تركيا باتت تجد نفسها في موقع قوّة إزاء الحزب وجميع الحركات الكردية سواء أكانت مسلّحة أو ناشطة في الحقل السياسي، بفعل التطورات التي جرت في المنطقة وآلت إلى مصلحتها.
العمادية (إقليم كردستان العراق)- لا تبدو تركيا على الرغم من التقدّم في عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني بصدد التخلي عن خيار القوة العسكرية والتعويل على الخيار السياسي في إغلاق ملف الصراع المزمن مع الحزب، حيث تواصل آلتها العسكرية عملها في محاصرة مقاتليه وضرب مواقع تمركزهم في ملاذاتهم بالمناطق الجبلية الوعرة بإقليم كردستان العراق، جنبا إلى جنب توسيع حضورها في تلك المناطق وتدعيمه ببنى تحتية ووسائل لوجستية توحي باستعدادات لبقاء طويل الأمد هناك بغض النظر عن تقدّم المسار السلمي وإمكانية اكتماله.
وباتت تركيا تجد نفسها في موقع قوّة إزاء الحزب وجميع الحركات الكردية سواء المسلّح منها أو العامل في الحقل السياسي، بفعل التطورات التي جرت في المنطقة وآلت لمصلحتها على غرار ما حدث في سوريا التي بات يحكمها نظام جديد على علاقة وثيقة بأنقرة وقد نجح في تفكيك بنية الحكم الذاتي الكردي الناشئ في شمال شرق البلاد وتمكنت قواته من استعادة المناطق التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية أحد أقوى الكيانات الكردية.
وفي العراق المجاور نجحت تركيا في نسج علاقات مصلحية متينة مع السلطات الاتحادية وأيضا مع سلطات الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق ما جعل السلطتين أكثر تعاونا مع أنقرة في مواجهتها مع حزب العمال الكردستاني الذي صنّفته بغداد كيانا غير شرعي غير مرغوب في وجوده على الأراضي العراقية.
وعلى هذه الخلفية تجد تركيا فرصة كبيرة في حسم نهائي وجذري لملف الصراع عبر مسار مزدوج سياسي وعسكري يكون السلام فيه مجرّد خيار تكتيكي.
وتظهر التحركات العسكرية التركية على أرض كردستان العراق هذا الازدواج، حيث ورد في تقرير “لفريق صناع السلام المجتمعي” “سي بي تي” المنظمة التي تخصص جزءا من عملها للإقليم، أنّه بعد مرور ستة أشهر تقريبا دون أي قصف أو هجمات من جانب القوات التركية في كردستان العراق، وذلك بفعل مفاوضات السلام الجارية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، شنت تركيا ثلاث غارات جوية على قرية خنيرة التابعة لمديرية سيدكان، وفجرت عبوة ناسفة في قرية غالي راشوا، التابعة لناحية درالوك في محافظة دهوك، الأمر الذي يؤكّد، بحسب معدّي التقرير، على هشاشة عملية السلام المستمرة حيث يواصل الطرفان حشد قواتهما، وتوسيع شبكات الطرق والأنفاق العسكرية وبناء قواعد عسكرية جديدة وتعزيز القواعد القائمة.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، أكملت القوات التركية توسيع شبكات الطرق العسكرية وقدراتها اللوجستية، لا سيما في مديرية عامي، بهدف إنشاء منطقة عازلة لوجودها العسكري في المنطقة، وربطت جميع القواعد العسكرية في الزاب وأفاشين ومتينا وبيرواري بالا عبر طرق مُنشأة حديثا، وأنشأت ثلاثة مجمعات عسكرية تضم مستشفى ومركز تدريب وقواعد مدفعية.
يُرجّح أن يكون الهدف من المنطقة العازلة هو ضمان عدم اعتماد التحركات العسكرية والنقل على الطرق العامة للوصول إلى المنشآت العسكرية.
وتقع نقطة الدخول الرئيسية في وادي غالي راشوا، ويمكن الآن الوصول إلى جميع القواعد العسكرية في المنطقة عبر هذه النقطة. ولتأمين المنطقة، قام جنود أتراك، في السادس من فبراير الجاري باستخدام معدات بناء، بزرع ذخائر متفجرة على سفوح الجبال لإنشاء طريق عسكري.
