ملخص
يرى الكاتب أن الوساطة الباكستانية التي أسهمت في وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كشفت عن تحول أعمق في النظام الدولي، إذ لم تعد المكانة الجيوسياسية حكراً على القوى الكبرى التقليدية. فمع تراجع فاعلية المؤسسات الدولية وعجز القوى الكبرى عن إنهاء النزاعات، برزت دول مثل باكستان وقطر وتركيا ومصر بوصفها وسطاء قادرين على التواصل مع جميع الأطراف المتخاصمة. ويخلص الكاتب إلى أن واشنطن قد تحتاج إلى إعادة النظر في اعتمادها الحصري على الحلفاء التقليديين، وبناء علاقات أوسع مع دول لا تنتمي بالضرورة إلى دائرة الشركاء المعتادة.
في السابع من أبريل (نيسان) الماضي، ومع اقتراب انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران لفتح مضيق هرمز أو مواجهة ما وصفه بـ”تدمير حضارة بأكملها”، أجرى قائد الجيش الباكستاني – وهي أقوى مؤسسة في البلاد – المشير عاصم منير اتصالاً هاتفياً ساعد في تجنب الكارثة. فقد ضغط على ترمب وعلى القيادة الإيرانية التي نجت من الحرب من أجل وقف القتال.
وخلال ساعات فحسب، أعلنت واشنطن وطهران التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ووجه ترمب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الشكر علناً إلى منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. وبعد أيام، عقد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس محادثات استمرت أكثر من 20 ساعة مع مفاوضين إيرانيين في إسلام آباد، في أعلى مستوى من التواصل المباشر بين الطرفين منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
ولا يزال مستقبل وقف إطلاق النار والهدنة اللاحقة وخطط التسوية الأوسع محاطاً بالشكوك، لكن الوساطة الباكستانية تمثل تطوراً استثنائياً في حد ذاته. فعلى امتداد العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ارتبط النفوذ الجيوسياسي بمجموعة من المعايير الواضحة، أبرزها مكانة الدولة كقوة كبرى، وثقلها الاقتصادي، وسجلها الليبرالي، وقدرتها على جمع قوى كبرى أخرى حول طاولة واحدة. ولم تستوف باكستان هذه المعايير في أي مرحلة من تاريخها. فهي دولة نووية تقع على هامش المنظومة الغربية، وارتبط اسمها أكثر بالتقلبات الإقليمية من جهود تسوية النزاعات، كذلك فإن اقتصادها محدود ولم تعرف بوصفها نموذجاً للديمقراطية الليبرالية.
ومع ذلك، تمكنت خلال أخطر أزمة شهدها الشرق الأوسط منذ جيل كامل من تحقيق ما أخفقت فيه الصين وفرنسا وألمانيا والهند وبريطانيا وغيرها من القوى الثقيلة.
تعكس تجربة باكستان تحولاً أوسع في السياسة الدولية، فالنظام العالمي المضطرب الذي تشكله المنافسة متعددة الأقطاب بدأ يكافئ نوعاً جديداً من الدول لا يمتلك المقومات التقليدية للقوة. ومع عجز الأمم المتحدة والمؤسسات المتعددة الأطراف عن احتواء النزاعات المعاصرة، برزت دول مثل باكستان وقطر وتركيا لسد الفراغ عبر ممارسة دبلوماسية هدفها تثبيت الاستقرار. وقد سمحت لها قدرتها على بناء الثقة بين المعسكرات المتنافسة وفتح قنوات التواصل بين الخصوم بالتوسط في إطلاق رهائن وسجناء، وفتح ممرات تجارية، وإطلاق حوارات سياسية مؤثرة تسهم في منع الأزمات من الخروج عن السيطرة. وخلال العقد المقبل قد تتحول هذه الدول إلى أصول جيوسياسية لا غنى عنها.
