أنهت القوّات الأميركيّة وقوّات التحالف الدوليّ عمليّة انسحاب قوّاتها القتاليّة من العراق في الموعد المحدّد، في 30 أيلول، بعدما انسحبت من بعض القواعد قبل أيّام من هذا الموعد. في المقابل، رُحّل موعد تنفيذ قرار حصريّة السلاح وقرارَي الحرب والسلم إلى منتصف العام المقبل، 2027، كموعد معلن، لكنّه يبقى مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
في معادلات الصراع بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة على الساحة العراقيّة، يمكن القول إنّ طهران استطاعت تسجيل نقطة في مواجهة واشنطن. فالانسحاب، وإن كان محكوماً بالعديد من الشروط الأميركيّة على حكومة بغداد، دخل حيّز التنفيذ من دون أن يتحقّق الهدف الأساسيّ المتمثّل في تفكيك الفصائل وحصر سلاحها، وتغليب منطق الدولة المسيطرة على قراراتها، وإنهاء تعدّديّة القرار الأمنيّ والعسكريّ.
ترحيل موعد التفكيك، بين الجانب السياسيّ والجانب العسكريّ للفصائل، جاء نتيجة تصلّب طهران، التي دفعت الفصائل الموالية لها إلى الضغط على حكومة عليّ الزيديّ وعرقلة الخطط التي شكّلت أحد الأبعاد الأساسيّة للاتّفاق مع واشنطن والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لرسم مستقبل العراق بعيداً عن النفوذ الإيرانيّ والجماعات الموالية لها.
وإذا جاز القول إن حرب النقاط بين واشنطن وطهران بدأت من موعد تفكيك الفصائل، فإنّها لم تتوقّف، بل انتقلت إلى مستويات جديدة. فالحكومة العراقيّة، التي طالما التزمت بتطبيق قرارات الإدارة الأميركيّة بفرض عقوبات اقتصاديّة وماليّة على إيران، لم تستطع الصمود أمام الضغوط التي مارستها الفصائل الموالية لطهران، عبر تحريك الشارع الشعبيّ المؤيّد لها، اعتراضاً على قرار الحكومة تنفيذ العقوبات وإغلاق المجال الجوّيّ أمام الطيران الإيرانيّ.
شمل التهديد استخدام الشارع ومحاصرة بعض المطارات، ولا سيما مطار مدينة النجف، إضافة إلى تنظيم تجمّعات شعبيّة شهدتها ساحات مدن مثل بغداد والبصرة وكربلاء والنجف. في المقابل، وجدت بعض أحزاب وقيادات “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ فرصة لاستغلال هذه التحرّكات بما يسمح لها بمحاصرة الحكومة وابتزازها، وبالتالي تحسين شروطها في مواجهة الصعود السياسيّ لرئيس الوزراء والدعم الدوليّ، ولا سيما الأميركيّ، الذي يحظى به.
الزيديّ، الذي ذهب إلى نيويورك وحمل معه استراتيجية الجداول الزمنيّة للخروج من مأزق سلاح الفصائل، اضطرّ أيضاً، مع المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ توم بارّاك، إلى الانحناء أمام الحراك الذي قادته الفصائل بدعم من طهران لتعطيل قرار الحظر الجوّيّ، وذلك من خلال الإعلان عن موافقة واشنطن على استثناء العراق لمدّة شهر من قرار الخزانة الأميركيّة.
على الرغم من الشروط والمحدّدات التي تضمّنها قرار الاستثناء، واقتصار حركة الطيران على نقل الركّاب والمسافرين، ومنع حمل كمّيّات كبيرة من الأموال أو البضائع بحجم تجاريّ أو نقل الأسلحة، فمن المتوقّع ألّا يكون قرار الاستثناء حصريّاً وخاصّاً بالطيران العراقيّ باتّجاه طهران، بل يُتوقّع أن يشمل أيضاً الطيران الإيرانيّ، والسماح له بالعودة إلى العراق، وأن تكون شركات الخدمات الأرضيّة قادرة على تقديم خدماتها له، بعدما امتنعت في الأيّام السابقة عن ذلك خوفاً من العقوبات الأميركيّة.
