عنب بلدي أونلاين
جف مجرى مائي عُرف محليًا باسم “نهر الموت” في منطقة رميلان بريف الحسكة الشمالي الشرقي، بعد إيقاف تدفق المياه المرافقة لإنتاج النفط التي كانت تتجمع وتتدفق خارج مسارات المعالجة، وفق ما أعلنت الشركة السورية للبترول، في خطوة قالت إنها جاءت بالتعاون مع شركة “HKN” الأمريكية التي تسلمت تشغيل عدد من حقول المنطقة خلال تموز الماضي.
وقالت الشركة السورية للبترول إن الفرق العاملة أوقفت مصادر تدفق المياه إلى المجرى، بعد إغلاق نحو 260 بئرًا ذات إنتاج مائي مرتفع، ما أدى إلى منع تدفق نحو 120 ألف برميل يوميًا من المياه المرافقة للإنتاج النفطي إلى خارج منظومة المعالجة.
وبحسب الشركة، بدأ المجرى بالانحسار تدريجيًا بعد وقف مصادر التغذية، قبل أن يجف بالكامل، في إجراء وصفته بأنه معالجة لمصدر المشكلة، وليس مجرد تجفيف للمجرى.
مجرى تشكل بفعل المياه النفطية
لا يتعلق “نهر الموت” بنهر طبيعي، وإنما بمجرى تشكل نتيجة وصول المياه المرافقة لإنتاج النفط إلى سطح الأرض وتدفقها خارج مسارات المعالجة في منطقة رميلان.
وتتكون المياه المرافقة للإنتاج النفطي من المياه الموجودة في المكامن أو التي تدخل في عمليات استخراج النفط، وتحتاج إلى الفصل والمعالجة قبل التخلص منها أو إعادة حقنها في المكامن وفق الإجراءات الفنية المعتمدة.
تشكل المجرى في رميلان نتيجة تصريف المياه المرافقة لإنتاج النفط إلى سطح الأرض، قبل أن تبدأ الجهات المشغلة العمل على وقف تدفقها وإعادة حقنها في المكامن.
وكانت مشكلة المياه الطبقية جزءًا من الملفات البيئية المطروحة ضمن خطة إعادة تأهيل حقول رميلان، التي بدأت مع تسلم شركة “HKN” الأمريكية مهام تشغيل الحقول.
وفي 9 من آب الحالي، أعلنت الشركة السورية للبترول أن الشراكة مع “HKN” تشمل، إلى جانب تأهيل الآبار ورفع الإنتاج، معالجة التلوث الناتج عن المياه الطبقية وإعادة حقنها، مشيرة إلى أن العمل على إيقاف “نهر الموت” بدأ بالفعل كمرحلة أولى من المشروع.
سنوات من المشكلات البيئية
لم تكن مشكلة المياه والتلوث المرتبط بالعمليات النفطية جديدة في منطقة رميلان.
وفي تموز 2020، وثق تقرير لمنظمة “باكس” الهولندية تسربًا نفطيًا في منطقة وادي رميلة بريف دير الزور، قال التقرير إنه أدى إلى تدفق عشرات آلاف براميل النفط إلى القنوات والجداول في المنطقة، ووصلت آثار التسرب عبر المجاري المائية إلى نهر الفرات.
كما تحدث سكان في المنطقة آنذاك عن تكرار حوادث تسرب النفط، وتأثيرها في الأراضي الزراعية والمياه والهواء، بينما ارتبط اسم “نهر الموت” في التغطيات المحلية بمجرى مائي ملوث في محيط رميلان.
أهالٍ: خطوة طال انتظارها
رحب أهالٍ من محيط رميلان، تحدثت إليهم عنب بلدي، بإيقاف تدفق المياه إلى المجرى، معتبرين أن جفاف “نهر الموت” يمثل خطوة طال انتظارها بعد سنوات من ارتباط اسمه بالتلوث والأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية والبيئة المحيطة.
سليمان أحمد، وهو أحد سكان المنطقة، قال إن المجرى كان مصدر قلق للسكان طوال السنوات الماضية، مضيفًا أن “وجود المياه الملوثة بالقرب من الأراضي الزراعية كان مشكلة مستمرة، خصوصًا مع الروائح وانتشار آثار التلوث في محيط المجرى”.
وأضاف أن إيقاف تدفق المياه “أمر إيجابي بالنسبة للأهالي، لأن استمرار المشكلة لسنوات كان يعني تراكم الأضرار”، معتبرًا أن الأهم في المرحلة المقبلة هو “التأكد من معالجة آثار التلوث الموجودة في التربة، وعدم عودة المياه الملوثة إلى المنطقة بعد إعادة تشغيل الآبار”.
من جهته، قال سالم العبد وهو أحد سكان القرى القريبة من رميلان، إن سكان المنطقة “كانوا يرون آثار التلوث على الأراضي والمجاري المائية المحيطة”، مشيرًا إلى أن المزارعين كانوا يخشون من تأثير المياه الملوثة في المحاصيل والأراضي الزراعية.
وأضاف أن توقف المجرى “يريح الأهالي بعد سنوات من وجود مصدر للتلوث قربهم”، لكنه شدد على ضرورة ألا تقتصر المعالجة على تجفيف المجرى، بل أن تشمل “تنظيف المناطق التي تضررت منه وفحص التربة والمياه الجوفية والتأكد من عدم انتقال آثار التلوث إلى الأراضي الزراعية”.
ويرى سكان في المنطقة أن جفاف “نهر الموت” يمثل بداية لمعالجة واحدة من المشكلات البيئية المرتبطة بالنشاط النفطي في رميلان، لكن اكتمال المعالجة، بحسب ما يأملون، يتطلب متابعة آثار التلوث المتراكمة خلال السنوات الماضية، والتأكد من عدم عودة المشكلة مع استئناف تشغيل الآبار.
ماذا بعد جفاف “نهر الموت”؟
تقول الشركة السورية للبترول إن الخطوة التالية تتمثل في استكمال تأهيل آبار الحقن والمنشآت المرتبطة بها، بما يسمح بالتعامل مع المياه المرافقة للإنتاج داخل المنظومة النفطية بدلاً من تصريفها إلى سطح الأرض.
وكانت الشركة أعلنت، ضمن خطة تطوير رميلان، العمل على معالجة التلوث وإعادة حقن المياه الطبقية، في إطار مشروع يجمع بين رفع الإنتاج ومعالجة آثار العمليات النفطية.
وبذلك، فإن التطور المعلن يتمثل في وقف مصدر التدفق وجفاف المجرى، بينما تبقى المرحلة الأوسع مرتبطة بكيفية إدارة المياه المرافقة للإنتاج مستقبلًا، ومدى نجاح إعادة حقنها في المكامن، إضافة إلى تقييم آثار السنوات السابقة على البيئة المحيطة بحقول رميلان.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تدخل فيه حقول رميلان مرحلة جديدة من إعادة التأهيل بالشراكة بين الشركة السورية للبترول و”HKN”، مع خطط لرفع الإنتاج وتطوير المنشآت النفطية، ما يجعل معالجة المياه المرافقة للإنتاج جزءًا أساسيًا من استمرار العمليات في المنطقة.