
جزء من لوحة “مدرسة أثينا” لرافائيل (غيتي)
إبراهيم العريس باحث وكاتب//// اندبندنت عربية
ملخص
مع ذلك يبقى السؤال قائماً وشائكاً في ما يتعلق بما إذا كان فازاري محايداً بين الثلاثة، أو على الأقل بين ذينك منهم، مايكل آنجلو ورافائيل، اللذين ترك لنا فازاري ومدونات التاريخ، حكايات لا تنتهي حول العلاقة بينهما، يكاد بعضها لا يصدق وبخاصة بالنسبة إلى اولئك الذين اعتادوا أن ينزهوا الفن عن المشاعر البشرية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بوجدان صاحب سقف كنيسة سيستينا، ووجدان صاحب التحفة المعنونة “مدرسة أثينا”؟
هم ثلاثة من أكبر فناني عصر النهضة الإيطالية في فنّ الرسم بخاصة. الثلاثة الذين يمكن القول إنهم أعادوا، وكل منهم على طريقته، ليس فقط تنشيط تلك النهضة في ذروتها، بل كذلك إعادة تعريفها بحيث أنتج كل منهم ما يعتبر اليوم بعض أثمن كنوز الفنون الدينية والدنيوية والجامعة بين الإثنين، هم بالطبع مايكل آنجلو وليوناردو دا فنشي ورافائيل
لقد عاشوا في زمن واحد وأبدعوا، والواحد منهم عينه على الآخرين، ووفروا لمؤرخ الفنون النهضوية جورجيو فازاري أكواماً من مواد ومرجعيات مكنته من أن يبوئهم مكاناً سامياً في تراتبيته المتعلقة بتاريخ كبار رسامي النهضة ونحاتيها وعمرانييها.
ومع ذلك يبقى السؤال قائماً وشائكاً في ما يتعلق بما إذا كان فازاري محايداً بين الثلاثة، أو على الأقل بين ذينك منهم، مايكل آنجلو ورافائيل، اللذين ترك لنا فازاري ومدونات التاريخ، حكايات لا تنتهي حول العلاقة بينهما، يكاد بعضها لا يصدق وبخاصة بالنسبة إلى اولئك الذين اعتادوا أن ينزهوا الفن عن المشاعر البشرية، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بوجدان صاحب سقف كنيسة سيستينا، ووجدان صاحب التحفة المعنونة “مدرسة أثينا”؟ كيف بالنوازع الشخصية والمشاعر البشرية التي يخبرنا فازاري، المدافع عن رافائيل على أية حال، أنها اندلعت في وجه آنجلو، تحكمت في العلاقة بينهما، تاركة جانباً دا فنشي الذي كانت له، على أية حال، هموم واهتمامات أخرى، ولم يخض مع أي منهما، أو ضده، تلك العلاقة التي إن خففنا من حكم فازاري عليها، سنجدها على الأقل، ملتبسة وبالمعنى السلبي للكلمة.
بين الكبيرين
غير أن الحكاية يجب أن تبدأ قبل ذلك، في فلورنسا حيث كان التنافس قد بدأ قبل ظهور رافائيل، بين آنجلو ودا فنشي، لا سيما حين كان هذان يرسمان في وقت واحد لوحات “توصية” تاريخية.
ولقد اطلع الشاب رافائيل حينها، ولم يكن قد بدأ يدخل المنافسة بعد، على عمل الإثنين من دون أن يخيّل له أنه سيكون في عدادهما يوماً، بيد أنه أحس بميل ناحية دافنشي، إنسانياً وفنياً. ولكنه انطلاقاً من ذلك التفضيل، سيجد نفسه خلال السنوات التالية على منافسة غير معلنة مع آنجلو، حتى وإن لم تقرّبه تلك المواجهة من الكبير الآخر. ففي حين انصرف رسام “الجوكوندا” إلى شؤونه الخاصة، اقتصادياً، ولكن أيضاً عبر الانخراط في “الاختراعات” والشؤون العسكرية والتعاون السياسي والاستراتيجي مع مكيافيللي، شعر آنجلو أنه ما إن تخلص من ذلك المنافس الكبير حتى وجد منافساً آخر له في شخص رافائيل.
من هنا ما إن انتقل الإثنان إلى روما، على غير اتفاق، حتى راح آنجلو يستشعر خطراً داهماً على عمله، في بروز مواهب رافائيل وقربه من أصحاب الشأن، لا سيما البابا يوليوس الثاني وخليفته ليون العاشر. ونعرف أن مواهب الفنانين كانت قد باتت في يدي هذين. ومن هنا لن يكون غريباً أن نجد بين أوراق آنجلو لاحقاً نسخة من رسالة بعث بها إلى كاردينال ذي نفوذ عام 1542، يعبر فيها عن المرارة التي يستشعر بها إذ بات على يقين من أن “كل صنوف اللا تفاهم التي أحسّ أنها تقوم بين البابا يوليوس وبيني، مردها إلى دسائس رافائيل دوربينو وبرامانتي المحاكة ضدي. إنهما بكل تأكيد يسعيان إلى تحطيم سمعتي ومكانتي، لا سيما منهما، رافائيل الذي لديه أسبابه للإقدام على ذلك، بالنظر إلى أن كل ما يعرفه ويمارسه في مجاله الفني إنما تعود جذوره إلي”.
