جواد بشارة…جريدة. المدى
تشهد فرنسا هذه الأيام حركة احتجاجية عارمة وعنيفة يقودها طلاب المدارس الثانوية وأهاليهم المساندون لهم ويؤيدها اليسار الفرنسي ويقمعها النظام الحاكم، لكن ذلك لم يمنع الوسط الثقافي من الاهتمام بمناسبة مئوية ميشيل فوكو عبر وسائل الإعلام التي صارت تتساءل من هو هذه المثقف الحداثي المُجدد وكيف تحول فيلسوفٌ ما إلى المثقف الأبرز في حقبة السبعينيات؟ وكيف أصبح ميشيل فوكو المثقفَ النجم في سبعينيات القرن العشرين؟ فمن خلال مؤلفيه “الكلمات والأشياء” و”المراقبة والمعقابة”، برز هذا الفيلسوف -الذي نحتفي اليوم بمرور مئة عام على ميلاده- كشخصية فكرية وإعلامية كبرى، حتى صار يُقال إنه تفوق في حضوره على جان بول سارتر. ومع ذلك، لم تلقَ أفكاره الترحيب دائماً. وكان فوكو قد صرح في مقابلة غير منشورة معه لمجلة “روج “بالنسبة لي، السلطة هي صراع طبقي” (1977) – “أرتيليريا إيمانينتي”
ميشيل فوكو الرجل الذي وسّع حدود الفكر. كيف استطاع -وهو فيلسوفٌ غالباً ما تتسم كتبه بالصعوبة والتجريد وإثارة الجدل- أن يتحول إلى أحد أبرز الوجوه الفكرية والإعلامية في فرنسا خلال سبعينيات القرن العشرين، لدرجة أنه نافس المكانة المرموقة لجان بول سارتر؟ لا تكمن الإجابة في جودة مؤلفاته فحسب، بل في تضافر عدة ظواهر: أزمة الماركسية التقليدية، وإرث أحداث مايو 1968، وصعود البنيوية، ونقد المؤسسات، وابتكار أشكال جديدة من الانخراط السياسي، بالإضافة إلى قدرة فوكو الفذة على تحويل موضوعات تبدو تخصصية بحتة -كالجنون، والسجن، والطب، والجنسانية- إلى قضايا جوهرية حول المجتمع الحديث. وتُعد الذكرى المئوية لميلاده، التي توافق 15 أكتوبر 2026، مناسبةً مثالية لاستعراض هذا الصعود. وفي هذا السياق، ينظم كل من “كوليج دو فرانس” (Collège de France) -حيث درّس فوكو بين عامي 1970 و1984- والمكتبة الوطنية الفرنسية فعالياتٍ احتفاليةً تكريماً لذكراه. تتمحور الأطروحة الأساسية لهذا العرض حول فكرة مفادها أن فوكو أصبح شخصية مهيمنة لأنه قدّم طريقة جديدة لفهم السلطة. ففي حين ركّز سارتر على الالتزام والحرية والمسؤولية التاريخية، سعى فوكو إلى تبيان الكيفية التي تشكّل بها المؤسسات والمعارف والمعايير والممارسات اليوميةُ، الأفرادَ أنفسهم. لم يكن الأمر مجرد استبدال فيلسوف بآخر، بل كان، على مستوى أعمق، انتقالاً من نموذج للمثقف إلى نموذج آخر.
