ملخص
بالنسبة إلى بول فاليري، كان الحديث عن غوته يعني في ما يعنيه، استنهاضاً للهمة الأوروبية وإعادة اعتبار إلى الروح والفكر الأوروبيين اللذين كان غوته رائداً كبيراً من روادهما.
بالنسبة إلى شاعر فرنسا الكبير في القرن الـ 20 بول فاليري، إذا كان هناك أديب يمكن أن نقول عنه إنه “الأديب الأوروبي بامتياز” لن يكون هذا الأديب سوى الألماني وولفغانغ غوته. فغوته، صاحب “فاوست” بين أعمال كبيرة ومهمة أخرى، يكاد وحده يجسد تلك القيم الأوروبية التي يمكننا أن نرى أن هذه المعادلة التي يرسمها فاليري هي خير ما يعبّر عنها. تقول المعادلة: ما الذي كان يمكن أن تكون عليه أوروبا لو أن العلاقات بين القوة السياسية والقوة الروحية فيها كانت أقل صلابة مما هي عليه في الواقع؟
احتفال في السوربون
جاء هذا الكلام على لسان بول فاليري، خلال خطاب ألقاه في جامعة “السوربون” يوم 10 أبريل (نيسان) عام 1932 إبان الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لوفاة غوته.
ونعرف أن أوروبا في ذلك الحين كانت تعيش واحدة من أكثر مراحل حياتها انعطافية ومأسوية مع تنامي الصراعات وصعود الفاشيات والتدهور الاقتصادي، ما جعل شبح التفتّت يخيم على تلك القارة التي كانت ثقافة إنسانية ما قد اعتادت على أن توحّدها منذ عصور النهضة على الأقل، ووقف أبناؤها، لا سيما المفكرين والمبدعين منهم، مذهولين أمام “الشبح” المرعب الذي ما عتم أن وصل، وبالوسائل الانتخابية الديموقراطية، من فضلكم!!، متجسداً في استيلاء هتلر وحزبه النازي ونزعته القومية على السلطة في برلين، أي تحديداً في البلد الذي كان أنجب غوته نفسه كما أنجب كانط وهيغل وآخرين من طينتهم!، “ويا للمفارقة!” سيقول كثر.
استنهاض الهمم الأوروبية
بالنسبة إلى بول فاليري، كان الحديث عن غوته يعني في ما يعنيه، استنهاضاً للهمة الأوروبية وإعادة اعتبار إلى الروح والفكر الأوروبيين اللذين كان غوته رائداً كبيراً من روادهما. ثم بخاصة إعادة اعتبار إلى رجل الطبيعة الذي كانه غوته، ناهيك بالدنو من مسألة العلاقة بين الفلسفة والعلم والفن والعلم، التي كان غوته من روادها أيضاً، كما كانت أوروبا حقلها الأساس وميدان ازدهارها على مدى العصور.
من هنا نجد الكاتب والشاعر الفرنسي، الذي كان، بدوره، واحداً من دعاة العقلانية والديموقراطية الحقيقيتين، يؤكد لنا، في ذلك النص الذي، حين نشر مستقلاً حمل عنواناً فصيحاً هو “خطاب تحية لشرف غوته”، أو “خطاب تكريمي لغوته”. إن حياة شاعر فايمار ومفكرها (غوته) “إنما تنضوي ضمن إطار تلك اللحظة التاريخية الفريدة، اللحظة التي فيها تتسارع نهاية حقبة سعيدة لتتفتح من بعدها آفاق عالم جديد”.
إذاً، خلال تلك الحقبة التي عاشها، والذي كان في حياته كما في أفكاره خير معبر عنها، وطّد غوته لنفسه مكانة في المجتمع وفي الكون كله، مكانة عثر عليها بالسهولة والرغد نفسيهما اللذين وجدهما لدى النباتات التي لطالما أثارت فضوله واهتمامه وطفق يصرف سنوات عدة من عمره وهو ينمّيها ويدرسها ويتساءل عن أسرارها.
والحال أن العلاقة بين غوته والنباتات شغلت حيزاً لا بأس به من اهتمامات فاليري وخطابه. ففاليري كشاعر حقيقي، رأى في اهتمام غوته بالنباتات كناية ورمزاً حقيقيين، خصوصاً أن الرصد الدؤوب والشهير الذي خصّ به غوته النباتات وحياتها كان رصداً وتدويناً لعالم حقيقي لا مجرد ملاحظات شاعر أو أديب فضولي يمر عابراً في حديقة أو في غابة فيسحره منظر النباتات ويروح متأملاً.
