عدن – لا يبدو تحرك الحكومة اليمنية نحو تصنيف جماعة الحوثي منظمة إرهابية مجرد خطوة قانونية في سياق المواجهة المستمرة، بل محاولة لنقل الضغط على الجماعة إلى مستوى يتجاوز الميدان العسكري، عبر استهداف أنشطتها وشبكات تمويلها وإمدادها، وتوسيع نطاق المساءلة عن الهجمات التي تنفذها داخل اليمن وخارجه.
ويأتي هذا المسار في ظل تصاعد التوتر الإقليمي وتزايد المخاوف من اتساع المواجهة، بما يعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحاً: هل يمكن للأدوات القانونية والمالية أن تغيّر حسابات الحوثيين، أم أن أثرها سيظل محدوداً ما لم تقترن باستراتيجية سياسية وعسكرية واضحة؟
وتكمن أهمية الخطوة في أنها تمنح الحكومة اليمنية وسيلة إضافية لتشديد موقفها من الجماعة، لكنها لا تعني، في حد ذاتها، تغير موازين السيطرة على الأرض أو اقتراب نهاية الحرب. فالتصنيف، حتى عندما يكون نافذاً، يحتاج إلى إجراءات تنفيذية ومؤسسات قادرة على تطبيقه، كما يتوقف أثره على نطاق القيود التي يفرضها، والجهات التي تلتزم بها، والاستثناءات التي تحمي التعاملات الإنسانية والمدنية.
وتتطلب قراءة تداعياته التمييز بين المسار القانوني اليمني وأي قرارات دولية ذات صلة. فقد اعتمد مجلس الأمن في فبراير 2022 القرار رقم 2624، الذي أدرج الحوثيين ضمن نظام العقوبات الخاص باليمن، ووسّع نطاق حظر الأسلحة ليشمل الجماعة. لكن ذلك لا يساوي تلقائياً تصنيفاً دولياً شاملاً لها منظمة إرهابية وفق أنظمة قانونية مختلفة.
ومن هنا، فإن التطور الأحدث يتمثل في مسعى الحكومة اليمنية إلى إقرار تصنيف محلي، وما قد يترتب عليه من تدابير قانونية ومالية وإدارية، وليس في صدور قرار جديد عن مجلس الأمن.
وتبدأ فاعلية التصنيف من قدرته على الانتقال من الإعلان السياسي إلى منظومة إجراءات واضحة. فمشروع القانون الذي أقرته الحكومة اليمنية في عدن في 11 أكتوبر 2026 يستهدف تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية وتجريم أنشطتهم وتمويلهم، مع استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لإقراره. وبذلك، لا يزال المسار بحاجة إلى استكمال خطواته القانونية قبل التعامل معه باعتباره تشريعاً نافذاً بكامل آثاره.
وإذا دخل القانون حيز التنفيذ، فقد يتيح للسلطات اليمنية تشديد الرقابة على التعاملات المالية والأنشطة التجارية التي تثبت صلتها بالجماعة، وملاحقة شبكات التمويل والإمداد، واتخاذ تدابير بحق الأشخاص والجهات التي تقدم لها دعماً محظوراً وفق أحكامه. لكن حجم هذه التداعيات سيعتمد على الصياغة النهائية للقانون، والجهات التي يشملها، وآليات تطبيقه، ومدى تعاون المؤسسات المالية والتجارية معه.
ولا يعني التصنيف المحلي، في المقابل، أن جميع الدول ستتبنى تلقائياً الموقف القانوني نفسه، أو أن أموال الجماعة وشبكاتها ستصبح خاضعة بصورة آلية لإجراءات دولية موحدة. فلكل دولة أنظمتها الخاصة بشأن العقوبات والإرهاب، كما أن إدراج جماعة أو أفراد على قوائم دولية يتطلب إجراءات مستقلة وفق النظام القانوني المعني.
وتكشف هذه النقطة حدود الرهان على التصنيف بوصفه أداة حاسمة بمفرده. إذ يمكن أن يزيد كلفة التعامل مع الجماعة ويضيّق هامش حركتها، لكنه لا يضمن تفكيك شبكاتها أو وقف الهجمات، ما لم يقترن بتبادل المعلومات المالية، وملاحقة مسارات تهريب السلاح، وتعزيز قدرة المؤسسات الحكومية على إنفاذ القانون في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ويبرز الجانب الإنساني بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في أي مسار لتصنيف الحوثيين. فالإجراءات الرامية إلى تجفيف مصادر تمويل الجماعة قد تدفع بعض المصارف وشركات الشحن والموردين إلى تجنب التعاملات المرتبطة باليمن، خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات أو مخالفة القواعد التنظيمية، حتى عندما تكون المعاملة مشروعة أو مرتبطة بإيصال الغذاء والدواء.