أولاً: المشهد الفكري الفرنسي قبل فوكو. عشرة أشياء تعلمناها من دورة “أرزاماس” (Arzamas) حول فرنسا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين – تشر الدراسات إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار سيرة كلود ليفي ستروس، عالم الإثنوغرافيا وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية الفرنسي و ألتوسير الذي قام بالتركيز على إعادة الإنتاج وأجهزة الدولة الأيديولوجية- لفهم صعود فوكو، لا بد أولاً من فهم العالم الفكري الذي كان على وشك إحداث تغيير جذري فيه والمتمثل بوجود مفكرين وفلاسفة ومثقفين مثل سارتر: المثقف الملتزم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حيث جسّد جان بول سارتر نموذجاً فريداً لا يكاد يكون له نظير: الفيلسوف الذي يتدخل في الصراعات الكبرى لعصره؛ بدءاً من حرب الجزائر وصولاً إلى حرب فيتنام، ومن النضال ضد الاستعمار إلى السجالات حول الشيوعية. استندت مكانته المرموقة إلى تصور صارم لدور المثقف؛ إذ لا ينبغي للمثقف أن يكتفي بإنتاج الأفكار داخل مكتبه، بل عليه اتخاذ موقف، وتحمّل تبعات خياراته، والمشاركة في نضالات عصره. وهكذا، تضع الوجودية السارترية في صدارتها الحرية الإنسانية، والمسؤولية، وقدرة الأفراد على تغيير وجودهم وتاريخهم. غير أن هذا النموذج بدأ يواجه صعوبات تدريجية. إن تجربة الستالينية، والكشوفات حول ممارسات الأنظمة الشيوعية القمعية، والغموض الذي يكتنف الأحزاب الثورية، والتحولات التي شهدها المجتمع الفرنسي؛ كل ذلك أدى إلى زعزعة الفكرة القائلة بأن التاريخ يمكن فهمه من خلال “نظرية كبرى” للتحرر. لم يكتفِ فوكو بدحض أفكار سارتر، بل أعاد صياغة الإشكالية؛ فبدلاً من التساؤل حول كيفية تحرر الإنسان، ينبغي فحص الكيفية التي تشكّل بها تاريخياً كـ “ذات”، وكموضوع للمعرفة، وكهدف لممارسة السلطة. وكذلك ظهور المدرسة البنيوية التي كانت بمثابة نمط جديد للتفكير في الإنسان في ستينيات القرن العشرين، ظهر هذا التيار الذي أحدث تحولاً في العلوم الإنسانية، ألا وهو “البنيوية”. ساهم كل من كلود ليفي-شتراوس في مجال الأنثروبولوجيا، وجاك لاكان في التحليل النفسي، ولوي ألتوسير من خلال قراءته لماركس -كلٌ بطريقته الخاصة- في التشكيك في فكرة “الفرد” المستقل تماماً، الواعي بدوافعه، والمتحكم في مسار تاريخه. انصبّ الاهتمام هنا على “البنى” التي تجعل السلوكيات والتمثلات والخطابات ممكنة الوجود. شارك فوكو في هذا التحول، وإن كان قد رفض أن يُحصر في تصنيفٍ أو تسميةٍ واحدة. وتكمن خصوصيته في إخضاع “أنظمة المعرفة” للمنظور التاريخي؛ فما يبدو طبيعياً أو كونياً في حقبةٍ ما، قد يكون تشكّل في ظل ظروفٍ تاريخيةٍ محددة. وهكذا، لم تعد “الذات الإنسانية” تمثل نقطة الانطلاق البديهية وغير القابلة للنقاش لأي معرفة؛ بل أصبحت هي ذاتها إشكاليةً تتطلب التفسير والتحليل. و بالطبع لا ينبغي أن ننسى أحداث مايو 1968التي كشفت أزمة المؤسسات والسلطات حيث شكّلت أحداث مايو 1968 منعطفاً آخر؛ إذ تحدّى الطلاب والعمال التسلسلات الهرمية، والسلطات الجامعية، وعلاقات العمل، والأشكال التقليدية للتمثيل السياسي. لم تكن الثورة تستهدف الحكومة أو الرأسمالية فحسب، بل طالت أيضاً آليات السلطة الكامنة في المؤسسات العادية. كان هذا التحول حاسماً بالنسبة لميشيل فوكو؛ فقد فتح أفقاً فكرياً أصبحت فيه مواضيع كــ، السجن، والمصحة النفسية، والمدرسة، والطب، والجنسانية، مجالاتٍ رئيسية للنقد السياسي. لم يعد البحث عن “السلطة” مقتصراً على الدولة أو الطبقات المهيمنة أو الأحزاب؛ بل صار يُدرس أيضاً من خلال الإجراءات، وعمليات التصنيف، والامتحانات، والمعايير، والعلاقات اليومية. وفي ظل هذه الظروف، اكتسب فكر فوكو قوته الفريدة والمميزة، خاصة في كوليج دو فرانس .
ثانياً: الضجة الكبرى التي أحدثها كتاب “الكلمات والأشياء” في عام 1966 إذ يُعدّ كتاب “الكلمات والأشياء أركيولوجيا العلوم الإنسانية” ، العمل الذي أدخل فوكو فعلياً إلى دائرة كبار المفكرين الفرنسيين.
- طموحٌ هائل: تضمن الكتاب سرد تاريخ ما يمكننا معرفته إذ لا يقدم فوكو تاريخاً تقليدياً للفلسفة، بل يسعى لفهم الكيفية التي نظمت بها المجتمعات الغربية -في عصور مختلفة- شروطَ المعرفة. وهو يميز، على وجه الخصوص، بين عدة تشكيلات تاريخية كبرى يطلق عليها اسم “الإبستيميات” (épistémès)؛ وهي شروط تاريخية تُشكّل طرق المعرفة، والتصنيف، وتمثيل العالم. يدرس فوكو تحولات الفكر الغربي منذ عصر النهضة، مروراً بالعصر الكلاسيكي، وصولاً إلى الحداثة. يهتم الكتاب بكيفية تشكُّل التاريخ الطبيعي، والاقتصاد السياسي، والنحو العام، ومن ثم العلوم الإنسانية. يطرح الكتاب تساؤلاً جذرياً: ألا تُعدُّ المقولات التي نفهم من خلالها الإنسانَ والعملَ والحياةَ واللغةَ، نتاجاً لتاريخٍ ما؟ وبناءً عليه، فإن الإنسان -الذي يُنظر إليه منذ القرن التاسع عشر باعتباره محور العلوم الإنسانية- لم يشغل هذا الموقع دائماً، وقد لا يحتفظ به إلى الأبد.
