ملخص
في ظل تصاعد عنف سلطات الهجرة في أميركا في عهد ترمب، فجّر مقتل الممرض أليكس بريتي في مينيابوليس موجة صدمة كشفت اتساع الفجوة بين رواية الحكومة والواقع، وأحدث شرخاً نادراً داخل معسكر “ماغا”، ما يجبر ترمب على التراجع وتخفيف لهجته أمام ضغط شعبي وحزبي متزايد.
إنها حكاية خيالية في أميركا. نحن نعيش نسخة فاشية سوداوية من قصة “ملابس الإمبراطور الجديدة” لهانز كريستيان أندرسن، لكنها حكاية خيالية قد تمنحنا بصيص أمل.
في 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، قتل أليكس بريتي، وهو مواطن أميركي يعمل ممرضاً في مستشفى شؤون المحاربين القدامى في مينيابوليس، برصاص عناصر من إدارة الجمارك وحرس الحدود الفيدراليين. وتظهر مقاطع فيديو جرى التحقق من صحتها من قبل العديد من وسائل الإعلام الموثوقة تسلسلاً واضحاً ومقلقاً للأحداث.
يقترب بريتي من العملاء الفيدراليين وهو يرفع هاتفه المحمول، بينما هم يعتقلون شخصاً في الشارع. ويدفع أحد العملاء امرأة. فيتدخل بريتي بينها وبين الضابط، الذي يدفع بريتي ثم يرشه برذاذ الفلفل. ويحيط العديد من العملاء ببريتي، ويجبرونه على الانبطاح على وجهه، بينما يتجمع آخرون في شجار صاخب حوله. ويلكمه أحد الضباط مراراً وتكراراً. ويسحب آخر ما يبدو أنه سلاح ناري في جعبته (كان بريتي يمتلك رخصة لحمله) من خصره ويبتعد عن مكان الشجار حاملاً السلاح.
ثم يسحب ضابط آخر سلاحه ويطلق النار على بريتي – الذي يبدو أنه على يديه وركبتيه – من الخلف. ويطلق العملاء الفيدراليون ثلاث طلقات أخرى. ثم، بينما يبتعد الضباط، تطلق ست طلقات أخرى على جسد بريتي الملقى على الأرض.
كانت هذه هي الحادثة الثانية التي يطلق فيها عملاء فيدراليون النار ويقتلون شخصاً في مينيابوليس في ذلك الشهر. وفي الحادثة الأولى قضت رينيه نيكول غود، وهي مواطنة أميركية أخرى كانت تحتج على أساليب إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية. ولم تتوان السلطات الفيدرالية في تقديم رواية للأحداث تتعارض بشكل صارخ مع الأدلة التي يظهرها شريط الفيديو.
وصف ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، بريتي بأنه “إرهابي محلي” و”قاتل محتمل”. وادعى غريغوري بوفينو، قائد الجمارك وحرس الحدود أن بريتي أراد “قتل قوات إنفاذ القانون”. في غضون ذلك، شجب الرئيس ترمب المتظاهرين في مينيابوليس ووصفهم بـ”المتمردين” وأعلن أن الاحتجاج على مقتل بريتي هو “غطاء إجرامي” لـ”احتيال مالي ضخم” في مينيسوتا.
لقد بلغت أميركا ذروة الأورويلية [نسبة للكاتب جورج أورويل]. قتل مواطن كان يحتج على أساليب إنفاذ قوانين الهجرة الوحشية أمام عدسات العديد من الكاميرات، بينما رد كبار المسؤولين الحكوميين بنسخة زائفة من الوقائع. بدا وكأنهم يقولون للجمهور: لا تصدقوا أعينكم. لا تصدقوا الأدلة. صدقونا بدلاً من ذلك.
لم يكن هذا، بالطبع، تكتيكاً جديداً في أميركا ترمب. فمنذ عقد من الزمن، أبدى ترمب إعجابه بقدرته على إقناع مؤيديه بإغلاق أعينهم عن سوء أفعاله: “يمكنني أن أقف في وسط الجادة الخامسة [في وسط نيويورك] وأطلق النار على شخص ما، ولن أفقد أي ناخبين، حسناً؟ هذا أمر مذهل”.