يفتح تحرك الحكومة اليمنية باباً لتوسيع المواجهة مع الحوثيين من المجال العسكري إلى القانوني والمالي، لكنه لا يقدم بمفرده حلاً للصراع
ولا يتعلق الأمر بمخاوف نظرية فقط. فقد خلصت دراسة نشرها مشروع «إيد داتا» البحثي في أكتوبر 2025 إلى أن تقلبات سياسة التصنيف الأميركي للحوثيين، وما رافقها من قيود مصرفية وتردد لدى الجهات المانحة، أسهما في تعقيد العمل الإغاثي. ولفتت الدراسة إلى أن الاستثناءات الإنسانية لم تكن دائماً واضحة بما يكفي لطمأنة المصارف والمنظمات، الأمر الذي أدى إلى تعطيل برامج ومشكلات في توفير الخدمات الأساسية.
وتزداد أهمية هذا التحذير في اليمن، حيث قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من 22 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال عام 2026، بينما يواجه 18.3 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. كما تتركز نسبة كبيرة من الاحتياجات في مناطق خاضعة لسلطات الحوثيين، ما يجعل أي تعطيل واسع للتحويلات أو الواردات ذا انعكاسات مباشرة على السكان.
ومن ثم، فإن نجاح التصنيف في تحقيق أهدافه يتطلب الفصل بين تمويل الجماعة والأنشطة المدنية الضرورية لاستمرار الحياة. ويشمل ذلك وضع استثناءات إنسانية واضحة، وتوفير إرشادات ملزمة للمصارف والجهات التجارية، وضمان قدرة المنظمات الإغاثية على استيراد الغذاء والوقود والمستلزمات الطبية وتحويل الأموال اللازمة لعملها.
ولا يعني هذا أن الاعتبارات الإنسانية ينبغي أن تعطل ملاحقة التمويل غير المشروع، بل إن حماية المساعدات من الآثار الجانبية للعقوبات شرط لزيادة فاعلية الإجراءات، ومنع تحولها إلى عبء إضافي على مجتمع يواجه أزمة ممتدة.
سياسياً، يطرح التصنيف سؤالاً يتعلق بكيفية استخدام الضغط القانوني ضمن استراتيجية أوسع لإنهاء الحرب. فمن وجهة نظر الحكومة اليمنية، قد يساعد تجريم أنشطة الحوثيين وتمويلهم على تقليص موارد الجماعة ورفع كلفة استمرار الهجمات، كما قد يتيح لها توحيد خطابها مع شركائها الإقليميين والدوليين حول ضرورة مواجهة التهديدات الأمنية.
لكن أثر الخطوة على فرص التسوية ليس مضموناً. فقد يدفع الضغط المالي والقانوني الجماعة إلى إعادة حساباتها إذا اقترن بكلفة عسكرية وسياسية متزايدة، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى التشدد ورفض التنازلات، أو البحث عن قنوات بديلة للتمويل والتجارة، إذا لم تتوافر مسارات واضحة لخفض التصعيد.
كما أن تصنيف الجماعة لا يحل تلقائياً مشكلة تعدد مراكز القوة داخل المعسكر المناهض لها، ولا ينهي الخلافات السياسية والمناطقية التي أعاقت توحيد القوى اليمنية. ومن دون تنسيق أمني وسياسي بين الحكومة ومختلف القوى المحلية، قد تظل القيود القانونية منفصلة عن واقع السيطرة الميدانية، ولا تتحول إلى مكاسب مستدامة.
وتفرض التطورات العسكرية الأخيرة مزيداً من الضغط على هذا المسار. فقد أفادت تقارير رويترز في 14 أكتوبر بأن التصعيد أدى إلى تعطيل وصول المساعدات إلى نحو 800 ألف شخص، وسط ضغط متزايد على المستشفيات ونقص في الإمدادات الطبية والغذائية. ويشير ذلك إلى أن أي إجراءات جديدة ستُختبر في بيئة تتدهور فيها الأوضاع الإنسانية بالتوازي مع اتساع المواجهة.
في المحصلة، يفتح تحرك الحكومة اليمنية باباً لتوسيع المواجهة مع الحوثيين من المجال العسكري إلى القانوني والمالي، لكنه لا يقدم بمفرده حلاً للصراع. فقيمة التصنيف ستتحدد بمدى دقة الإجراءات التي تليه، وقدرتها على استهداف مصادر التمويل والإمداد، وفاعلية التعاون الدولي في تنفيذها، من دون تعطيل التجارة المدنية أو الإغاثة.
وتحتاج الحكومة، بالتوازي، إلى تعزيز مؤسساتها المالية والأمنية، وتنسيق جهود القوى المناهضة للحوثيين، وتحديد أهداف سياسية قابلة للتحقيق. فملاحقة التمويل غير المشروع قد تزيد الضغط على الجماعة، لكن تحويل هذا الضغط إلى نتائج ميدانية وسياسية يتطلب أدوات تتجاوز العقوبات، وتربط الردع بمسار تفاوضي واضح.
ويبقى الاختبار الأهم هو ما إذا كان التصنيف سيصبح جزءاً من استراتيجية متكاملة لتقليص قدرة الحوثيين على مواصلة الحرب، أم سيظل خطوة رمزية لا تغيّر موازين القوة، بينما تتواصل الهجمات وتتسع كلفة الصراع على اليمنيين. فالضغط القانوني يمكن أن يكون أداة مؤثرة، لكنه لا يغني عن معالجة الانقسامات الداخلية أو توفير ضمانات إنسانية أو بناء مسار سياسي قابل للاستمرار.