لكن ليس كل هذه الدول ستجتاز الاختبارات التي تعتمدها الولايات المتحدة عادة لتحديد شركائها، مثل السجل الديمقراطي، والحكم الليبرالي، أو الابتعاد السياسي عن الصين. وقد ترى واشنطن أنها ينبغي أن تعتمد فقط على حلفائها وشركائها التقليديين الذين يتشاركون معها القيم والأهداف الاستراتيجية في منافستها مع بكين، لكن إذا أرادت الولايات المتحدة تجنب الانتظام في نزاعات مكلفة حول العالم، فقد لا يكون أمامها خيار سوى بناء علاقات أوثق مع قوى الاستقرار الجديدة.
وساطة في لحظة حاسمة
في ولايته الثانية، تخلى ترمب إلى حد كبير عن كثير من تقاليد الدبلوماسية الأميركية القائمة على التحالفات والمؤسسات الدولية وتعزيز القيم الليبرالية في الخارج، لكن حتى قبل عودته إلى البيت الأبيض كانت حدود الأدوات الدبلوماسية التقليدية قد أصبحت واضحة، فالأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها للتأثير في الشركاء وإجبار الخصوم على تغيير سلوكهم، مثل العقوبات الاقتصادية، والتحالفات العسكرية، والمساعدات الأمنية، والقمم السياسية الدولية، والاحتكام إلى القانون الدولي، كلها أخفقت في إنهاء حروب العصر الحالي.
ولم تنجح العقوبات الغربية غير المسبوقة ولا مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية في إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية، وتجاهلت إسرائيل و”حماس” مراراً جولات متتالية من الضغوط الأميركية وجهود مجلس الأمن الدولي، مما أطال أمد الحرب في غزة لما يقارب ثلاثة أعوام. كذلك عجزت التحالفات البحرية الغربية عن وقف هجمات الحوثيين الصاروخية على السفن العابرة للبحر الأحمر، مما أدى إلى اضطراب حركة التجارة عبر أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
وكانت الحرب في إيران أحدث دليل على فشل القوى الكبرى في وضع حد للنزاعات. فالدول الأوروبية، على رغم الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها بسبب إغلاق إيران مضيق هرمز، لم تقدم ما هو أكثر من بيانات تعبر عن القلق. أما الصين، التي توسطت في المصالحة السعودية – الإيرانية عام 2023 وروجت طويلاً لنفوذها الاقتصادي والعسكري في الشرق الأوسط، فقد بقيت على الهامش. وحتى الهند، التي تفاخر بسياسة خارجية تقوم على تعدد الشراكات، أحجمت عن أداء أي دور مؤثر.
ومن هذا الفراغ تحديداً، برزت باكستان.
امتلكت إسلام آباد مجموعة من المقومات التي تزداد قيمتها في عالم اليوم، وجعلتها وسيطاً فعالاً بين طهران وواشنطن، على رغم أنها ليست حليفاً تعاقدياً لأي منهما ولا خصماً مباشراً لهما.
أول هذه المقومات قدرتها على الحفاظ على علاقات مؤثرة عبر خطوط الانقسام التي تعجز القوى التقليدية غالباً عن تجاوزها. فباكستان تحتفظ بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الصين، وفي الوقت نفسه سعت باستمرار إلى تطوير علاقتها مع الولايات المتحدة، حتى عندما أحجمت واشنطن عن ذلك مراعاة لعلاقاتها مع الهند. وترتبط إسلام آباد بتحالف وثيق مع السعودية، لكنها ترتبط أيضاً بإيران بروابط الجغرافيا والجوار والانتماء الديني. وقد منحها هذا الموقع المتداخل أهمية خاصة لدى كل من واشنطن وطهران عندما احتاج الطرفان إلى وسيط يستطيع كل منهما قبوله.
كانت الحرب في إيران أحدث دليل على عجز القوى الكبرى عن إنهاء النزاعات
وامتلكت إسلام آباد ورقة ضغط فعلية وموثوقة. فمعاهدة الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية تعني أنه لو تصاعدت الحرب الإيرانية واتسع نطاقها، لكان بإمكان إسلام آباد التدخل دفاعاً عن الرياض. وكان من شأن دخول باكستان على خط المواجهة أن يدفع دولاً أخرى ذات غالبية مسلمة، فضلت في معظمها التريث أو التحوط في التعامل مع الهجمات الإيرانية، إلى الانتظام الكامل في الحرب. وكان هذا الاحتمال، أكثر من الضربات الأميركية والإسرائيلية نفسها، كفيلاً بتهديد بقاء النظام الإيراني ومكانة إيران الإقليمية، لأن طهران كانت ستجد نفسها معزولة عن محيطها الإسلامي.