مصادر مقرّبة من أحد الفصائل الموالية لإيران قالت إنّ حملة التخويف التي يقودها بعض القيادات السياسيّة العراقيّة من احتمال لجوء واشنطن إلى وقف تزويد الحكومة بالدولار، كجزء من حصّتها الشهريّة من عائدات بيع النفط العراقيّ، هي جزء من التهويل، ولا سيما ما جاء على لسان زعيم الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ مسعود بارزاني.
واشنطن، وقبل قرار العقوبات الجوّيّة ضدّ إيران، قامت بتعليق عمليّة نقل الأموال على خلفيّة الضغط على القوى الشيعيّة والفصائل الموالية لإيران للانصياع لقرار الحكومة القاضي بحصريّة السلاح وتفكيك ميليشياتها، ولم تستأنف عمليّة نقل هذه الأموال إلّا في الأيّام الأخيرة.
تضيف المصادر أنّ أزمة الرواتب في القطاع العامّ بدأت قبل أشهر، بالتزامن مع الضغوط الأميركيّة التي رافقت عمليّة تشكيل الحكومة، وكأداة ضغط لمنع الفصائل من المشاركة في السلطة التنفيذيّة. وهو ما دفع الزيديّ إلى بحث إمكانيّة استخدام الاحتياطيّ الماليّ لدى البنك المركزيّ وتسييل مخزون الذهب لتوفير هذه الرواتب. وقد طمأنت دوائر مكتب رئيس الوزراء والزيديّ وفريقه الماليّ حينها إلى عدم وجود خوف على الرواتب.
بين طموح الزيديّ إلى توظيف الدعم والمظلّة الدوليّة والأميركيّة التي حظي بها، لتنفيذ سياساته الداخليّة والتأسيس العمليّ والجدّيّ لبناء دولة ذات سيادة على قرارها، وقادرة على التحكّم بقرارَي الحرب والسلم والإمساك بهما، وإنهاء ظاهرة تعدّديّة السلاح داخل الدولة، وبين الواقع الذي فرضته هذه الفصائل بدعم إيرانيّ واضح من جهة، وتأرجح بعض قوى “الإطار التنسيقيّ” بين مخاوفها من طموحات الزيديّ ومحاولتها الحفاظ على حصّتها ومكاسبها في العمليّة السياسيّة من جهة أخرى، يبدو أنّ الحكومة بقيادة الزيديّ لم يبقَ أمامها سوى معركة محاربة الفساد لتحقيق إنجازات، واللجوء في المرحلة المقبلة إلى استئناف عمليّة ملاحقة الفاسدين.
بناءً على التسريب الذي كشفه النائب عن دولة القانون عن مدينة النجف، عثمان الشيباني، فإنّ الحملة الجديدة قد تشمل ثلاثة عشر نائباً حاليّاً وسبعة عشر نائباً سابقاً.
في ظلّ هذه الأجواء، تستمرّ معركة تقاسم الحصص على المناصب الوزاريّة بين أقطاب “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ، ولا سيّما بين ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي وبين عصائب أهل الحقّ وجناحها السياسيّ “صادقون” بقيادة قيس الخزعلي، للسيطرة على المقاعد الوزاريّة من الحصّة الشيعيّة الباقية، من أصل تسعة مواقع شاغرة حتّى الآن.
يبدو أنّ المالكي حقّق تقدّماً على الخزعلي في الصراع على وزارة الداخليّة، وبات مرشّحه ياسر صخيل المالكيّ، صهره، أقرب إلى تولّي وزارة الداخليّة، على حساب مرشّح الخزعلي، الذي يدعم شقيقه ليث. وذلك بعد تعطيل قرار استحداث أربعة مواقع لنوّاب رئيس الوزراء، على أن يكون ليث الخزعلي نائباً للشؤون الأمنيّة، في حين يبقى الزيديّ بانتظار اتّفاق هذه القيادات لاستكمال حكومته.