قوانين الطبيعة
في هذا الإطار، قد يكون من المفيد أن نعرف، مع فاليري وربما بفضله أيضاً، أن غوته رصد قوانين حياة النباتات أو نموها بصفتها قوانين طبيعية صارمة يمكن تطبيقها على المجتمعات وعلى الأفراد، خارج نطاق بعدهم البيولوجي، أي حتى في مجال الروح، ما أدى به إلى أن يلاحظ في طريقه أن الطبيعة المحسوسة، عبقرية إلى حد مدهش، وأن العالم أكثر روعة من روعته الخاصة.
فهل علينا أن ننطلق من هذا، يتساءل فاليري، لكي نستنتج أن غوته، في هذا السياق إذ يبدو لنا منافحاً حقيقياً عن مبدأ الظواهر، تعمّد أن يحد نفسه بهذه الصفة؟ أبداً، يجيب فاليري. كل ما في الأمر أن الشاعر وجد لزاماً عليه أن يكتشف في أشكال الكون وظواهره، وتحديداً في القطيعة التي يمكن أن تكون قائمة بين تأثيراته، قوى خفية تسيّر أمر هذا الكون، وتواصلاً مدهشاً للأسباب التي تتحكم فيه.
في هذا الإطار، بالتالي، يلتقي الشاعر بعالم الطبيعة. أما ذلك “العبور من الفكر الشعري إلى الفكر العلمي”، الذي يلخص بأفضل ما يكون مسار غوته الخلاق والابداعي، فإن فاليري ينصحنا بأن نبحث عنه في الاكتشافات التي حققها غوته في ميدان تحولات النباتات.
نزعة رومنطيقية
وإذ يصل بول فاليري إلى هذه الاستنتاجات المهمة، على رغم أن أياً منها لم يكن جديداً حقاً، الجديد كان على أي حال في جمعها معاً في سياق “علمي” واحد، فإنه يقول لنا كم أن هذا كله ينم عما كان لدى غوته من نزعة رومنطيقية حقيقية، بل سيقول لنا فاليري لاحقاً إن الرومنطيقية الحقة إنما تكمن ها هنا، أي في ذلك “التقارب الحي بين الإبداع والعلم والطبيعة”، لكن هذه مسألة أخرى بالطبع.
وانطلاقاً من هذا التأكيد يقول فاليري، مضيفاً في خطابه، إن غوته، شاعر فايمار الأكبر، والمثقف الأوروبي الذي لا يشق له غبار، لم يكن من الذين يكتفون من الشعر بأن يكون مجرد تكرارات لغوية لا طائل من ورائها، تماماً كما أنه لم يكن ليستسيغ في الوقت نفسه ذلك “الشعر التكراري” الذي تمثله العلوم الرياضية وتكاد تشبهه، وهذا جعله يلتفت بكلية صوب علوم الحياة، العلوم التي كانت في ذلك الحين “لا تزال في مهدها” حسب ما يؤكد لنا فاليري.
والحال أن هذا الأخير ينطلق من هذا كله لكي يختتم كلامه متحدثاً عن الالتباس التأسيسي الذي كان في إمكان غوته أن يقدمه لنا عند مثل ذلك المفترق الانعطافي: من غوته، ثمة وجه يقف في مواجهة القرن الذي كان في سبيله إلى الانقضاء، وثمة وجه آخر ينظر ناحيتنا، ينظر إلينا، أي إلى ما نمثله، نحن، من حاضر ومن مستقبل. وثمة بين هذين الوجهين، ذلك التجابه بين الرومنطيقي والكلاسيكي، إلى آخر ما هنالك من تعارضات، لا يبتعد فاليري عن الصواب، في نهاية الأمر، حين يؤكد لنا أخيراً، أن من خلالها تبزغ بالتأكيد تلك الفكرة الأساسية، الفكرة التاريخية، التي لا يتردد فاليري عن ربطها، أو الإشارة إليها، بالعبارة المأثورة التي قالها نابليون بونابرت خلال استقباله غوته: “إنك إنسان.”…
ويستطرد فاليري هنا، وفق ما تشير النبذة من كتاباته، التي اعتمدنا عليها لرواية هذا التفصيل: “إنسان؟ أي المعيار الحقيقي الذي به يجب أن يقاس كل شيء”.
ونعرف طبعاً أن غوته هو واحد من كبار الشعراء والمفكرين وكتاب المسرح الألمان، وهو عاش خلال نهاية القرن الـ 18 وبداية القرن الـ 19، وكتب كثيراً من المؤلفات مثل “فاوست” و”الديوان الشرقي”، واهتم بالعلوم اهتمامه بالآداب. أما بول فاليري (1871-1945) فهو واحد من كبار الشعراء الفرنسيين خلال النصف الأول من القرن الـ 20، وكان من أول كتاب فرنسا في هذا القرن الذين اهتموا باكراً بالمسألة الأوروبية، ويقيناً أن خطابه هذا عن غوته يكاد يكون في الوقت نفسه ناطقاً بالتطلعات الأوروبية، التي كانت لا تزال جنينية في ذلك الحين.
