مع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة عقب سقوط النظام، تبرز تساؤلات حول مستقبل القوى والتنظيمات السياسية ودورها في المرحلة المقبلة. ومن بين هذه القوى، تواجه جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نقاشاً متزايداً بشأن مستقبل وجودها التنظيمي، في ظل دعوات تطالبها بحل الجماعة وإنهاء نشاطها بصيغته الحالية.
لكن الجماعة اختارت اتجاهاً مختلفاً، إذ جاء موقف مجلس الشورى الجماعة أمس الأحد 27 أيلول ليؤكد استمرارها وتمسكها بهويتها التنظيمية وخطابها السياسي، مع التشديد على استقلال قرارها ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية والحوار مع مختلف القوى السورية.
وبين دعوات تطالب بإنهاء الإطار التنظيمي للجماعة، وقرارها المعلن بالاستمرار، تبدو المسألة أبعد من خلاف حول البقاء أو الحل؛ فهي تتصل بموقع الجماعة في سوريا الجديدة، والحدود التي يمكن أن يتحرك ضمنها هذا الدور في المرحلة المقبلة. فما الذي يدفع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى التمسك بوجودها؟ وما الذي يعنيه هذا القرار لمستقبلها السياسي؟
شعور الجماعة بالتهميش
يبدو أن قرار جماعة الإخوان المسلمين في سوريا الحفاظ على وجودها التنظيمي والسياسي يرتبط، إلى جانب حسابات المرحلة الانتقالية، بشعورها بالتهميش بعد عقود من النضال والتجربة السياسية، وبحاجتها إلى ضمان موقع لها في المشهد السوري المقبل.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج “أن ما جعل الجماعة تتخذ قراراً بعدم الحل هو أنها شعرت أنها تتعرض لللتهميش بعد عقود من النضال والكفاح والتجربة السياسية، كما أن الجماعة لا تبدو واثقة من مآلات الأمور، لهذا السبب ربما قررت الاستمرار”.
ويضيف الحاج لموقع تلفزيون سوريا: “لكن قرار الجماعة بالحفاظ على “العلامة التجارية” ، أعني اسم الجماعة، كان العام الماضي، لذلك هذا ليس قرارا جديدا، لكن الجديد هو حديث الجماعة عن التعددية السياسية والحفاظ على استقلال قرارها، ما يعني أنها تتهيأ لخوض اللعبة السياسية في المستقبل مع اقتراب المرحلة الانتقالية من منتصفها”.
وتؤكد مواقف الجماعة الأخيرة نيتها المشاركة في الحياة السياسية مستقبلاً، إذ رحب مجلس شورى الجماعة في بيانه الأخير بانطلاق أعمال مجلس الشعب، مؤكداً أهمية اضطلاعه بدوره التشريعي في استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية وإرساء التعددية السياسية المنظمة، كما دعا إلى إعداد دستور دائم يعبر عن تطلعات السوريين ويطرح للاستفتاء الشعبي.
وقال المجلس إن بناء سوريا المستقرة يتطلب مشاركة جميع مكوناتها في الحياة السياسية والتنمية وبناء مؤسسات الدولة، ضمن نظام تعددي قائم على سيادة القانون وضمان الحريات السياسية وتنظيم العمل الحزبي.
صراع داخل الإخوان
في المقابل قد لا يكون القرار مرتبطاً فقط بحسابات خارجية أو بتغيرات في المشهد السياسي السوري، وإنما يعكس أيضاً نقاشاً داخلياً حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين ودورها السياسي، ولا سيما مع بروز جيل جديد داخل التنظيم يحمل طموحاً أكبر للمشاركة السياسية، مقابل رؤية أكثر تقليدية لدى الجيل القديم تحصر دور الجماعة في المجالين الدعوي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يتحدث الباحث عبد الرحمن الحاج عن صراع جيلي داخل جماعة الإخوان المسلمين حول طبيعة الدور السياسي الذي ينبغي أن تضطلع به، مشيراً إلى وجود نقاش بشأن الفصل بين العمل الديني والاجتماعي من جهة، والعمل السياسي من جهة أخرى.
ووفق الحاج، يتمثل أحد الطروحات في الإبقاء على الجماعة كإطار ديني واجتماعي معني بالدعوة والإحياء الديني، بالتوازي مع إنشاء تنظيم سياسي جديد يتفرغ للعمل السياسي، وهي صيغة يقول إنها طُرحت في تجارب عربية سابقة، بينها السودان وبعض دول المغرب العربي.
ولا تبدو فكرة الفصل بين العمل الدعوي والسياسي جديدة داخل الجماعة، إذ يشير الحاج إلى أن الإخوان المسلمين في سوريا طرحوا عام 2005 فكرة إنشاء حزب سياسي جديد، في محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الجماعة والعمل السياسي.