غير أن النفوذ والعلاقات المرنة لا يكفيان وحدهما. فهما يحتاجان إلى قادة مستعدين لتحمل الأخطار السياسية المترتبة على استخدامهما. إذ يراهن القادة على رصيدهم الشخصي وصدقيتهم عندما يخوضون وساطات من هذا النوع، وقد يدفعون ثمناً سياسياً داخلياً أو يتكبدون خسائر في علاقاتهم الخارجية إذا أخفقت جهودهم. ولهذا يتردد كثير من قادة القوى التقليدية، المقيدين بهياكل وزارات الخارجية وبيروقراطيتها، في خوض مثل هذه المغامرات الدبلوماسية. أما القيادة الباكستانية فكانت مختلفة. فقد كان عاصم منير مستعداً لإنفاق جزء من رأسماله السياسي على فرصة دبلوماسية غير مضمونة، انطلاقاً من اعتقاده أن ترمب لا يزال منفتحاً على التفاوض لإنهاء الأعمال العدائية في المنطقة.
ولم تكن باكستان، خلال معظم العقدين الماضيين، في موقع يسمح لها بأداء مثل هذا الدور. فمشاركتها في الحرب الأميركية على الإرهاب ظلت مصدر توتر دائم مع واشنطن، ثم ازدادت العلاقات تراجعاً بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021. وعندما تولى منير قيادة الجيش عام 2022، وهو المنصب الذي جعله عملياً الشخصية الأقوى في البلاد، كان كثير من المحللين يرون أن باكستان دخلت مرحلة انحدار يصعب وقفها. فالعلاقة مع الولايات المتحدة لم تتعاف بعد، والساحة السياسية كانت تعيش اضطراباً مستمراً، والاقتصاد يقترب من حافة التعثر، فيما كانت البلاد تواجه تمرداً متنامياً تدعمه حركة “طالبان” الحاكمة في أفغانستان.
لكن منير نجح في رسم مسار مختلف، ولا سيما على صعيد السياسة الخارجية. فقد أعاد بناء العلاقة مع واشنطن، وشكلت الحرب مع الهند في مايو (أيار) 2025 نقطة تحول في هذا المسار. فقد تمكنت باكستان من الصمود في مواجهة خصم أكبر منها بكثير والرد عليه، وهو ما أكسب منير تقدير ترمب، وأتاح له إقامة علاقة شخصية أكثر دفئاً من تلك التي ربطت أي قائد باكستاني برئيس أميركي خلال جيل كامل. كما وقع اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية وعمل على تعزيز قنوات التواصل الدبلوماسي مع إيران، مما رفع من مكانة إسلام آباد الإقليمية ووسع هامش حركتها.
توسيع دائرة العلاقات
ليست باكستان الدولة غير التقليدية الوحيدة التي تمارس هذا النوع من الدبلوماسية الهادفة إلى تثبيت الاستقرار. فقطر، التي تستضيف في الوقت نفسه المكتب السياسي لحركة “حماس” وأكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، أدت دور الوسيط في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وترتيبات تبادل الرهائن والأسرى بين إسرائيل والحركة.
وفي النزاع نفسه، استغلت مصر سيطرتها على معبر رفح، المنفذ الرئيس لدخول المساعدات وخروج اللاجئين من قطاع غزة، للضغط على الطرفين من أجل التوصل إلى اتفاق.
أما تركيا فاستفادت من علاقاتها مع واشنطن و”حماس”، ومن نفوذها في العالم الإسلامي، للمساهمة في صياغة تفاهمات الهدنة في غزة. وقبل ذلك استخدمت قدرتها النادرة على التواصل مع موسكو وكييف معاً لاستضافة المفاوضات التي جمعت روسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة وأطرافاً أخرى، والتي أفضت إلى اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود وأسهمت في تجنب أزمة غذاء عالمية.
