«بين صمت الأمس وتصعيد اليوم: قراءة نقدية في مواقف القوى الكردية من سوريا الجديدة»
خليل حسين محرر بموقع السفينة
من حق أي قوة سياسية أن تختار المشاركة أو المقاطعة، لكن من حق السوريين أيضاً أن يتساءلوا عن المعايير التي تُبنى عليها هذه المواقف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقوى الكردية التي تتخذ اليوم خطاباً متشدداً تجاه المرحلة السياسية الجديدة في سوريا، بعد أن كانت لعقود طويلة جزءاً من المشهد الانتخابي والسياسي في ظل نظام الأسد، دون أن تُظهر الموقف ذاته من الاستبداد والقمع الذي عانى منه الجميع، وفي مقدمتهم الكرد أنفسهم.
فإذا عدنا إلى سنوات حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، نجد أن معظم الأحزاب والقوى الكردية شاركت في الاستفتاءات والانتخابات التي نظمها النظام السوري، رغم أنها كانت انتخابات شكلية تفتقر إلى الحد الأدنى من النزاهة والحرية. لم تكن تلك القوى ترفع آنذاك شعارات المقاطعة أو إسقاط الشرعية، رغم سياسات الإقصاء والحرمان التي مورست بحق الكرد لعقود، من الإحصاء الاستثنائي إلى التعريب والاعتقالات والقمع الأمني.
أما اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، وفي ظل مرحلة انتقالية جديدة تفتح المجال – ولو جزئياً – أمام الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية للكرد وبقية المكونات السورية، نشهد خطاباً تصعيدياً ومواقف متشددة من بعض تلك القوى، وكأن المشكلة لم تكن يوماً مع الاستبداد نفسه، بل مع تغيّر موازين النفوذ والسلطة.
وهنا يظهر التناقض بوضوح: لماذا لم تتخذ هذه القوى المواقف ذاتها في ذروة القمع الأسدي؟ ولماذا أصبح سقف الخطاب السياسي مرتفعاً فقط بعد سقوط النظام وظهور هامش من الحرية السياسية والإعلامية؟ أليس من الطبيعي أن يثير هذا السلوك شكوكاً حول حقيقة الدوافع الكامنة خلف المقاطعة الحالية؟
الأمر الأكثر وضوحاً أن جزءاً كبيراً من هذه المواقف بات مرتبطاً بشكل مباشر بسياسات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي يهيمن فعلياً على القرار السياسي والعسكري داخل مناطق الإدارة الذاتية. فالمقاطعة هنا لا تبدو دائماً نابعة من رؤية وطنية مستقلة، بقدر ما تبدو انعكاساً لحسابات حزبية وإقليمية مرتبطة بمشروع الإدارة الذاتية وتوازناتها، حتى وإن جاء ذلك على حساب فرص التفاهم الوطني السوري.
وفي المقابل، يمكن ملاحظة اختلاف واضح في سلوك المجلس الوطني الكردي، الذي اختار المشاركة في العملية السياسية والانتخابية بمعزل عن سياسات الإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي. هذا الموقف يعكس – إلى حد ما – رؤية مختلفة تقوم على الانخراط في مؤسسات الدولة السورية الجديدة والسعي لانتزاع الحقوق عبر العمل السياسي والحوار، لا عبر سياسة المقاطعة الدائمة أو فرض الأمر الواقع.
ورغم كل الملاحظات التي يمكن توجيهها للمجلس الوطني الكردي، فإن مشاركته السياسية تكشف أن الساحة الكردية ليست كتلة واحدة، وأن هناك قوى كردية تؤمن بإمكانية التفاهم الوطني ضمن إطار سوريا موحدة، بعيداً عن سياسات الهيمنة الحزبية أو الارتهان للمشاريع الإقليمية.
إن سوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى بالعقلية ذاتها التي كرّست الانقسامات في الماضي، ولا بتحويل قضية الحقوق القومية إلى أداة ضغط ظرفية تُستخدم وفق تبدّل المصالح السياسية. المطلوب اليوم موقف مبدئي ثابت من الاستبداد والانتهاكات، سواء صدرت من النظام السابق أو من أي قوة أمر واقع جديدة.
فالسوري، سواء كان كردياً أم عربياً أم سريانياً أم آشورياً، يريد شراكة وطنية حقيقية قائمة على الوضوح والصدق السياسي، لا على ازدواجية المعايير؛ حيث يصبح الصمت مقبولاً في زمن الديكتاتورية، بينما ترتفع الأصوات فقط عندما تتغير موازين القوة والنفوذ.