“التأخّر العربي العام جعل العقل العربي وكأنه برميل بلا قعر، لا يجمع لا يراكم. مع كل صباح نبدأ تجربة جديدة، وننسى تجربة البارحة، كما لا نفكر باحتمالات الغد. على الدوام، نبدأ من جديد وكأننا ولدنا اليوم، أشبه بفئران عاجزة عن اكتشاف أن المصيدة تصيد.” ياسين الحافظ
العنوان والاقتباس مستعاران من ياسين الحافظ، المفكر السوري العروبي التقدمي، لأنه ينطبق على واقعنا الراهن، ويشخّص، إلى حد بعيد، أسباب هزائمنا المتكرّرة. يرى الحافظ أن جذور الهزيمة والتخلف في العالمين، العربي والإسلامي، ثقافية فكرية أكثر مما هي تكنولوجية اقتصادية. ففي الوقت الذي ينهار فيه عالمنا التقليدي وقيمه، لم نبنِ قيماً حديثة تواكب المجتمعات العصرية المتقدمة كالعقلانية والمنهج العلمي والعيش بدلالة المستقبل. فبقينا عالقين في الماضي نقتدي بالسلف ومعاييره، فاستوعبَنا الماضي بدل أن نستوعبه، حتى إذا ما أردنا أن نتقدّم تقدّمنا إلى الوراء في أحيانٍ كثيرة.
كما حوّلنا الأيديولوجيات الحديثة إلى ديانات جديدة جامدة، نأخذ بحرفيتها ونُسقطها على واقعنا خائفين من تطويرها وملاءمتها. وخلطنا بين الأخلاقي والواقعي، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، من دون أن نأخذ الوقائع وموازين القوى في حسابنا. واعتبرنا أننا إذا اتخذنا الموقف الأخلاقي السليم وأخذتنا الحماسة والنخوة، فهذا يكفي للذهاب إلى الحرب، بمعناها المجازي أو الفعلي، من دون أن نملك الوسائل والعدّة الملائمة لكسبها فتقع الهزيمة، لأننا خضنا المعركة بناء لمشاعرنا وتمنياتنا، وليس بناء لوسائل وتقديرات علمية. وإذا وقعت الهزيمة خففنا من أهميتها أو أعدنا تسميتها إلى نكسة.
لا يعني هذا أن تخلو سياساتنا من القيم الإنسانية والأهداف التقدمية: الحرية، المساواة، العدالة الاجتماعية، العلمنة، الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية. لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب العقلانية، وحسابات الربح والخسارة، والمرونة التي تسمح لنا أن نعرف متى نُقدم ومتى نتراجع، والبقاء قيمة أيضاً. وبناء على هذه المعايير، علينا أن نحكم على جدوى المعارك والحروب التي نخوضها، بدل أن نكتفي بالتبريرات والشعارات الحماسية والأوهام.
المعيار الأخلاقي وحده لا يكفي، وهو ليس معياراً ميتافيزيقياً مجرّداً. المعيار الأهم هو الإنسان، فكلفة الأفعال البشرية والحضارية جزءٌ أساسي من الحكم الأخلاقي عليها. فإذا كانت كلفة الفعل دماراً واسعاً وخسائر بشرية كبيرة وانهياراً اقتصادياً وحضارياً، فإن هذا الفعل، مهما كانت عدالة قضيته، يفقد جزءاً كبيراً من أحقيته وقيمته الأخلاقية.
جاءت نتائج عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما تلاها من حربَي الإسناد في 2024 و2026 في لبنان، كارثية ومدمّرة بكل المقاييس: تمثّلت هذه الكارثة بالإبادة الجماعية في غزّة وعودة الاحتلال إليها، وبآلاف الشهداء والمصابين في لبنان وتدمير منهجي يمحو قرى بأكملها ويجعلها غير قابلة للسكن، فيما يعود الاحتلال إلى الجنوب بعد أن كان محرراً منذ عام 2000. لم يكن السلوك الإسرائيلي مفاجئاً لمن يعرف طبيعة هذا المشروع الاستيطاني الذي طرد شعباً من ارضه ولمن يعرف تاريخه المليء بالمجازر. إلا أنّ الوحشية التي بلغتها هذه الإبادة غير المسبوقة بدعم أميركي عسكري وسياسي واقتصادي سافر كشفت الوجه الحقيقي الإمبريالي بلا أقنعة.
لا تكفي أحقيّة القضية وحدها لتبرير الانزلاق إلى هذه الحروب بهذه الكلفة. والفكر الشمولي القائم على أيديولوجيا دينية مغلقة الذي يقود هذه المواجهة يتناقض جوهرياً مع قيام مجتمعات عصرية تستدل بدلالة المستقبل لا بدلالة الماضي، وتقوم على بناء الدولة الحديثة والديمقراطية والعلمانية والمساواة والتنمية الاقتصادية.
يلخّص ياسين الحافظ مشكلتنا ومأساتنا، حيث الحنين إلى التقليدي والماضي الذي يبتعد عنا أكثر فأكثر من جهة، واللهاث القاصر وراء المعاصر الذي يتخطانا ويسحقنا أكثر فأكثر من جهة أخرى، فنفقد التوازن وينفصم وعينا عن حاجاتنا. ففي وقت ينهار فيه العالم التقليدي وتذبل قيّمه البالية، لم نبنِ عوضا عنه مجتمعات حديثة متقدمة تواكب العصر، وتحمل إلينا قيمها وعقلانيتها وانتظامها لتلبي حاجاتنا العصرية.
يبدو الخيار واضحاً، أن نبقى أسرى الماضي وننتج السياسات نفسها التي أدّت إلى هزائمنا المتكرّرة، حيث “نبدأ من جديد وكأننا ولدنا اليوم، أشبه بفئران عاجزة عن اكتشاف أن المصيدة تصيد”. أو أن نعبر نحو المستقبل فننتهج سياسات عقلانية تقوم على حسابات موازين القوّة والربح والخسارة والجدوى وتلبي حاجاتنا الحديثة من بناء الدولة والاقتصاد إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.