كذلك فإن تراجع هجمات الحوثيين على السفن العابرة للبحر الأحمر جاء نتيجة جهود دبلوماسية هادئة قادتها السعودية وسلطنة عمان.
ولا تستطيع الولايات المتحدة تجاهل هذا التحول. فلأعوام طويلة ارتكزت السياسة الخارجية الأميركية على شبكة من الحلفاء والشركاء التقليديين: أعضاء حلف شمال الأطلسي، والحلفاء المرتبطين بمعاهدات في آسيا، وعدد محدود من القوى الإقليمية الرئيسة. وقد خدم هذا النموذج القائم على التحالفات والقيم المشتركة الولايات المتحدة بفاعلية خلال الحرب الباردة والعقود التي أعقبتها، عندما كان النظام الدولي أكثر استقراراً وكانت النزاعات تبقى في الغالب ضمن حدودها المحلية.
وطوال تلك المرحلة، تعاونت واشنطن مع دول خارج دائرتها التقليدية، لكنها غالباً ما تعاملت مع هذه العلاقات باعتبارها استثنائية وموقتة وذات طابع مصلحي، وليست بديلاً من تحالفاتها الأساسية. وحتى اليوم قد تميل الإدارة الأميركية إلى النظر إلى الدور الباكستاني في التوصل إلى وقف إطلاق النار مع إيران بوصفه حادثة مفيدة، لكنها ثانوية، لا سيما إذا انهارت الهدنة بالكامل في نهاية المطاف.
غير أن التجارب المكلفة التي مرت بها إدارتا جو بايدن ودونالد ترمب أظهرت أن النزاعات الحديثة لا يمكن احتواؤها خلف الحدود. فالاستراتيجيات القائمة على التحالفات، التي تفترض أن تجميع الوزن العسكري والاقتصادي لعدد كبير من الدول كفيل بردع الخصوم أو هزيمتهم عند الضرورة، أثبتت عدم قدرتها على منع الحروب أو إنهائها في أوكرانيا وغزة وإيران. وفي عالم مضطرب كهذا، يصبح التمسك بنهج جامد نقطة ضعف لا عنصر قوة. فإيجاد مساحات للاستقرار يتطلب مرونة من النوع الذي تمارسه باكستان والدول المشابهة لها.
ولكي تعزز الولايات المتحدة علاقاتها مع هذه الدول الوسيطة، عليها أن تظهر الدرجة نفسها من الاستعداد لتجاوز الانقسامات التي أظهرتها تلك الدول. فحتى عام 2024 كان هناك شبه إجماع في واشنطن على أن الحاجة إلى علاقات استراتيجية قوية مع الهند لموازنة نفوذ الصين تقتضي تهميش باكستان، لكن ترمب خالف هذا المنطق وأبدى اهتماماً شخصياً بالعلاقة مع إسلام آباد، وعندما اندلعت الأزمة أثبت هذا الخيار أهميته.
وقد يحمل ذلك درساً مهماً للمستقبل. فإذا كان العقد الماضي دليلاً يمكن الاسترشاد به، فإن الرؤساء الأميركيين المقبلين سيحتاجون هم أيضاً إلى قدر أكبر من المرونة في التعامل مع الأزمات الجديدة والممتدة. فالأمن الأوروبي لا يزال بعيداً من الاستقرار الكامل، والبحر الأحمر ما زال يمثل نقطة اختناق [مضيقاً ضيقاً] استراتيجية هشة. وحتى في أفضل السيناريوهات الممكنة سيبقى الوضع في إيران ومنطقة الخليج عرضة للتقلبات.
لذلك فإن امتلاك شبكة واسعة من العلاقات مع دول وسيطة لا تنطبق عليها التصنيفات التقليدية للأصدقاء والخصوم سيساعد الولايات المتحدة على التعامل مع هذه التحديات. ولا يعني ذلك الاستغناء عن الحلفاء والشركاء بالمعنى التقليدي، بل إن الحفاظ على قدر من الاستقرار الدولي سيتطلب أيضاً التعاون مع دول تقع خارج هذه الدائرة.
أسفنديار مير هو زميل بارز لشؤون جنوب آسيا في “مركز ستيمسون”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 20 يوليو (تموز) 2026.
