شهدت الانتخابات الأخيرة انتقال السلطة في المجر من حزب “فيدس” بقيادة فيكتور أوربان إلى بيتر ماغيار وحزبه “تيسا”، منهيةً مرحلة امتدّت لأكثر من 16 عاماً، بنَت خلالها القوّة الحاكمة المؤسّسات السياسيّة والإعلاميّة والاقتصاديّة للدولة بالطريقة التي تريدها.
تقول مؤشّرات كثيرة إنّ هذا التغيير سيفتح أبواب مرحلة مراجعة لا تقتصر على الداخل، بل تمتدّ إلى موقع البلاد داخل أوروبا، وحدود قدرتها على تصحيح مسار علاقاتها وتحالفاتها في بيئة دوليّة شديدة التعقيد والتوتّر.
استقرار أم لايقين؟
في هذا السياق، لا يبدو التحوّل المرتقب في مرحلة ما بعد أوربان امتداداً لتحوّلات سابقة في التاريخ السياسيّ الحديث للمجر وحسب، بل يفتح نقاشاً جديداً في إعادة إدماج الدولة في أوروبا، على أساس مراجعة شروط هذا الاندماج نفسه.
تطرح التجربة المجريّة أسئلة تتجاوز الداخل السياسيّ إلى موقع الدولة داخل النظام الأوروبيّ: هل يعكس التغيير رفضاً لنموذج حكم امتدّ لسنوات طويلة أم نتاج إعادة اصطفاف أوسع أعاد تشكيل المزاج السياسيّ والانتخابيّ؟ وهل يمثّل ما يجري بداية استقرار جديد أم مدخلاً إلى دورة من عدم اليقين السياسيّ داخل بيئة أوروبيّة متغيّرة؟
يمكن قراءة التحوّل السياسيّ الأخير في المجر باعتباره نقطة مراجعة لمعادلة رباعيّة الأبعاد:
- البعد الأوّل داخليّ يتعلّق بإرهاق النموذج السياسيّ الممتدّ بسبب تراكم التحدّيات الحزبيّة والاجتماعيّة وتحوّلها تدريجاً إلى عامل سياسيّ ضاغط يعيد تشكيل المزاج العامّ حتّى داخل القواعد التقليديّة للحكم.
- البعد الثاني أوروبيّ يرتبط بطبيعة العلاقة بين بودابست ومؤسّسات الاتّحاد الأوروبيّ بعدما تحوّلت ملفّات مثل سيادة القانون، استقلال القضاء، وسياسات الهجرة إلى نقاط احتكاك مزمنة أنتجت عزلة نسبيّة داخل المنظومة الأوروبيّة على الرغم من استمرار العضويّة.
- البعد الثالث هو جيوسياسيّ يتمثّل في موقع المجر داخل التنافس بين الولايات المتّحدة وروسيا، وفي علاقتها المعقّدة مع ملفّات حسّاسة مثل الحرب في أوكرانيا، سياسات الطاقة، والعلاقة مع إسرائيل وتركيا ضمن السياق الأوروبيّ الأوسع.
- البعد الرابع اقتصاديّ يتعلّق بتوازن هشّ بين التمويل الأوروبيّ والاستثمارات الغربيّة، فتحوّلت العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في ظلّ تصاعد الخلافات مع بروكسل إلى أداة ضغط متبادَل بحيث يصعب الفصل بينهما.
- لم يكن هذا البعد منفصلاً عن التحوّل السياسيّ، إذ لعبت المحدّدات الاقتصاديّة دوراً مؤثّراً في إعادة تشكيل سلوك الناخب، في ظلّ تباطؤ اقتصاديّ وتزايد الضغوط المعيشيّة، بالتوازي مع تصاعد الاتّهامات بترسّخ شبكات فساد مرتبطة بالسلطة. وهو ما دفع قطاعات واسعة، وخصوصاً في المدن وبين فئة الشباب، إلى التعامل مع الانتخابات بوصفها فرصة أبعد من أن تكون استحقاقاً تقليديّاً.
من هنا يأتي التحوّل السياسيّ في المجر ضمن سياق دوليّ شديد التوتّر يتّسم بحرب أوكرانيا وتصاعد الاستقطاب داخل أوروبا، وهذا ما يمنح تطوّرات المشهد في بودابست بعداً يتجاوز الداخل ويصبح جزءاً من اختبار أوسع لموقع الدول المتوسّطة داخل التوازنات الدوليّة.
جاء هذا التحوّل خلال 16 عاماً من حكم أوربان نتيجة تراكم نموذج سياسيّ قائم على التوفيق بين تناقضات تجمّع الاتّحاد الأوروبيّ من جهة، والانفتاح الانتقائيّ على روسيا والولايات المتّحدة وإسرائيل وتركيا من جهة أخرى، فأصبحت خيارات المجر حالة استثنائيّة داخل المنظومتين الغربيّة والشرق الأوسطيّة، أكثر من كونها جزءاً من التكتّل الأوروبيّ.
