بقلم: إبراهيم الحامد
أيُّ دولةٍ تلك التي تحتاج إلى دور العبادة لتثبت سيادتها؟ وأيُّ سلطةٍ تلك التي تعجز عن فرض القانون والمؤسسات، فتبحث عن شرعيتها في المسجد وتحريك الشارع بالمهمشين التي تنتشر أجسادهم الفقر والجوع ، و الذين يسكنون في عشوائيات مهمشة تفتقر لكل ما يمت بالمدنية والتحضر بصلة ؟ هؤلاء بحاجة لمن يرفع الغبن الاجتماعي والمعيشي عنهم ، ويرسلهم لمراكز التوعية الاجتماعية ومراكز تعلم المهن وتأمين العمل لهم ، لا إلى افلاتهم في الشوارع وتلقينهم الشعارات السياسية لتكون غطاء للعبث ونهب وسلب الممتلكات العامة والخاصة لكسب ما يسكت جوعهم .
في سوريا اليوم، لم يعد الصراع على الأرض السورية شأناً سورياً محضاً. فبعد سنوات الحرب والدمار، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، وإلى موقع تتنافس عليه مشاريع النفوذ وخطوط التجارة والطاقة والممرات التي تبحث القوى الكبرى عن بدائل لها في ظل احتدام صراعاتها، ومنها الصراع الأميركي–الإيراني الممتد إلى الداخل السوري اليوم . والخطر الأكبر أن تتحول سوريا، مرة أخرى، إلى ممر وميدان لتصفية حسابات الآخرين، وأن يدفع الشعب السوري ثمن هذه المشاريع من أمنه ووحدته وقوته ومعيشته.
في هذا الواقع، تتقاطع مطالب السوريين، بمختلف انتماءاتهم السياسية والقومية والاجتماعية، حول قضايا واضحة: استعادة سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية، حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، إنهاء مظاهر الانفلات الأمني، و تحرير الثروة الوطنية من سطوة تجار الحروب وقوى الفساد وحماية الممتلكات العامة والخاصة ومكافحة الفساد و تحسين الوضع المعيشي ،هذه مطالب شعبية مشروعة، لكنها في دولة يفترض أنها تتجه نحو الاستقرار، يجب أن تتحول إلى مسؤوليات مؤسساتية تنفذها السلطة بالقانون، لا أن تجعلها بمثابة حقً يراد به الباطل ، وتحول دور العبادة إلى منصات سياسية أو قومية، ووسيلة لشحن الطائفي والقومي، وخلق صراعات فيما بين الشعب السوري .
من هنا ننظر بقلق بالغ إلى ما تشهده الحسكة من مظاهرات تخرج عقب صلاة الجمعة تحت شعار بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية. فالمطالبة بوحدة البلاد وسيادة القانون حق لا خلاف عليه، لكن تحويل هذا الحق إلى خطاب تحريضي يستهدف الكرد أو هويتهم ورموزهم، تحت عنوان مواجهة «قسد»، والتي تسير في طريق الاندماج مع سلطة أمر الواقع هذا من جهة ومن جهة أخرى إن ” قسد ” ليست كردية صرفة ، يعني عملياً تحويل قضية وطنية إلى صراع قومي ، وهنا يكمن الخطر.
السوريون اليوم ليسوا بحاجة إلى حرب عربية–كوردية، والتي لم تحدث في التاريخ المشترك البعيد والقريب بين العرب والكرد ، وليسوا بحاجة لإعادة إنتاج خطاب الشوفينية والعنصرية الذي دفع البلاد إلى الكارثة. الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، والعرب ليسوا خصوماً لهم، ووحدة سوريا لا تعني إلغاء تنوعها، كما أن الاعتراف بالتنوع والحقوق لا يعني تقسيم البلاد ،ولأن السيادة الحقيقية لا تكون ضد أي جزء من الشعب، بل أن تكون فوق الجميع وعلى الجميع وبالقانون .