وقد يكون من المناسب هنا أن نذكر نقلاً عن فازاري نفسه، كيف أن برامانتي، وهو قريب عائلياً من رافائيل، كان قد مكّن هذا الأخير من التسلل إلى داخل كاتدرائية سيستينا خفية للتعلم من إنجاز آنجلو هذا، دقائق وأسرار فنّ هذا الاخير في غيابه. ويذكر فازاري نفسه كيف أن تلك التجربة “مكنت رافائيل من تطوير فنه، لا سيما تعزيز لعبة التعبير عن البعد الدرامي للشخصيات لديه”.
اللقاء في روما
مهما يكن من الأمر يمكننا أن نعود بعض الشيء هنا إلى الوراء، لننطلق في حديث حكايتنا عن “العلاقة” بين آنجلو ورافائيل، من القول إنه كان من المستحيل تقريباً أن يلتقي هذان الفنانان الكبيران في روما في السنوات الأولى من القرن الـ 16، من دون أن تنشأ بينهما علاقة من نوع خاص: ليست صداقة، وليست عداوة صريحة دائماً، وإنما منافسة فنية شديدة اختلط فيها التحدي بالإعجاب. فقد كان الرجلان يعملان في الفاتيكان في الوقت نفسه تقريباً: آنجلو على سقف كنيسة سيستينا، ورافائيل في حجرات القصر البابوي على تلك الجداريات، التي ستصبح من أشهر أعمال النهضة، وقد غذّى هذا التقارب المكاني المنافسة بينهما. هما اللذان كان الفرق بين شخصيتيهما وفنيهما واضحاً، آنجلو، القادم من عالم النحت، كان يرى الجسد الإنساني كتلة من القوة والتوتر، ويمنح شخصياته طاقة تكاد تتجاوز حدود اللوحة، أما رافائيل فكان أكثر ميلاً إلى التوازن والانسجام والوضوح، وإلى تنظيم الشخصيات داخل فضاء يبدو مستقراً حتى عندما يكون الموضوع بالغ التعقيد، ولهذا تحولت المقارنة بينهما سريعاً إلى سؤال أوسع: هل عظمة الفن تكمن في القوة الدرامية أم في الانسجام والجمال؟
تأثر مقصود؟
لعل من أشهر مظاهر هذا “التبادل” أن رافائيل، الذي كان، في ذلك الوقت بالذات، يعمل على لوحته التي ستخلد إلى الأبد بوصفها أعظم لوحة “فلسفية” في التاريخ، “مدرسة أثينا”، بدا متأثراً بما شاهده من أعمال آنجلو في سيستينا. ويقال إنه أضاف إلى اللوحة شخصية هيراقليطس بملامح آنجلو، في ما يمكن قراءته تحية إلى منافسه أكثر مما هو سخرية منه، وهذه الإشارة مهمة لأنها تكشف عن أن المنافسة لم تكن تعني بالضرورة إنكار أحدهما قيمة الآخر.
في المقابل، لم يكن آنجلو ينظر إلى رافائيل باعتباره فناناً قليل الشأن، بل تروي المصادر أنه كان يعترف بعبقريته، حتى وإن ظل شديد الحساسية تجاه نفوذه في البلاط البابوي، من دون أن ننسى هنا على أية حال أن جزءاً من التنافس بين الإثنين قد ارتبط أيضاً بدور المعماري الكبير برامانتي، صديق رافائيل وحاميه، وبالمنافسة على الرعاية البابوية والمشروعات الكبرى.
المنافسة تتوضح
وتبلغ المنافسة مرحلة أكثر وضوحاً عندما دخل آنجلو، بصورة غير مباشرة، في مواجهة مع رافائيل عبر الرسام الفينيسي سيباستيانو دل بيومبو، إذ كان هذا يمده بالرسوم والتصاميم لمنافسة رافائيل. ومن أبرز مظاهر ذلك التنافس المواجهة بين “تجلي المسيح” لرافائيل و”إحياء لعازر” لسيباستيانو.
وهكذا يمكن القول، مع المؤرخين، بخاصة منهم فازاري نفسه، إن “التبادل” بين الرجلين لم يكن تبادلاً مباشراً للكلام أو الرسائل، بقدر ما كان حواراً فنياً بالصورة نفسها: آنجلو يرفع سقف القوة الجسدية والدرامية، ورافائيل يرد عليه بإعادة صياغة هذه القوة ضمن عالم من التوازن والانسجام.
ولعل أجمل ما في علاقتهما أن تاريخ الفن لم يحتج إلى أن يكونا صديقين كي يتحاورا، فقد كان كل واحد منهما، بوجود الآخر، مضطراً إلى أن يحدد بصورة أوضح معنى عبقريته الخاصة. من هنا يمكن بالطبع الانتقال من تلك الأبعاد الفنية في التقاطع إن لم يكن في التنافس بين المبدعين، إلى الأبعاد الشخصية، ويمكننا في هذا السياق، بالتأكيد، الركون إلى فازاري نفسه الذي زامنهما، وربما كان طرفاً في تلك العلاقة.