عبد الكريم عمر.
السيد الجنرال!
أكتب إليك، وفي ذاكرتي صورُ الرعيل الأول من شباب الكرد السوريين الذين انخرطوا في الحركة الآبوجية منذ بداياتها؛ أولئك الذين عرفتُ بعضهم عن قرب. شبابٌ تركوا مقاعد دراستهم وجامعاتهم، ومضوا خلف حلمٍ كبير، ولم يعودوا. لم يبقَ منهم إلا أسماءٌ تتردّد في الخطب والذكريات، فيما لا تزال أمهاتهم، حتى اليوم، يجهلن أين قبورهم، ومتى قُتلوا، وأين سقطوا. جيلٌ دفع أثمن ما يمكن أن يُدفع، وبقيت حكايته معلّقة بين الغياب والانتظار، تتنازعها الحقيقة وشعاراتٌ زائفة عن البطولة والتضحية.
أكتب إليك لأنني أراك واحدًا من أولئك، ولأنني ما زلت أحمل لهم الشوق والاحترام، وأحمل لتضحياتهم معنىً لا يُختزل في خطاب، ولا يُستهلك في شعار.
أكتب إليك رغم اختلافي العميق مع الفكر الذي حملته؛ إذ لم أستطع يومًا أن أرى فيه جانبًا إيجابيًا، وكنت ولا أزال أراه فكرًا يستلب الإنسان وعواطفه، ويختزل القضايا الكبرى في قوالب جامدة. ومع ذلك، لم أكرهك يومًا، ولم ينقص احترامي لك كشخص. أحترم فيك أسلوبك في العمل، وفي الحوار، وفي التعاطي مع الآخرين، وأحترم لغتك البسيطة وما تعكسه من حضورٍ وثبات. وأرى فيما تقوم به، وما قمتَ به من صلحٍ ومعاهدات مع الحكومة السورية، خيرًا للطرفين. وكأنني أرى، كما يرى كثيرون من أبناء الشعب الكردي، في شخصك فرصةً لدورٍ مهم؛ دورٍ لا يترك للخصم مجالًا ليكرهك أو لينبذ شعبك، وتلك قمة النجاح في العمل السياسي. واريد التأكيد ان هذا النقد موجّه للفكر والممارسة السياسية، لا للناس ولا لمشاعرهم، التي أكنّ لها الاحترام.
في بدايات الأحداث، وعند الهجوم الذي خُيّل أنه موجّه إلى المناطق الكردية، نشأ شعورٌ قوميّ إيجابيّ ديمقراطيّ، التفّت حوله الأمة الكردية في كل مكان. كان هناك التفافٌ نادر، وإحساسٌ بأن لحظةً تاريخية تُكتب. ولم يكن استعدادك أنت ورفاقك للتضحية وحده هو الذي أوقف الانهيار، بل تلك الهبّة القومية العارمة، والاستعداد الذي أظهره الملايين من أبناء الأمة الكردية لمناصرتكم.
غير أنني، وأصارحك القول، لم أشارك الآخرين ذلك الشعور بالكامل؛ لأنني كنت أرى أن ما سيجري لاحقًا في القامشلي وغيرها كان واضح الملامح. كنت أرى أن رفاقك لا يؤمنون إلا بحزبهم وقائدهم، ولا يثقون بأحد خارج دائرتهم. كانوا في قمة البراغماتية النفعية في تعاملهم مع مشاعر الأمة الكردية؛ يوظفونها حين يحتاجونها، ثم يعيدون الأمور إلى إطارهم الضيق. حتى حين كانوا يرفعون العلم الكردي، بدا الأمر وكأنه فعلٌ ثقيلٌ عليهم، سرعان ما يعودون بعده إلى السيمفونية القديمة: سيمفونية الانغلاق الفكري والشعبوية الأيديولوجية.
واليوم، يعود المشاهد القديمة ذاته: كرنفالات «لا حياة دون القائد»، وصورٌ تُرفع، وعناوين تتصدرها أقوالٌ جوفاء، وأبواقٌ إعلامية تمنح المشهد هالةً من القدسية، وتُضفي على الجمود الأيديولوجي طابعًا شبيهاً بالنزمت الديني. يغيب عنهم أن كل قداسةٍ تُبنى بهذه الطريقة تُنتج، في المقابل، شيطنةً للآخر، وأن المجتمعات لا تُبنى على التأليه، بل على النقد والمساءلة.