والأخطر من ذلك ، هو أن يُستحضر الفتنة القومية في هذا التوقيت، والتي تخدم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة -القوى التي تريد تحويل سوريا إلى ساحة نفوذ وممر بديل في صراعات المنطقة، بينما يجري إبعاد الأنظار عن السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن السيادة الوطنية والفقر والجوع وغلاء الأسعار والبطالة وانهيار الخدمات والاستيلاء على أملاك السوريين؟ لماذا يُراد للسوري الفقير أن ينشغل بجاره العربي أو الكوردي، بينما تتسلط نفوذ أجندات القوى الخارجية ،وتتسع دائرة الفقر والنهب والفساد؟ ولماذا يجري دفع الناس إلى حروب هويات ما دون الوطنية ، في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى الخبز والعمل والكهرباء والماء والتعليم والصحة والأمن؟
فلا تعبثوا بنار الفتنة ! لأنها ستلتهم الأخضر واليابس ولن ينجوا منها أحد.
وهذا برسم سلطة الأمر الواقع في دمشق ، وهي تتحمل مسؤولية مباشرة في منع أي جهة من توظيف مؤسسات الدولة أو دور العبادة أو الشارع لإشعال الفتنة. وعليها أن تكشف بوضوح الجهات التي تقف خلف التحريض، وأن تحاسب كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو انتماؤه ، كما أن المطلوب ليس الاكتفاء بالبيانات، بل اتخاذ إجراءات عملية واضحة:
• منع استخدام المساجد ودور العبادة للتحريض القومي والسياسي وبث الكراهية.
• حماية حق السوريين في التظاهر السلمي والمطالبة بحقوقهم المعيشية والسياسية.• تنفيذ التفاهمات بين السلطة و«قسد» بما يضمن حقوق جميع السوريين ويغلق أبواب الصراع.
• فتح تحقيق مستقل وشفاف في حملات التحريض ومحاسبة المسؤولين عنها.
• حماية الممتلكات العامة والخاصة ووقف عمليات الاستيلاء عليها تحت أي ذريعة.
• توجيه اهتمام الدولة إلى الفقر والغلاء والبطالة والفساد بدلاً من صناعة أعداء داخليين.
• إطلاق حوار وطني عربي–كردي من جهة لضمان الحقوق المشروعة للشعب الكوردي في سوريا ، ومن جهة ثانية حوار السوري – السوري لبناء ميثاق عهد جديد على أسس التعايش والمواطنة المتساوية ووحدة سوريا.
إن محاولة – بعض من كانوا- المستفيدين من المرحلة السابقة وفقدوا امتيازاتهم ، أو بعض القوى الإقليمية التي تبحث عن أدوات محلية، إعادة إنتاج الانقسامات القديمة ليست قدراً محتوماً على السوريين. ومن الخطأ أن تسمح السلطة بتحويل غضب الناس المشروع من تردي أوضاعهم إلى غضب ضد بعضهم البعض، فـالمعركة الحقيقية ليست بين العربي والكردي، ولا بين غيرهم من الشعب السوري، بل بين مشروع دولة المواطنة وسيادة القانون من جهة ،ومشاريع الفوضى والنهب والارتهان للخارج من جهة أخرى ، فلا تجعلوا سوريا ساحة لحروب القوى الكبرى وتصفية حساباتها ، ولا تجعلوها ورقة في صراعات الإقليم، ولا أن تكون غنيمة للقوى المحلية، سوريا للسوريين جميعاً. والسيادة التي نريدها هي سيادة الدولة على أرضها وثرواتها وقرارها، لا سيادة فئة على فئة. والوحدة الوطنية التي نحتاجها لا تُبنى بالمساجد ولا بالشعارات القومية ولا بالتحريض، وإنما بالعدالة والمواطنة المتساوية والخبز والعمل والحرية وسيادة القانون. لذلك نقولها بوضوح: لا تعبثوا بنار الفتنة ! فالفتنة العربية–الكوردية لن ينجو منها أحد، و لن تحمي سوريا موحدة ،وإنما ستفتح أبوابها أمام مشاريع الخارج والتقسيم، وتمنح الفاسدين وتجار الحروب فرصة جديدة لنهب ما تبقى من البلاد. لا لحرب عربية–كردية ، لا للتقسيم، لا للتحريض، ولا لتحويل سوريا إلى ساحة صراع على الممرات والنفوذ.
نعم لسوريا موحدة لا مركزية ، ديمقراطية، مستقلة، لجميع أبنائها و لجميع القوميات والأديان التي يتشكل منها الشعب السوري اليوم في بلد متعدد الثقافات.