بين الاندماج والتمترس: معضلة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا
خليل حسين محرر بموقع السفينة
تبدو الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا وكأنها تتحرّك بين مسارين متناقضين: خطاب يتحدّث عن “الاندماج الديمقراطي” ضمن إطار سوري أوسع، وممارسات على الأرض تعكس تمترسًا كسلطة أمر واقع تُصدر قراراتها الخاصة وتدير شؤونها بمعزل عن دمشق. هذا التباين ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس تعقيدات بنيوية داخل التجربة نفسها، بين ضرورات الحكم المحلي، وحسابات الأمن، وضغوط الفاعلين الإقليميين والدوليين.
الحديث عن وجود “كتلة” داخل حزب الاتحاد الديمقراطي، مرتبطة بجناح قنديل، هو طرح متداول في التحليلات السياسية، لكنه يبقى في إطار التفسير أكثر منه حقيقة موثّقة بشكل حاسم. لا شك أن تعدّد مراكز القرار، واختلاف الأولويات بين من يركّز على تثبيت الإدارة الحالية ومن يرى مصلحة في تسوية مع دمشق، يخلق حالة من التذبذب في السياسات. كما أن نشوء شبكات مصالح اقتصادية وإدارية خلال سنوات الحرب يجعل بعض الأطراف أقل حماسة لأي اندماج قد يهدّد مواقعها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي مشروع اندماج مع دمشق يواجه عقبات كبيرة: غياب الثقة المتبادلة، اختلاف نماذج الحكم، والخشية لدى الإدارة الذاتية من خسارة هامش الاستقلال الذي راكمته. هذه العوامل تجعل “الاندماج” فكرة مطروحة نظريًا، لكنها معقّدة عمليًا.
إلى جانب ذلك، يبرز تأثير أفكار ومبادرات عبد الله أوجلان، التي ما تزال تشكّل مرجعية فكرية وسياسية لجزء مهم من بنية الإدارة الذاتية. مفهوم “الأمة الديمقراطية” الذي طرحه أوجلان انعكس بوضوح في نماذج الحكم المحلي، لكن مدى الالتزام العملي بتوجيهاته يظل متفاوتًا، إذ تخضع هذه الأفكار لتكيّف مستمر مع الواقع السوري وتعقيداته. أحيانًا تُستخدم كإطار نظري مرن، وأحيانًا كمرجعية تُضفي شرعية على قرارات سياسية متباينة.
كما أن تطوّرات الوضع في تركيا تلعب دورًا مباشرًا في حسابات الإدارة الذاتية، سواء من ناحية التهديدات الأمنية أو مسار العلاقة مع القوى الكردية عمومًا. أي تغيّر في الداخل التركي—سياسيًا أو أمنيًا—ينعكس سريعًا على سلوك الفاعلين في شمال شرق سوريا، ويدفع نحو التشدد أو المرونة بحسب السياق.
أما إقليميًا، فإن توتّر المشهد في الخليج، واحتمالات التصعيد المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يضيف عامل جديد من التعقيد. أي تصعيد واسع قد يعيد ترتيب الأولويات الدولية في سوريا، ويؤثر على الدعم أو الضغط الذي تتلقاه الإدارة الذاتية، ما ينعكس بدوره على خياراتها بين الاندماج أو الاستمرار ككيان شبه مستقل.
أما إلى متى ستستمر هذه الحالة، فالإجابة مرتبطة بتطوّرات أوسع من الداخل المحلي فقط: شكل التسوية السياسية في سوريا ككل، موازين القوى الإقليمية، ودور الفاعلين الدوليين. طالما لا يوجد إطار وطني جامع واضح، ستبقى هذه “المنطقة الرمادية” قائمة، حيث تتأرجح الإدارة بين خطاب الاندماج وواقع الانفصال النسبي.
بكلمات أخرى، ما يبدو كـ“انفصام” هو في جانب كبير منه انعكاس لواقع سوري عام: سلطات متعددة، مصالح متشابكة، ومستقبل لم يُحسم بعد.