سوزان موسى دره
سوريا المصدر / مجلةالف با
لم أستطع يوماً التمييز بين تحية كاريوكا، وسهير رمزي، ونجوى فؤاد فجميعهن كُنّ في نظر جدتي ” بنات حرام” ، وفي نظر أُمي، وخالاتي وعمتي ” مابيعرفوا العيب ” وفي نظر جدي ” بلا شرف ” ، وعلى لسان أخي الفاظ متتابعة كما يسمع على لسان أختي الكبيرة ثم أبي ” ما بتخاف الله” ” ما عندها أهل ” ” ماوراها رجال ”
خلال سنوات الصبا تنوّعت الأذواق في بيتنا ما بين الأفلام المصرية، والأجنبية، والمسلسلات البدوية، و البرامج الفنية على قناة LBC، وصرتُ في حيرة من أمري، تنتقل بصيرتي بين وشائج بمختلف الأشكال والألوان والأحجام ، وفي النهاية أرغمتني المراهقة على الفصل بين راقصات مصر، و كل فنانة لبنانية بالألوان، وكل عاشقة بدوية نالت شرف الزواج من ابن شيخ القبيلة.
بعد سنوات بدأت عائلتي تفقد الإحساس بالدهشة شيئاً فشيئاً، وأَمّا أنا فكنت أحرص على بقائها إلى جانبي، وأسعى لإثارة الدهشة من حولي بشكلٍ دائم.
كنتُ أُمسك طرف الستارة بيد وأرفع يدي الأخرى، وأقطع الغرفة ذهاباً، وإياباً، وأطلب من شقيقاتي وأخي الصغير أن يصفقوا لكن دون جدوى، فأنحني أمام زجاج النافذة، و أعاين تصفيق أوراق الكرمة، وتموجات رؤوس نباتات الخرفيش الشوكية خلف سياج الدار. فأفرح وأشعر برضىً كبير.
-” انشاء لله بتوقعي ع راسك متل الرقّاصات”
توقفتُ فجأةً، و أسرعت لإطفاء التلفاز لكني نسيتُ طرفَ الستارة ملفوفاً على إصبعي، فتمزقت من أعلى السيخ الذي كانت معلقة به، وسقطّتُ أرضاً، وانتشرت موهبتي على السجادة، فأمسكتُ راسي: ” آآآآخ، يا رااااسي ”
مرت سنوات، و أنا اأراقب الستارة، وهي مزمومة من منتصفها بشريطٍ أزرق، وأتخيلها امرأة مشنوقة من شعرها الطويل بتهمة الرقص الشرقي، وأضحك، وأضحك حتى سقطتْ من تلقاء نفسها، و لم أَعُد أُدَلّل الشبابيك بالدانتيل المستورد، وكشاكش الفساتين القديمة.
منذ أعوام قليلة لم يبقَّ في سورية كلها سِرّاً مغطى ولا ستراً مغطى. ولكن لم يكن باليد حيلة، ولا بالخصر، فعاقبت الشبابيك وتركتها عارية بدون ستائر. لكن لا علاقة للرقص والراقصات بموقفي، بل لكل الخيوط الوطنية الوهمية التي صاغت من حقوق الشعب السوري ستائر للأتباع، وجعلتني أتساءل إن كان وراءها أولاد حرام أم بنات حرام، أم شخصيات بصدور منفوخة، أو كروش متهدلة، أو قرارات كانت دلالاتها خريطة راقصة؟
وعندما لم أجد إجابة مُقنِعة صار قلمي ينبح أحياناً ثم يرقص أحياناً أخرى كالديك المذبوح من طعناتٍ مختلفة الوقع، والموقع يميناً، ويساراً، فلا هو توقف، ولا أعارتني الحياة وشاحاً مختلف الهوية لأعرف كيف أرقص في ملاعب حياتي حتى أدركت أن انتحار ستارتي لم يكن إلّا جزء من انتحار مئات الرغبات البسيطة في سورية خلف نوافذ الكذب الوطني المدروس.