في التجربة السياسية القائمة في شمال وشرق سوريا، يلفت الانتباه الحضور الكثيف لمفردة “الديمقراطية” في البنية التنظيمية والخطاب السياسي: الأمة الديمقراطية، حركة المجتمع الديمقراطي، حزب الاتحاد الديمقراطي، مجلس سوريا الديمقراطية، قوات سوريا الديمقراطية، الإدارة الذاتية الديمقراطية، مجلس الشعوب الديمقراطي، الإسلام الديمقراطي، وصولًا إلى ما سُمّي مؤخرًا بـ “الاندماج الديمقراطي”.
هذا التراكم في التسميات يشي برغبة واضحة في إضفاء شرعية معيارية على التجربة، غير أنّ كثافة المفردة في الخطاب لا تعني بالضرورة تجذّرها في الممارسة السياسية اليومية أو في أنماط الحكم وإدارة المجتمع.
تتجلّى إحدى مفارقات هذه التجربة في اللجوء إلى إجراءات استثنائية، كفرض حظر التجوّل في مدينتي الحسكة والقامشلي بالتزامن مع دخول القوات الحكومية لتنفيذ ما وُصف باتفاق “الاندماج الديمقراطي”. مثل هذه الإجراءات، بغضّ النظر عن مبرراتها الأمنية أو السياسية، تطرح أسئلة جوهرية حول حدود التوفيق بين متطلبات الأمن من جهة، ومبادئ الحرية العامة وحقّ المواطنين في التعبير والحركة من جهة أخرى. فالمواطن، أيًّا كان انتماؤه القومي أو الديني، وجد نفسه خارج معادلة القرار، ومتلقّيًا لإجراء يمسّ حياته اليومية مباشرة دون نقاش عام أو شفافية كافية.
بعد أكثر من عقد من الزمن على إدارة هذه المنظومة للمشهد السياسي والعسكري والخدماتي في المنطقة، تبدو حصيلة الإقناع خارج إطار القاعدة المؤيدة لها محدودة. فالتجربة لم تنجح في التحوّل إلى نموذج جامع قادر على استقطاب طيف أوسع من المجتمع المحلي أو تقديم صيغة حكم يمكن تسويقها وطنيًا بوصفها بديلًا مستقرًا ومستدامًا. وفي هذا السياق، يبرز غياب المراجعات النقدية العلنية بوصفه إشكالية بنيوية؛ إذ نادرًا ما سُجّلت اعترافات مؤسسية بالإخفاق أو محاولات جادة لإعادة تقييم المسار السياسي والإداري المتّبع.
في المقابل، يستمر جزء من الخطاب النخبوي المرتبط بهذه التجربة في توصيف التطورات باعتبارها “انتصارات”، وهو توصيف يصطدم بقراءة اجتماعية مغايرة ترى في القيود المفروضة على الحريات العامة مؤشرًا على أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة المحلية والمجتمع. هنا يبرز التناقض بين خطاب النجاح السياسي وبين شعور قطاعات من السكان بتراجع مساحة المشاركة والقدرة على التأثير في القرارات المصيرية.
من حيث المبدأ، لا يمكن مقاربة أي تسوية سياسية أو اتفاق يهدف إلى خفض منسوب العنف وحقن الدماء بمنطق الرفض المطلق. فالاندماج أو التسويات المرحلية قد تشكّل، في ظروف معيّنة، مدخلًا ضروريًا للاستقرار النسبي. غير أنّ الإشكال يكمن في الإطار الأيديولوجي الذي تُدار من خلاله هذه الخيارات، والذي ما يزال يستند إلى مرجعيات فكرية مغلقة نسبيًا، لا تنفتح بالقدر الكافي على تعقيدات المجتمع السوري وتعدديته التاريخية والثقافية والسياسية.
خلاصة المشهد تشير إلى فجوة متزايدة بين الخطاب المعلن حول “الديمقراطية” بوصفها مشروعًا تحرّريًا، وبين الممارسة الواقعية التي تُنتج أشكالًا من الضبط والسيطرة باسم الاستقرار أو الضرورات الأمنية. ومن هنا، تبدو الحاجة ماسّة إلى مراجعة شاملة لبنية هذه التجربة وخطابها ومؤسساتها، وإلى الانتقال من منطق التعبئة الأيديولوجية إلى منطق السياسة الواقعية القائمة على الشراكة المجتمعية، والمساءلة، وتوسيع دائرة التمثيل، وبناء مشروع وطني جامع لا يُدار بعقيدة مغلقة ولا يبرّر التضييق باسم الديمقراطية.