- «موت الإنسان»: عبارةٌ ذات وقعٍ مدوٍ و تشير خاتمة الكتاب إلى احتمالية زوال الصورة الحديثة للإنسان، «كما يزول وجهٌ مرسومٌ على الرمل عند حافة البحر». غالباً ما يُساء فهم هذه العبارة؛ ففوكو لا يتنبأ بالزوال البيولوجي للجنس البشري، بل يرى أن تصور الإنسان كأساسٍ كونيٍّ للمعرفة هو تشكُّلٌ تاريخيٌ حديثٌ نسبياً. وقد أثارت هذه الأطروحة جدلاً واسع النطاق. فبالنسبة لأنصار النزعة الإنسانية (الإنسانوية)، تبدو هذه الفكرة تهديداً للحرية والكرامة الإنسانية، ولإمكانية وجود تاريخٍ يصنعه البشر بأنفسهم. أما بالنسبة لبعض المفكرين الماركسيين، فهي تنطوي على خطر تذويب الفاعلين التاريخيين والصراعات الاجتماعية داخل بُنىً مجردةٍ لا شخصية. ومع ذلك، حقق الكتاب نجاحاً لافتاً رغم صعوبته، واكتسب فوكو شهرةً على المستوى الوطني. لماذا أثار هذا الكتاب اهتمام عصره؟ يمكن فهم طبيعة تلقي هذا الكتاب من خلال ثلاثة أسباب رئيسية: إنه يقلب المسلّمات؛ فالمقولات التي تبدو طبيعية تتحول إلى موضوعاتٍ للبحث التاريخي. إنه يقترح منهجاً جديداً؛ فبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن نوايا المؤلفين، يدرس الكتابُ الشروطَ التي تجعل خطاباتٍ معينةً ممكنةَ الظهور. إنه يضفي بُعداً فلسفياً على حقولٍ معرفيةٍ متخصصة؛ إذ يصبح تاريخ البيولوجيا أو الاقتصاد أو اللسانيات وسيلةً لمساءلة موقع الإنسان في العالم. كما تكمن قوة الكتاب أيضاً في أسلوبه الأدبي. إن تحليل لوحة “الوصيفات” (Les Ménines) للفنان فيلاسكيز، في مستهلّ الكتاب، يحوّل هذا العمل التصويري إلى تأمّلٍ في ماهية التمثيل، والنظرة، وموقع الذات. وقد ساهمت هذه الافتتاحية في جعل فوكو مؤلفاً يُثار حوله النقاش في أوساط تتجاوز بكثير الدوائر الأكاديمية الضيقة.
- ردّ سارتر في مواجهةٌ نموذجية: هاجم سارتر فوكو عام 1966، وذلك في سياق تلقّي كتاب “الكلمات والأشياء”. وقد أخذ عليه، بشكل خاص، تشكيكه في مركزية التاريخ والذات، ورأى في أعماله تهديداً للرؤى الماركسية القائمة على التحرر. ويكشف هذا التباين عن طريقتين مختلفتين لتصور الفلسفة: سارتر يتبنى حرية الذات ومسؤوليتها، و التكوين التاريخي للذات الالتزام والممارسة (Praxis)، فيما يركز فوكو على البحث في الممارسات والآليات (Dispositifs) التاريخ والمشاريع الجماعية القطائع، والانقطاعات، وشروط المعرفة، فهناك مُثقّفٌ ملتزمٌ في خضمّ النضالات الكبرى، مقابل مُثقّف مفكراً يتقصى آليات دقيقة للسلطة. لا ينبغي لهذه المقارنة أن تتحول إلى صورة كاريكاتورية؛ فسارتر كان يهتم أيضاً بالبنى الاجتماعية، كما أن فوكو لم يتخلَّ قط عن كل أشكال الالتزام. ومع ذلك، تساعدنا هذه المقارنة في إدراك التحول الذي طرأ. اكتسب فوكو شهرته من خلال دحض بعض الأفكار التي كانت سبباً في شهرة سارتر