لم يكن في بال أحد من مجرمي نظام الأسد أنّه سيأتي اليوم الذي يُحاسَبون فيه على جرائمهم، كانوا يعتقدون أنّهم أبديون، وأنّ من يعارضهم أو يقف في وجههم خاسر أبدي. لم يكن في بال هؤلاء أنّهم يمكن أن يعيشوا لحظات الذلّ التي يعيشونها اليوم، هم الذين اعتادوا إذلال الناس وأكل حقوقهم من دون رادع. وكذلك اليوم، ليس في بال أحد من المرتكبين المنضوين تحت نظام ما بعد الأسد، سواء من ارتكب الجرائم قبل سقوط الأسد أو بعد سقوطه، أنّه قد يقف في الموقع نفسه الذي يشغله مجرمو نظام الأسد اليوم. والحال إنّه لو لاحت فكرة المحاسبة في ذهن المجرم لأفسدت عليه جريمته. لا بدّ أن تكون هذه الفكرة بعيدة عن ذهن المجرم، إمّا بسبب طبيعة إجرامية في تكوينه النفسي تجعله مستغرقاً بالكامل في الجريمة، فلا يحسب لما بعدها، أو بسبب شعوره بالحماية الأكيدة بما يجعله قادراً على إفلات غرائزه باطمئنان، فلا يكتفي بارتكاب الجريمة، بل ويتفنّن في ارتكابها، ويتباهى بها، لأنّه يجد من يصفّق له. هكذا يضاف عندنا إلى التعريف العام للنظام السياسي، أنّه مصنع لإنتاج المجرمين.
أن تكون مجرماً مع النظام القائم يعني أن تكون محمياً، وإذا ما سقط “نظامك”، سوف تخسر الحماية، وعندئذ قد تجد المحاسبة طريقها إليك. الشعور بأبدية النظام السياسي المتحرّر من القيود المدنية ومن الرقابة الصحافية ومن سلطة قضائية مستقلّة ومحترمة، يغذّي لدى عناصر النظام الميل إلى الاستهتار بحقوق الناس إلى حدود إجرامية. هكذا هو التقليد السياسي الراسخ في بلداننا، حيث النظام السياسي كلّ شيء، هو الذات الوحيدة، وما يقع خارجه مجرّد مادّة للحكم وللاحتقار، فيمكن للنظام أن يجعل من المجرم بطلاً إذا أراد، أو يحاسبه كما يستحقّ إذا أراد، لا إرادة داخلية فوق إرادته ولا بموازاتها.
في تقليدنا الراسخ، لا وجود لإرادة مدنية فاعلة خارج الإرادة السياسية، وهكذا، فلا قيمة للتعريف “الموضوعي” للجريمة، نقصد التعريف المستقلّ عن الأهواء السياسية، والقيمة كلّها للتعريف السياسي المتبدّل للجريمة؛ ذلك أنّ كلّ نظام سياسي يعيد تعريف الجريمة، فيحاسب أو يعفو كما يناسبه ويحلو له. هذا تقليدنا السياسي شديد الرسوخ إلى حدّ أنّ مشهد محاسبة (وإذلال) مجرمين كانوا يظنّون أنهّم لا يُحاسَبون، لا يردع أصحاب الأمر عن سلوك الطريق الجرمي نفسه الذي سلكه أسلافهم. كلّ نظام يعيد سيرة سابقه. تقليد مستقرّ عابر للتقلّبات السياسية، تقليد ظلّ في منأى عن الاستهداف خلال ثورات “إسقاط النظام” العربية التي اضطرت، في أكثر من بلد، منها سورية، إلى قبول ما لا يُقبل في سبيل الخلاص من “النظام” الذي استخدم الجريمة للدفاع عن نفسه، لذلك استطاع نظام ما بعد “النظام” أن يعيد صناعة الواقع السياسي الرثّ، فيجعل من نفسه المرجع في تعريف الجريمة. الأمر الذي حرم المجتمع من إمكانية بناء آلية قضائية مستقلّة مضادّة للجريمة مبدئياً، وقادرة على فرض عدالتها، كما أفسح المجال لإفساد الوعي العام من خلال إقحامه في معادلة سياسية تقول بقبول جريمة من أجل محاسبة جريمة. نفتقد دائماً إلى موقع محاسبة يشغله قضاة مرجعيتهم الوحيدة هي العدالة، وتبقى المحاسبة عرضة للتلاعب لأنّها تبقى في أيدي مرتكبين غير نزيهين تحميهم القوة ويحميهم رأي عام لا يجد أمامه البديل الذي يمتلك القوة والنزاهة.