تركيا باتت تجد نفسها في موقع قوّة إزاء الحزب وجميع الحركات الكردية سواء المسلّح منها أو العامل في الحقل السياسي، بفعل التطورات التي جرت في المنطقة وآلت لمصلحتها
وعلاوة على ذلك أُزيلت مساحات واسعة من الغابات في المنطقة لإنشاء شبكة الطرق العسكرية ونقطة الدخول. وفي اليوم التالي، وكجزء من تدريب عسكري بالتزامن مع إقامة المنشآت العسكرية الجديدة، حلّقت طائرات هليكوبتر فوق المنطقة وأطلقت قنابل مضيئة سقطت على الجبل. وألحقت الانفجارات أضرارا بمعلمين تاريخيين بارزين في المنطقة بما في ذلك جسر دوشاو الذي بُني خلال العصر العباسي.
وبالإضافة إلى ذلك، يقول تقرير فريق السلام، قصفت القوات التركية في الثالث عشر من فبراير الجاري مناطق قرب مرتفعات خنيرا في قضاء سيدكان بالمدفعية، بواقع ثلاث غارات جوية. وتُعدّ هذه الغارات أولى عمليات القصف أغسطس 2025. وبلغ إجمالي عمليات القصف والهجمات 1718 غارة في عام 2025، منها 1426 غارة منذ إعلان وقف إطلاق النار مطلع مارس من السنة نفسها، ما أسفر عن سقوط تسعة ضحايا مدنيين.
وعلى الرغم من التطورات والمفاوضات الجارية في عملية السلام، لم يُسفر المسار سوى عن نتائج طفيفة للمدنيين في المناطق التي تحتلها تركيا. وإجمالا تأثرت 1192 قرية على الأقل بالعمليات التركية من خلال النزوح وتقييد الوصول وإلحاق أضرار بالممتلكات. ومن بين هذه القرى نزح سكان 183 قرية نزوحا كاملا، بينما نزحت 602 قرية نزوحا جزئيا، ولم يتغير وضع النزوح فيها.
ومن بين 1192 قرية، نزحت 405 قرى سابقا بسبب مذبحة الأنفال التي ارتكبتها الحكومة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وحملة داعش في العقد الثاني من الألفية، ولا تزال هذه القرى غير قادرة على العودة بسبب الوجود العسكري التركي. إضافة إلى ذلك، لم يتمكن سكان 39 قرية حول جبل قارة كانوا قد نزحوا خلال عملية “المخلب” التي نفذتها تركيا في حزيران 2024 من العودة إلى ديارهم
وفي المقابل لم يلمس سوى عدد محدود من القرى نتيجة إيجابية للسلام، حيث سُمح لخمس قرى في قضاء باتيفا التابع للإدارة المستقلة لزاخو بالعودة. وبالتالي، لم تشهد سوى 0.4 في المئة من القرى تحسنا طفيفا لأوضاع سكانها، مما يدل على عدم تغير في العمل العسكري لكلا الطرفين المتصارعين وعلى فشلهما في سحب القوات العسكرية والمقاتلين بشكل فعال من المناطق المدنية، على الرغم من مرور عام تقريبا على وقف إطلاق النار.
وفي 24 فبراير تظاهر نازحون من قرية بيري غاري في قضاء أميدي وأغلقوا الطريق الرئيسي باتجاه وديرولاك مطالبين بالعودة إلى قراهم بعد انقطاع عنها دام أكثر من عشرين شهرا، ودون أي معلومات أو وضوح بشأن موعد إعادة فتحها. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة مع اقتراب موسم الحصاد، الذي يُعدّ مصدر دخل رئيسيا لسكان القرى.
وختم تقرير فريق صناع السلام بالتعبير عن القلق البالغ إزاء توسع العمليات العسكرية التركية وإنشاء قواعد عسكرية جديدة في شمال العراق وتعزيز القواعد القائمة وبناء طرق عسكرية وتدمير الجبال وإزالة الغابات في المنطقة، داعيا تركيا وحزب العمال الكردستاني إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية لدفع عملية السلام قدما، والانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان المدنيين.
العرب اللندنية