وكان الأمر مذهلاً بالفعل. إذ أقنع ترمب ملايين الأميركيين بأن انتخابات 2020 “سرقت”، في وهمٍ جماعيّ قاد في نهاية المطاف إلى محاولة فاشلة من قبل حشد مؤيديه للاستيلاء على مبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير (كانون الثاني) 2021. وهناك أيضاً، قَلَبَ ترمب، البارع في الخداع، الواقع رأساً على عقب، وأقنع الملايين بأن مثيري الشغب العنيفين في 6 يناير كانوا وطنيين مسالمين، تعرضوا للاضطهاد ظلماً من قبل الدولة.
ومرة تلو أخرى، لم يكن أمامنا إلا أن نندهش من قدرة ترمب التي تبدو بلا حدود على إقناع قاعدته الانتخابية من أنصار حركة “ماغا” بتصديق حتى أكثر الادعاءات غرابة. في نسخة ترمب من الواقع، كان قد أنهى ثماني حروب، وقضى على التضخم، وخفض أسعار البنزين إلى أقل من دولارين للغالون [0.53 دولار لليتر الواحد]. ولم يكن مهماً أن الكثير من هذه الادعاءات كانت خاطئة بشكل واضح.
لكن مقتل أليكس بريتي قد يمثل نقطة تحول.
وقد بدأت بالفعل تظهر تصدعات صغيرة داخل تحالف “ماغا”، بسبب ملفات إبستين، وحديث ترمب الغريب عن غزو غرينلاند، وعشرات الفضائح الأخرى، الكبيرة والصغيرة. ثم جاءت مينيابوليس، وصور عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية المسلحين بالسلاح الثقيل والمقنعين يغمرون الشوارع: يقتحمون المنازل الخاصة، ويحتجزون الأطفال، ويستخدمون رذاذ الفلفل ضد المدنيين، وبنهاية الأمر، يقتلون المتظاهرين. أولاً رينيه غود، ثم أليكس بريتي. حتى الأسماء تبدو كأنها شخصيات في مسرحية أخلاقية [في إشارة إلى أن غود تعني جيد، وبريتي تعني جميل].
لكن هذه المرة، يبدو أن سحر ترمب يفقد قوته.
ربما كان ذلك بسبب صراحة اللقطات وواقعيتها. ربما كان ذلك بسبب عمل بريتي مع المحاربين القدامى. أو ربما كان ذلك بسبب إصرار إدارة ترمب في البداية على أن المواطن الذي يحمل مسدساً مرخصاً في جعبة، هو، بحكم التعريف، شخص يتصرف بشكل مريب. وهو شعور يرفضه المتشددون من أنصار “ماغا” الذين يؤيدون التعديل الثاني للدستور [الذي يسمح بحمل السلاح].
مهما كان السبب، فقد حدث تغيير ما.
جماعات الدفاع عن حق حمل السلاح احتجت على الحادثة. كذلك تضافرت منظمات المحاربين القدامى للدفاع عن بريتي. ودعا قادة الحزب الجمهوري إلى إجراء تحقيقات شفافة. والمثير للدهشة أن استطلاعاً أجرته مؤسسة “يوغوف” مباشرة بعد وفاة بريتي أظهر أن 19 في المئة من الجمهوريين يؤيدون الآن إلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية.
ثم تراجع ترمب عن موقفه.
بحلول نهاية يوم الإثنين الماضي، أصبحت نبرته أكثر تصالحية. أُعيد تكليف قائد الجمارك وحماية الحدود، بوفينو، بمهام أخرى، فيما وعد ترمب بالسماح لأجهزة إنفاذ القانون في الولاية بإجراء تحقيق مستقل في وفاة بريتي.
وفجأةً، بدأ بعض أكثر أتباع تيار “ماغا” إخلاصاً يفتحون أعينهم، ويلتفتون إلى ما كان العالم كله يدركه منذ زمنٍ طويل: ترمب لم يكن سوى يخادعهم.
© The Independent