الثابت في بلداننا أنّ الأنظمة الأمنية العسكرية تغلق سبل التغيير السياسي السلمي، وتثابر، في الوقت نفسه، على إنتاج مزيد من الأسباب التي تستوجب التغيير، فيبقى العنف السبيل الوحيد، وهذا السبيل، إضافة إلى التكلفة الباهظة التي يسببها ذلك للبلاد، يقود إلى نشوء كيانات عسكرية مضادّة تشبه في علاقاتها الداخلية وفي ممارساتها الكيان الذي تصارعه. هذا أمر لا يمكن تلافيه، ذلك أنّ الالتزام بالمبادئ الإنسانية والقوانين الدولية من طرف واحد سيجعل هذا الطرف عرضةً للهزيمة العسكرية أمام الطرف المتوحّش الذي لا يلتزم بقانون أو بقيمة. على هذا، نصبح أمام صراع عسكري بين أطراف ترتكب الجرائم، وكلّ منها يجد تبريراً لجرائمه وقبولاً لدى جمهوره. وعلى اعتبار أنّه لا تصحّ المفاضلة بين مرتكبي الجرائم، ينتهي الأمر في مثل هذه الصراعات بأنّ انتصار أيّ طرف، يفضي إلى حكم “نخبة” من الطبيعة السياسية والنفسية ذاتها. وهكذا نبدأ برسم الدائرة نفسها من جديد.
الخطير أنّه في الصراعات العنيفة، ذات المحتوى الفكري السياسي الضامر، كالتي بلغتها بعض ثورات “إسقاط النظام” العربية، ومن ضمنها الثورة السورية، يسيطر مبدأ الهُويّة على حساب الفكرة التحرّرية، أكانت هُويّة عضوية سابقة على الصراع (طائفية أو دينية أو عرقية أو عشائرية … إلخ) أم هُويّة حزبية مستجدّة تتصلّب في الصراع، وتفقد معناها السياسي، وتلعب دور الهُويّات العضوية التي لا تستطيع أن ترى جريمتها وهي تشير إلى جرائم الخصم. في هذه الصراعات، يزداد الطلب على العناصر الأكثر عصبوية وعنفاً، ما يطرد العقلانية السياسية ويفتح سوقاً رائجاً لضيق الأفق الهُويّاتي الذي يهدّد مصير البلد كلّه، كما هو الحال في سورية اليوم، وفي أكثر من بلد عربي شهد موجة من هذه الثورات.
الأخطر أن ينجح الصراع العنيف في استقطاب النُّخبة العقلانية في المجتمع، وجعلها تفتح باباً لقبول جريمة ورفض أخرى، ما يجعل مكان العقلانية شاغراً أو ضعيفاً وعاجزاً عن مواجهة ميل العنفيين إلى نسف ركائز بناء دولة تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء. صحيح أنّه لا ينبغي مقاومة الاستبداد بالعنف، كما يقول عبد الرحمن الكواكبي، ولكن من الصعب تفادي الصراع العنيف في ظلّ أنظمة تغلق كلّ سبل التغيير السلمي، ولا يبقى، والحال هذه، من ضمان سوى أن تحافظ النُّخب العقلانية على توازنها، وتقوم بدورها في تطوير نشاط مدني يواجه التسلطية، وفي تغذية وعي عام رافض مبدئياً للجريمة ولانتهاك الحقوق.