في السياسة الدولية، الفارق بين التراجع التكتيكي والفخ الإستراتيجي يظهر فقط بعد أن تنغلق المصيدة. حين وقّع الدبلوماسيون الأميركيون والإيرانيون على مذكرة التفاهم في حزيران/يونيو الماضي، صعد المسؤولون في طهران إلى شاشات التلفزيون وأعلنوا الانتصار. رُفعت الأعلام. تبادل قادة الحرس الثوري التهاني. وصفت وسائل الإعلام الإيرانية الاتفاق بأنه “اعتراف أميركي بقوة إيران” و”إذعان لشروط الجمهورية الإسلامية”. بدت الصورة مكتملة في مشهديتها الانتصارية.
لم يكن ترامب في تلك اللحظة يبتسم أمام كاميرات وسائل الإعلام الغربية. لكن من كان يقرأ بين السطور بعيدا عن تصريحاته المسرحية كان يرى شيئا مختلفا تماما: رجل أعطى خصمه حبلاً وانتظر بصبر أن يستخدمه.
في قمة الناتو التي انعقدت في أنقرة، أعلن ترامب أن مسار التفاهم مع إيران “وصل إلى نهايته”. لم يكن اختيار المكان والتوقيت مصادفة، وهذا بالضبط هو مفتاح قراءة الإستراتيجية الأميركية.
أنقرة ليست واشنطن. إعلان كهذا من قلب حلف الناتو، وسط الحلفاء الغربيين، يحمل رسالة محكمة: واشنطن ليست وحدها، والموقف ليس أميركيّا انفراديّا بل تحالفيّ. كانت الرسالة المُشفَّرة تقول لطهران: لقد أعطيناك فرصة للخروج الكريم، وأنت اخترت استخدام هذه الفرصة لتوسيع برامجك وتصعيد خطابك وفرض شروط جديدة. الآن انتهت رحلة المرونة.
التفاهمات التي أُبرمت في الأشهر السابقة كانت هشّة من اليوم الأول في مضمونها لكن صلبة في وظيفتها: لم تكن غاية في حد ذاتها، بل آلية لكشف ما ستفعله إيران حين يُمنح لها هامش من الاعتراف الدولي. هل ستُترجم التهدئة إلى تغيير سلوكي حقيقي؟ أم ستُفسّرها قيادة الحرس الثوري على أنها اعتراف بقوتها يمكّنها من المطالبة بالمزيد؟
أجابت طهران عن هذا السؤال بسلوكها أكثر مما فعلت بكلامها. خلال أسابيع من التوقيع، لم تتوقف عمليات التهديد البحري في مضيق هرمز، ولم تُجمَّد الشبكات الإقليمية الموالية لها، ولم تُوقَف برامج التخصيب عند الحدود المتفق عليها. كانت طهران تفعل ما اعتادت عليه: تأخذ ما أُعطيت وتطالب بالمزيد في آنٍ واحد.
لفهم ما جرى علينا مقاومة إغراء التفسير السطحي الذي يرى التفاهم الأميركي-الإيراني انتصارا لطهران ثم التفاجؤ بتراجع ترامب عن موقفه. هذه القراءة تُسقط من حسابها شيئا جوهريا: ترامب لا يُبرم صفقات ليُحترم، بل يُبرمها ليرى كيف يتصرف الطرف الآخر.
ترامب لم يتراجع أمام طهران بل أرخى الحبل ليشدّه لاحقًا؛ منح النظام الإيراني مساحة اختبار فحوّلها إلى فخّ سياسي واقتصادي كشف حدود عناده
منذ ولايته الأولى، طوّر ترامب ومستشاروه منطقا تفاوضيا محددا: أرخِ القيود قليلاً ثم راقب. الخصم الذي يُترجم التخفيف إلى ضبط نفس وانخراط جدي يُكافأ باستمرار الحوار. أما الخصم الذي يُترجم التخفيف إلى توسع وتصعيد وفرض شروط جديدة، فإنه يُوفّر لواشنطن ذريعة لا تُدحض أمام المجتمع الدولي.
