ملخص.
يرفع اليمين المتطرف شعار حماية النساء والفتيات ليبرر العداء للمهاجرين والمسلمين، بينما تكشف ممارساته وخطابه عن عنصرية واضحة ونفاق عميق في التعامل مع العنف ضد المرأة. الحركات التي تدّعي الدفاع عن النساء تتجاهل جذور العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتحوّل قضايا الناجيات إلى أداة دعائية تخدم أجندة قومية معادية للنسوية.
تجنبت المرور في وسط لندن قدر المستطاع خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وما إن وصلت في النهاية إلى منطقة فيكتوريا لحضور مناسبة اجتماعية لا مفر منها، حتى تذكرت سريعاً سبب عدم رغبتي في الوجود هناك. رأيت ثلاث نساء ورجلاً وقد لفوا أعلام بريطانيا حول أكتافهم كما لو كانت أردية، وهم يرتشفون الشراب من علب معدنية ويضحكون. وبعد لحظات قليلة، صدمتني امرأة أخرى بقوة بكتفها بينما كنت أسرع الخطى في الشارع.
كان ذلك جزءاً من تداعيات مسيرة “اتحدوا من أجل المملكة” اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة التي نظمها ستيفن ياكسلي-لينون، المعروف أيضاً باسم تومي روبنسون. كنت أتحسب لهذا اليوم بقلق شديد منذ أُعلن عنه في الـ15 من يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد أشهر من تنظيمه مسيرة أخرى قيل إنها كانت أكبر احتجاج قومي منذ عقود. ولم يثِر غضبي شيء تقريباً بقدر مقاطع الفيديو التي خرجت من التظاهرة، وظهر فيها هو وضيوفه على المنصة يتحدثون عن “معركة بريطانيا”، بينما كانت تُوزع بين الحشود منشورات تتحدث عن ضمان “مستقبل للبيض”.
ولعل الحيلة الاستعراضية التي حظيت بأكبر قدر من الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلتني أتوقف طويلاً، كانت ظهور ثلاث نساء يرتدين النقاب، قبل أن يخلعنه على المسرح وسط هتافات “اخلعنه”، ليكشفن تحته عن شعر طويل وفساتين قصيرة. وما إن رأيت وجوههن حتى عرفت بالضبط إلى من أنظر: كان فريق التحرير في “فولر”، حيث أعمل، يحقق في أمرهن بالتعاون مع الصحافية ميغ كليمنت منذ فبراير (شباط) الماضي. إنهن جزء من جماعة يمينية متطرفة خطرة ومعادية للإسلام في فرنسا تدعى “كوليكتيف نيميسيس” Collectif Némésis.
وهن ينتمين إلى شريحة متنامية من اليمين المتطرف تستخدم خطاب “حماية” النساء والفتيات أو “إنقاذهن” مبرراً للكراهية والعنصرية. وتركز “نيميسيس” تحديداً على الزعم بأن سلامة النساء مرتبطة بالهجرة، وعلى الفكرة التي يسهل دحضها والقائلة إن الرجال الوحيدين الذين يؤذون النساء هم المهاجرون أو غير البيض. وقالت مؤسستها، أليس كوردييه، إنها استلهمت فكرة تأسيس المجموعة عام 2019 من “مقالة عن شابة تعرضت للاغتصاب في حديقتها على يد مهاجر”.
أما في المملكة المتحدة، فلدينا مجموعات “نسوية قومية” خاصة بنا مثل “مبادرة سلامة المرأة” التي تقول إن أهدافها تتمثل في “الكشف عن أخطار الهجرة غير المنضبطة [و] وضع النساء والفتيات أولاً”، ومجموعة “بينك ليديز” التي برز اسمها خلال العام الماضي من خلال الاحتجاج خارج فنادق المهاجرين، وهي تردد شعارات مثل “لا تأتمن يسارياً أبداً على أطفالك”، وتحمل لافتات تحريضية عن سلامة النساء.
لكن على رغم استمرار نمو هذه المجموعات، بدعم من مليارديرات مثل بيير-إدوار ستيرين، وسياسيين مثل روبرت لو، النائب السابق عن حزب المحافظين والمنضم إلى حزب “ريفورم” البريطاني، فإن تصدعات بدأت تظهر في الواجهة. فمن السهل الكشف عن زيف حيل استعراضية مثل تلك التي قدمتها “كوليكتيف نيميسيس”: فهؤلاء النساء لا يكترثن في الواقع بالنساء والفتيات المسلمات، ولا بما يرتدينه أو لا يرتدينه، بل إنهن عنصريات، ولا يشغلهن إلا مصير البيض ومستقبلهم.
بريطانيا تندد بتحريض ماسك اليمين المتطرف على حكومتهاوفي الوقت نفسه، يتفشى النفاق في المملكة المتحدة. فقد كشفت تقارير عن أن اثنين من كل خمسة ممن اعتقلوا أثناء أعمال الشغب “ذات الدوافع العنصرية” خلال صيف عام 2024 التي فجرتها جرائم قتل فتيات صغيرات داخل صف رقص في ساوثبورت، سبق أن وردت بحقهم بلاغات لدى الشرطة تتعلق بالعنف المنزلي. لقد ربط الباحثون منذ وقت طويل بين كراهية النساء والتطرف اليميني المتطرف، وهذه الصلة لم تختفِ، حتى إن باتت هذه الحركات تستخدم شعارات مختلفة وشبه نسوية في محاولة لتعزيز قاعدتها الجماهيرية. فسياسيو اليمين المتطرف وحركاته لا يدعمون حقوق المرأة.
وفي أغسطس (آب) من العام الماضي، أصدرت مجموعات نسائية بياناً حازماً دانت فيه حقيقة أن “النقاشات حول العنف ضد النساء والفتيات يجري اختطافها لمصلحة أجندة مناهضة للمهاجرين، تغذي الانقسام، وتلحق الضرر بالناجيات، وتعرقل في نهاية المطاف العمل الحقيقي المطلوب لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف المنتشر في المجتمع، بما يضر بالنساء والفتيات”.
وخلال مسيرة نهاية الأسبوع الماضي، واصل روبنسون الاتكاء على خطاب الأمان والحماية باسم النساء، فقال للحشد: “قبل عامين، كانت النساء لا يزلن خائفات جداً من الكلام”. لكن ما لا يصب في مصلحته أن نساء أخريات لا يخفن رفع أصواتهن أيضاً.
وأعرف أن النساء في حياتي، سواء الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو عنف يقع في الغالب داخل البيوت لا في الشوارع على يد “رجال مهاجرين”، أو المؤمنات بنسوية واسعة ومنفتحة، أو اللواتي ناضلن طويلاً وبقسوة إلى حد لا يقبلن معه أي تراجع، سيواصلن فضح العتمة المعادية للنسوية في قلب حركة اليمين المتطرف التي لا يمكن الدفاع عنها، إلى أن تتفسخ وتنهار.