كما يلفت إلى أن الجماعة أبدت، في كانون الثاني/يناير 2011، استعدادها لتغيير اسمها في حال عودتها إلى سوريا، وذلك ضمن عرض للتسوية مع نظام بشار الأسد آنذاك. وجاء ذلك، في مقابلة مع تلفزيونية مع محمد رياض الشقفة، الذي كان يشغل منصب المراقب العام للجماعة في تلك الفترة.
خوف الجماعة على تجربتها التاريخية
لا يمكن فصل النقاش حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عن تاريخها الطويل داخل البلاد، إذ تعود جذور الجماعة في سوريا إلى منتصف الأربعينيات، وشاركت خلال العقود التالية في الحياة السياسية، قبل أن تدخل في مواجهة مفتوحة مع نظام حافظ الأسد، الذي اتخذ من الجماعة أحد أبرز خصومه السياسيين. وتعرض أعضاء الجماعة ومناصريها خلال تلك المرحلة للاعتقال والقتل والملاحقة والتهجير، في حين استمر حضورها السياسي من خارج البلاد لعقود.
هذا التاريخ يفسر، وفق مصدر خاص مطلع على اجتماعات داخل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، جانباً من تحفظ الجماعة على فكرة حل نفسها، موضحاً أن هناك عدة اعتبارات تقف وراء هذا الموقف.
يقول المصدر الخاص لموقع تلفزيون سوريا إن حل الجماعة يعني، بالنسبة إلى قياداتها، إهدار تاريخ طويل يمتد لنحو ثمانية عقود، فضلاً عن أن قبولها بالحل قد يُفهم بوصفه إقراراً بفشل تجربتها التنظيمية والسياسية طوال هذه السنوات. كما أن طرح حل الجماعة يعيد إلى ذاكرتها قرارات سابقة تعرضت بموجبها للإقصاء والاضطهاد، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الخيار أكثر حساسية داخل التنظيم.
ويضيف المصدر أن هناك تساؤلاً آخر داخل الجماعة يتعلق بمدى انسجام فكرة الحل مع مواقفها السياسية المعلنة، ولا سيما أن الإخوان المسلمين أكدوا في بيانات سابقة، ومن بينها البيان الأخير، أهمية الحياة الحزبية والسياسية في سوريا. ويرى المصدر أن مطالبة الجماعة بحياة حزبية تعددية تطرح في المقابل سؤالاً حول كيفية مطالبتها بالمشاركة السياسية في الوقت الذي يُطلب منها فيه إنهاء وجودها التنظيمي.
وبين هاجس الحفاظ على إرث تاريخي طويل، والرغبة في الاستمرار ضمن المشهد السياسي الجديد، تبدو مسألة حل الجماعة أكثر تعقيداً من مجرد قرار تنظيمي؛ فهي تمس سؤالاً أوسع حول مستقبل تيار سياسي وديني امتلك حضوراً سورياً لعقود، وما إذا كان قادراً على إعادة تعريف نفسه بما يتناسب مع مرحلة سياسية مختلفة، من دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن تاريخه.
القلق من الإخوان؟!!
قد لا يرتبط النقاش حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين فقط بمسألة إعادة ترتيب وضعها التنظيمي، وإنما أيضاً بحسابات تتصل بحضورها السياسي وقدرتها على التحرك في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، خصوصاً مع امتلاكها خبرة تنظيمية وتاريخاً طويلاً في العمل السياسي.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الحاج أن قيادة الجماعة ربما تعرضت، بعد سقوط النظام المخلوع، لضغوط باتجاه حل التنظيم، مرجعاً ذلك إلى أن الإخوان يمثلون التنظيم السياسي الإسلامي الوحيد الذي يمتلك خبرة تنظيمية متراكمة وتاريخاً طويلاً من العمل والنضال السياسي.
ويعتقد الحاج أن ثمة قلقاً من أن يؤدي نشاط الجماعة خلال المرحلة الانتقالية إلى توترات سياسية ومجتمعية مبكرة، أو أن يشجع حضورها على ظهور أحزاب سياسية منافسة، في وقت تتقاطع فيه أيديولوجيتها مع الجمهور نفسه الذي يسعى الحكم الحالي إلى استقطابه.
في المقابل، يضع المصدر الخاص المطلع على اجتماعات الإخوان المسألة في إطار مختلف، إذ يقول إن الحديث عن حل الجماعة لم يكن طلباً رسمياً صادراً عن السلطة، وإنما طُرح خلال حديث من أحد مستشاري الرئيس مع عدد من القيادات الإخوانية. وبناءً على ذلك، لا ترى الجماعة، وفق المصدر، نفسها ملزمة باتخاذ موقف رسمي تجاه هذا الطرح أو التعامل معه باعتباره قراراً واجب التنفيذ.
ويُشار إلى أن موقع تلفزيون سوريا تواصل مع المكتب الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا للحصول على تعليق حول الموضوع، وقد أبدى المكتب استعداده للرد، إلا أن الرد لم يرد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