كنا نظن أن تلك الأزمة مع الدولة السورية خلال الشهرين الماضيين شكّلت فرصةً لمراجعةٍ حقيقية؛ خفّت فيها الشعارات الضيقة، وارتفعت نبرة التسامح. لكن ما جرى بعد تلك المرحلة، وطريقة تعاطي حزبك السياسي والعملي مع الأحزاب والقوى الكردية الأخرى، وانفرادكم حتى الآن بجميع المكاسب السياسية، أثبتت لي أن تلك الروح لم تكن موجودة في رؤية حزبك ونهجه، بل كانت تعبيرًا عن النفس الديمقراطي الإنساني الأصيل في قضية الشعب الكردي.
أما الآن، فتعود أيديولوجية القائد المعصوم، ويعود شعار «لا حياة دون القائد الذي لا يخطئ». هذا النمط من الفكر جرّبته البشرية طويلًا، ودفعت ثمنه دمًا وسجونًا واستبدادًا. وأخشى أن تتآكل الثقة التي بدأت تُبنى، وأن تضيع فرصةٌ تاريخية وُضعت بين يديك.
أراك في المحافل الدولية تفاوض على أعلى المستويات، وتدخل أرفع أندية السياسة في العالم. لكن الصورة في الأزقة، في القامشلي وعامودا وديريك، مختلفة. هناك فجوةٌ واضحة بين المنصات الكبرى التي تلعب فيها أدوارك، والتفاصيل اليومية التي تعكس أن الفكر المتزمت لا يزال مسيطرًا: خطابٌ منفتحٌ في الخارج، وممارسةٌ منغلقةٌ في الداخل. هذه الازدواجية لا يمكن أن تستمر طويلًا دون أن تُنتج أزمة.
أما آن لك أن تبدأ بالعمل من أجل مصالح الناس اليومية، وأن تنشغل بكيفية بناء الطرق والمستشفيات والمدارس، والمؤسسات التي تحفظ كرامة الناس وتحسّن حياتهم، بدلًا من إلهائهم بشعاراتٍ من قبيل «الحرية للقائد»؟ إن الشعوب لا تعيش بالشعارات، بل بالخدمات والعدالة والفرص والعمل. الأولوية اليوم ليست لتقديس الأشخاص، بل لبناء الإنسان والمؤسسة؛ ليست لإعادة تدوير الرموز، بل لتثبيت أسس حياةٍ كريمةٍ وآمنة.
إن لم تُعَدّ الحسابات، فإن المشهد لا يبشّر بالخير. أخشى أن تتطور دمشق في اتجاهٍ ما، بينما تتقوقع مناطقنا في دائرة الشعارات، فنجد أنفسنا أمام فجوةٍ تتّسع مع الزمن، لا بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب اختلاف الخيارات.
أعلم أن القيود كثيرة، وأن مراكز القرار المرتبطة بجبال قنديل لا تسمح بسهولة بالخروج عن الخط المرسوم. وأعلم أن من حاولوا قبلك سلوك طريقٍ مختلف عن خط الحزب ونهجه تعرّضوا لأبشع أنواع التنكيل. لكن اللحظات التاريخية لا تنتظر المترددين.
لهذا أقول لك بوضوح: إن الخطوة الأولى والأساسية هي القطع الكلّيّ والتامّ مع أيديولوجية عبد الله أوجلان ونهجه. فإذا كان عبد الله أوجلان نفسه قد سار في اتجاهٍ مغايرٍ لمعظم ادعاءاته القديمة، فتنازل عن شعار تحرير وتوحيد كردستان، وتخلّى عن أسلوب الكفاح المسلح حتى التحرير، وحلّ حزبه، وسار بعكس كثيرٍ مما بشّر به في بداياته، أفلا يحين لك أيضًا أن تدرك أن هذا الفكر وهذا النهج قد استنفدا مبرراتهما التاريخية؟ أفلا يكون واضحًا أن الاستمرار في تدوير الشعارات القديمة لا يخدم القضية، بل يُبقي الناس أسرى رمزيةٍ متكلّسة؟
آن الأوان لترك هذا النهج كليًا، والكفّ عن استغلال مشاعر الناس في تأليه شخصٍ أو تحويله إلى مرجعيةٍ فوق النقد. فالمجتمعات الحرة لا تبني مستقبلها على التأليه، بل على العقل والمؤسسات والمساءلة.
كفى شعارات. آن أوان العمل والبناء.
ولك خالص التمنيات بالنجاح.