هجمات الناقلات والتهديدات البحرية التي شهدها مضيق هرمز خلال فترة التفاهم لم تكن تفصيلاً في ملف ثانوي. كانت وثيقة اتهام تُكتب بطريقة إيران نفسها. كل حادثة توثّقها أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية والأوروبية أضافت سطراً إلى الملف الذي كان يُعدّ في الغرف المغلقة: طهران لا تُريد الاستقرار، بل تُريد التفاوض مع استمرار الضغط. هذا مرفوض.
ما أعطى واشنطن قوة استثنائية في هذه اللحظة هو أن الذريعة لم تكن أميركية الصنع، بل إيرانية المصدر. لم تضطر الإدارة إلى اختلاق أسباب للتراجع عن التفاهم، بل كان كافيا أن تُوثّق ما تفعله طهران بنفسها. وهذا بالضبط هو مغزى الجملة: ترامب أعطاها الحبل، وطهران طوقته على عنقها بنفسها.
المشكلة الحقيقية في طريقة إدارة إيران لتفاهم حزيران/يونيو لم تكن في التفاصيل التقنية، بل في الخطأ الإستراتيجي الأعمق: النظام الإيراني بنى مصداقيته الداخلية على صورة الصمود في مواجهة الضغط الغربي، إلى درجة أنه أصبح من المستحيل عليه مؤسسيا أن يُقدّم أي اتفاق بوصفه تسوية حقيقية دون أن يُفقد قيادييه هيبتهم أمام قواعدهم.
هذه الديناميكية الداخلية دفعت قيادة الحرس الثوري إلى المطالبة بشروط لا تستطيع واشنطن قبولها، وتصعيد لغة المواجهة حتى في الأسابيع الأولى من التفاهم. الخطاب الداخلي الإيراني الذي صوّر الاتفاق كانتصار كان يُصعّب على أي مسؤول إيراني بعد ذلك القبول بأي مرونة دون أن يبدو متناقضاً مع ما قيل لشعبه.
الغطاء الدبلوماسي الذي كانت تحظى به طهران من بعض القوى الأوروبية وروسيا والصين بدأ يتآكل تدريجيا. فالحليف الذي يجد صعوبة في الدفاع عن شريك يُشارك في التفاوض ويُصعّد العمليات في الوقت ذاته ليس حليفا قادرا على الدفاع بفاعلية. موسكو وبكين لهما مصالح خاصة في إبقاء إيران تحت الضغط الغربي إلى حد معين، لكنهما لا تُريدان الارتباط بعرقلة كاملة لمنظومة الأمن الدولي في منطقة حساسة.
النتيجة المباشرة لهذا كله هو أن إيران تجد نفسها اليوم في مواجهة ضغوط مزدوجة تجمع بين العسكري والاقتصادي، دون أن تمتلك من الغطاء الدبلوماسي ما يكفي لامتصاص هذا الضغط. العقوبات التي عاد ترامب إلى تطبيقها بصرامة تستهدف قطاعات النفط والبنك المركزي والمعاملات المالية الدولية. وكل يوم تستمر فيه هذه العقوبات دون تسوية يزيد من تآكل الاقتصاد الإيراني الذي كان يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية قبل أي عقوبات.
انهيار مسار التفاهم لا تقتصر تداعياته على العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران. منطقة الخليج كلها تتنفس إيقاع هذا التوتر وتستشعر ارتداداته.
أسواق الطاقة أول من يُرسل إشارات القلق. خطوط الشحن في مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي خمسة وعشرين في المئة من تجارة النفط العالمية باتت تعكس أقساط تأمين أعلى وترددات شركات الشحن في إرسال ناقلاتها دون ضمانات أمنية إضافية. أسعار النفط تُسجّل ارتفاعات متقطعة تعكس مخاوف من اضطراب في الإمداد، وهو ضغط اقتصادي تستشعره أوروبا وآسيا قبل أن تستشعره الولايات المتحدة.