إعادة صياغة وظيفة الدّولة
لا يمكن قراءة التحوّل الداخليّ مع “ماغيار” بمعزل عن تراكمات أنتجها نموذج الحكم الأوربانيّ نفسه، إذ بدأت قطاعات من الناخبين، بما في ذلك داخل القاعدة المحافظة، تنظر إلى الاستقرار بوصفه أقرب إلى جمود سياسيّ وإداريّ. لا يمكن أيضاً تجاهل حقيقة أنّ العلاقة المتوتّرة مع الاتّحاد الأوروبيّ ساهمت في إعادة تشكيل هذا المزاج، مع تزايد القناعة بأنّ كلفة الصدام مع بروكسل أصبحت أعلى من عوائده.
ستضع المرحلة المقبلة مع سلطة سياسيّة جديدة المجر أمام معادلة دقيقة: إمّا الانتقال نحو اندماج أعمق داخل الإطار الأوروبيّ مع تقليص هامش المناورة الجيوسياسيّة، أو محاولة الحفاظ على قدر من الاستقلاليّة السياسيّة لكن ضمن شروط أكثر صرامة وكلفة أعلى.
قدّم صعود “ماغيار” من داخل بنية النظام التغيير خياراً “تعديليّاً” لا قطيعة، فسهُل انتقال شرائح واسعة نحو خيار أقلّ صداميّة. بالتالي أيّ مرحلة بعد “أوربان”، سواء كانت استمراراً أو قطيعة، ستُقاس بدرجة القدرة على إعادة فصل متطلّبات الواقع الجديد عن الاستقطاب السياسيّ، أو على الأقلّ إعادة ضبط العلاقة بينهما ضمن حدود قابلة للاستمرار داخل المجموعة الأوروبيّة.
هنا يكمن التحدّي الحقيقيّ: هل تستطيع القيادة الجديدة تفكيك إرث أوربان دون تفكيك أدوات الدولة التي بُنيت خلال حكمه أم ينتهي “التغيير” بإعادة إنتاج البنية نفسها لكن بخطاب سياسيّ مختلف؟
لم تغادر المجر الإطار الأوروبيّ، واتّسمت السياسة الخارجيّة لأوربان بنهج براغماتيّ قائم على تنويع الشراكات، مع السعي إلى توسيع رقعة استقلالها السياسيّ، فباتت نموذجاً هجيناً داخل الاتّحاد الأوروبيّ.
لم يكن سلوك أوربان “تمرّداً أوروبيّاً” فقط، بل إدارة دقيقة لتوازنات متعدّدة جعلت المجر تُصنَّف بين دولة “معطِّلة داخل الاتّحاد” و”نموذج سيادة مرنة”. إلّا أنّ تصاعد الاستقطاب الدوليّ، وخاصّة بعد الحرب في أوكرانيا، قلّص من قابليّة استمرار هذا النموذج، وجعل كلفة “التحوّط الاستراتيجيّ” أعلى من السابق.
ليس الحكم الجديد أمام خيار أيديولوجيّ بقدر ما هو أمام معادلة مؤسّسيّة دقيقة: إعادة بناء التوازن بين الشرعيّة الانتخابيّة ومتطلّبات الإدارة الفعليّة للدولة داخل بيئة أوروبيّة لا تمنح هوامش واسعة للتحدّي أو الصدام.
لا يمكن فهم مستقبل المجر بعد الآن إلّا بوصفه نتيجة لتفاعل ثلاث قوى: تماسك القيادة السياسيّة، ضغط الاتّحاد الأوروبيّ، والقدرة على التعامل مع الصدمات الخارجيّة المقبلة.
في ضوء هذا التحوّل، لا تبدو المجر أمام تغيير حكومي تقليديّ، بل أمام لحظة إعادة تعريف لوظيفتها داخل أوروبا. تُختزل المعادلة المقبلة في خيارين واضحين: إمّا التوجّه نحو اندماج أعمق داخل الإطار الأوروبيّ، بما يحمله ذلك من تقليص لهامش المناورة السياسيّة، أو الحفاظ على قدر من الاستقلاليّة، لكن بكلفة اقتصاديّة وسياسيّة أعلى. وبين هذين المسارين، لن يكون التحدّي في اختيار الاتّجاه بقدر ما سيكون في تحمّل كلفته.
“مرحلة ما بعد أوربان”، سواء ترسّخت أو تآكلت، لن تكون تصحيحاً لمسار سياسيّ وحسب، بل إعادة صياغة لوظيفة الدولة المجريّة نفسها داخل أوروبا وفي النظام الدوليّ الأوسع.
