخوض التجربة بنفسك. فالممثّل، إذ يعيد تجسيد شخصيتك، يضحّي بلحظة من حياته هو ليمنحك حكايةً تخصّك أنت.
(من: المأساة: شكلٌ فنيٌّ مثيرٌ للفضول – دروسٌ في الحزن: أربع مسرحيات ليوريبيديس).
10- النساء
يُنظَر إلى المرأة بوصفها كائنًا لا يستقرّ جسدها على هيئة أو حدود ثابتة، ولا تملك قدرة كافية على التحكّم في تحوّلاته. فالتشوّه يلازمها؛ إذ ينتفخ جسدها وينكمش، وتتسرّب منه سوائل، ويُثْقَب ويُختَرق ويتفكّك.
تأمّلوا دورة حياة الأنثى، بما تنطوي عليه من نزف واختراقات جسدية وحمل وتغيّرات في شكل الجسد. وتأمّلوا وحوش الأساطير اليونانية، التي كان معظمها من الإناث، وتتّسم أجسادها بالتقلّب والتشوّه، مثل سيلا(4) وميدوسا(5) والسيرينات(6) والهاربيات(7) والأمازونيات(8)، وأبي الهول (السفينكس)(9).
كان ضبط النفس، جسديًا وعقليًا وأخلاقيًا، فضيلةً رأى القدماء أن المرأة تفتقر إليها. ولذلك، كان عليها، لكي تكتسب شكلًا محدّدًا، أو تبلغ قدرًا من التماسك، أن تخضع لعمليات الضبط والتشكيل التي يمارسها الرجال.
(من مقال “جندر الصوت”، ضمن كتاب “الزجاج، والسخرية، والإله”)
المصادر:
1- جائزة نوبل: الإعلان الرسمي وتعليل منح الجائزة لعام 2026.
2- مؤسسة الشعر الأميركية: السيرة الذاتية لآن كارسون وأعمالها الرئيسية والتلقي النقدي لها.
3- أكاديمية الشعراء الأميركيين: معلومات عن حياتها ومسيرتها وقائمة مؤلفاتها.
4- جامعة تورنتو: معلومات عن خلفيتها الأكاديمية ومسيرتها المهنية.
هوامش المترجم
1- هايمين (المعروف أيضًا باسم هايمينيوس) هو إله الزواج وحفلات الزفاف وأغاني العرس في الميثولوجيا اليونانية القديمة. وهذه القصيدة مُهداة إلى المخرج ومصمم الرقصات اليوناني الطليعي ديميتريس بابايوانو.
2- هيلين أجمل نساء عصرها وملكة إسبرطة وزوجة مينلاوس. كان رحيلها مع باريس سبب اندلاع حرب طروادة، وعادت بعدها إلى إسبرطة. باريس هو أمير طروادة وابن الملك بريام… مينلاوس هو ملك إسبرطة وزوج هيلين وشقيق أغاممنون. قاد حملة اليونان على طروادة لاسترجاعها، ثم عاد بها إلى إسبرطة.
3- غيريون (Geryon): شخصية في الأساطير اليونانية، كان عملاقًا ذا ثلاثة أجساد أو ثلاثة رؤوس، بحسب الروايات، ويعيش في جزيرة إريثيا البعيدة، حيث يرعى قطيعًا من الأبقار الحمراء. وكان الاستيلاء على هذا القطيع إحدى المهام الاثنتي عشرة التي كُلِّف بها هرقل.
4- سيلا: وحش بحري أسطوري ذو ستة رؤوس في الأساطير اليونانية عاش في كهف على أحد جانبي مضيق ضيق مقابل الدوامة.
5- ميدوسا: إحدى الغورغونات الثلاث في الأساطير اليونانية، وكانت الوحيدة بينهن التي لم تكن خالدة. صُوّرت امرأةً ذات شعر من الأفاعي، وكان كل من ينظر مباشرةً إلى وجهها يتحوّل إلى حجر. وقد قتلها البطل فرساوس، وفقًا للأسطورة.
6- السيرينات: كائنات أسطورية في الميثولوجيا اليونانية، اشتهرت بأصواتها العذبة التي كانت تجذب البحّارة وتغويهم، فيحيدون عن مسارهم ويهلكون.
7- الهاربيات: كائنات أنثوية مجنّحة في الأساطير اليونانية، كانت تُصوَّر برؤوس نساء وأجساد طيور جارحة، أو بهيئة نساء مجنّحات. ارتبطت بالعواصف والخطف والعقاب.
8- الأمازونيات: نساء محاربات في الأساطير اليونانية، عُرفن بمهارتهن في القتال وركوب الخيل واستخدام القوس.
9- السفينكس: وحشٌ في الأساطير اليونانية، يُصوَّر بجسد أسد ورأس امرأة، وغالبًا ما تُضاف إليه أجنحة. ويختلف عن أبي الهول المصري، الذي يُصوَّر عادةً بجسد أسد ورأس إنسان، يُمثَّل تقليديًا بملامح ذكورية.