الحبل الذي مُدّ لإيران لم يكن طوق نجاة بل أداة نهاية اختارت أن تشدّها بنفسها لتتحول لحظة الانتصار إلى بداية السقوط
دول الخليج العربية التي كانت تُراقب مسار التفاهم بعيون قلقة وجدت في إعلان أنقرة ما يُقرّب الموقف الأميركي من هواجسها. الرياض وأبوظبي لم تُخفيا قلقهما من أن يُفضي أي تفاهم مع إيران يتجاهل الملف الإقليمي إلى اعتراف ضمني بنفوذ طهران في اليمن ولبنان والعراق. إعلان ترامب أن المسار وصل إلى نهايته جاء بعد تشاور مكثف أجرته الإدارة مع حلفائها الخليجيين، وهو ما يُعطي الخطوة الأميركية غطاءً إقليميا تفتقر إليه أي خطوة أحادية الجانب.
الحلفاء الأوروبيون في المقابل يجدون أنفسهم في موقف دقيق. الفرنسيون والبريطانيون والألمان كانوا يفضّلون استمرار الحوار مع طهران، لكن السلوك الإيراني خلال فترة التفاهم أضعف حجتهم الداخلية بأن الانخراط يُنتج تغييرا في السلوك. لم يتركهم ترامب في موقف محرج، بل وفّرت لهم إيران مادة كافية لتبرير وقوفهم إلى جانب واشنطن دون أن يبدو الأمر إذعانا للضغط الأميركي.
ثلاثة مسارات تبدو ممكنة أمام طهران في المرحلة المقبلة، لكن الاحتمالات لا تتوزع بالتساوي.
المسار الأول هو العودة إلى الطاولة بشروط مختلفة، أي القبول بمحادثات تشمل الملف الصاروخي والنفوذ الإقليمي إلى جانب الملف النووي. هذا المسار يستلزم من القيادة الإيرانية مراجعة ذاتية جدية لكيفية تقديم أي تنازل لقواعدها الداخلية دون أن تبدو منكسرة، وهو تحدٍّ سياسي داخلي لا يقل صعوبة عن التحدي الخارجي.
المسار الثاني هو التصعيد المتعمد لإعادة رسم قواعد اللعبة، أي الضغط على نقاط حساسة كمضيق هرمز أو تجاوز عتبات التخصيب المعلنة أو الضغط عبر الوكلاء الإقليميين. هذا المسار محفوف بمخاطر جسيمة في لحظة بات فيها الغطاء الدبلوماسي الدولي أقل سخاءً مما كان عليه في فترات سابقة.
المسار الثالث هو المراوحة: الاستمرار في سياسة الصمود دون تصعيد حاد ودون انفراج حقيقي، وإدارة الضغوط الاقتصادية بالأدوات المعتادة من تهريب النفط والتحايل على العقوبات. هذا المسار أقل الخيارات دراماتيكية لكنه الأكثر كلفة على المدى الطويل.
حين تنظر قيادة طهران اليوم إلى الأشهر الماضية، تجد أن كل ما فعلته في فترة التفاهم كان تضخيما لمواطن ضعفها بدل استثمار هامش الفرصة الذي أُتيح لها. أعطاها ترامب متسعا دبلوماسيا لم تستخدمه للبناء بل للمطالبة. أعطاها هامشا أمنيا لم تترجمه إلى ضبط نفس بل إلى مزيد من الاستفزاز. وأعطاها فرصة للخروج الكريم من دائرة العزلة لم تُدرك قيمتها إلا حين أُغلقت.
الحبل الذي مُدّ لإيران لم يكن طوق نجاة، بل كان أداة النهاية التي اختارت أن تشدّها بنفسها. ترامب لم يتراجع، كما توهّم المحتفلون في طهران. كان يمارس أقدم حيل السياسة الدولية: أعطِ خصمك ما يريد لفترة كافية ليثبت للعالم أنه لا يستحقه.
السؤال الذي يبقى مفتوحا ليس ما إذا كانت إيران ستشعر بثقل الضغط المتجدد؟ فذلك شبه مؤكد. السؤال هو هل تمتلك القيادة الإيرانية القدر الكافي من البراغماتية لتُميّز بين الصمود الإستراتيجي والعناد الانتحاري؟ التاريخ يُعلّمنا أن الدول التي لا تُفرّق بين الاثنين تدفع الثمن مدة طويلة بعد أن تنتهي اللحظة التي كان يمكن فيها الخروج بأقل الخسائر.