-
- دانيال نيب
- ياسين حاج صالح… الجمهورية .نت
-
-
-
في وقته يأتي كتاب دانيال نيب، سورية، تاريخ حديث، (Neep, Daniel. Syria: A Modern History. New York: Basic Books, 2026) الصادر بالإنكليزية قبل قليل. في وقته لأنه يلبي طلباً نامياً على استجماع التاريخ السوري الحديث، ونحن في مَطالِع تَغيُّرٍ من الأكبر في تاريخ البلد منذ الاستقلال. هذا موقع زماني يدعو إلى نظرات إلى الوراء، من أجل محاولة تَبيُّن ما قد يساعد في السير إلى الأمام. نيب يوفر عرضاً مناسباً لتلبية هذا الطلب في كتاب من 450 صفحة، موزّعة على 12 فصلاً، تغطي الفقراتُ الأخيرةُ من آخرها سقوط الحكم الأسدي. ووصولَ ائتلافٍ من إسلاميين مُلتئمين حول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق.
هذه السطور لا تحاول أن تكون عرضاً للكتاب، بل لفتاً للانتباه إليه، تنويهاً بميزاته، تَطرُّقاً لبعض مضمونه، وإشارة إلى هفوات وقعَ فيها المؤلف.
يغطي الفصلان الأولان ما قبل تاريخ ظهور الكيان السوري المعاصر بعد الحرب العالمية الأولى، ويتميز المؤلف بأنه يرى أن كيان سورية أخذ يتلامَحُ قبل نحو قرن من ذلك، ليبدأ مع سيطرة القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا على منطقة سورية الطبيعية، مروراً بعصر التنظيمات العثماني، والآثار المتناقضة لتنامي النفوذ الأوروبي في السلطنة العثمانية وظهور المسألة الشرقية، ثم عصر النهضة وظهور نخب مثقفة مشرقية تُحيي اللغة والثقافة العربية. سورية ظهرت في هذه الفترة كاسمٍ لإقليم واسع نسبياً، هو ما أطلق عليه العرب اسم الشام، ما يقع شمال الجزيرة العربية. من شأن معرفةٍ أفضلَ بالقرن التاسع عشر أن تكون بالغة الفائدة بالفعل، بالنظر إلى أن مقدمات تَكوُّن تاريخ سورية مثلما عرفناه في القرن العشرين أخذت تظهر فيه. القرن العشرون الطويل السوري، إن حاكينا عنوان كتاب إريك هوبسباوم عن القرن التاسع عشر الطويل، انتهى قبل أقل من عام ونصف، وكان قد بدأ بنهاية الحرب العالمية الأولى. هو قرنُ عشرون طويلٌ لأن سورية تجمدت سياسياً ومؤسسياً، وفكرياً، على أشياء موروثة من ذلك القرن.
كتاب نيب يُحيل بقدر كبير إلى مصادر عربية وكتّاب سوريين، ممّا ليس شائعاً جداً بين من يكتبون عن سورية في الغرب، رغم أنه يجب أن يكون من الألف باء. لسنوات كان روبرت فيسك يكتب مقالة أسبوعية عن سورية، وهو بالكاد يعرف بضع كلمات بالعربية. وشاركه الاهتمام بالشأن السوري باتريك كوبيرن، وكانت عربيته أسوأَ بعد. والمسألة ليست شكلية. فلعله بفضل معرفته باللغة وما يُكتَب بها، لا يعرض كتاب نيب أبداً تلك النزعة المألوفة إلى استغراب (exotizing) المجتمع والثقافة والتاريخ الذي يدرسه، ولا يستسلم في أي من صفحات كتابه لنزعة الإثارة (sensationalism) ولا تعمل في كتابه ماكينة آخَرية، تُحيل السوريين أو قطاعات منهم إلى اختلاف جوهري لا شفاء منه. والمؤلف بعد ذلك غير واقع في حب السوريين على نحو خاص، ممّا كاد يحلف عليه نيكولاوس فاندام بعد كتابه المؤسف: سورية، تدمير وطن، أو يبدأ به ديفيد ليش كتابه: سورية، الذي يجمع فيه مع ذلك بين فقر التوثيق والغياب التام للمصادر العربية. وهذه كلها سِماتٌ لمركزية غربيّة يبدو كتاب نيب تامَّ التحرُّر منها. والرجل مُدرِك لهذا الوجوب. يخاطب المؤلفين الغربيين في موقع واحد من كتابه، يطلب منهم أن يأخذوا علماً بأن السوريين يكتبون تاريخهم أو عن تاريخهم.
المشكلة البنيوية في تكوين سورية تتصل ببناء الدولة على النحو الذي يُوافِق تَشكُّلَ أمة سورية مما هو خليط متنوع غير متماسك، وهو ما أضعفت فُرَصَهُ مقتضيات تثبيت الحكم، التي تدعو بالأحرى إلى الاستناد إلى قطاع من السوريين أكثر من غيره، أي مكوِّنٍ من المكونات بلغة اليوم، ما يُعزِّزُ الانقسامَ الاجتماعي وضعفَ الدولة وإن حمى السلطة لبعض الوقت؛ ثم من جهة أخرى التمثيلُ العروبي لسورية الذي لا يعترف بشرعية الكيان السوري، ولا يُقرّ بأمة غير الأمة العربية، الأمر الذي حدَّ من فُرَص أن تصير سورية إطاراً للتراكم السياسي. يوفر كتاب نيب مادة وافرة بهذا الخصوص، وإن لم يتناولها من مدخلِ تَعارُضِ بناء الدولة مع تكوين الأمة. وهذه قضية راهنة اليوم، ولا تبدو مُعالَجتها إلا استمراراً لتقليد الانفصام المزمن بينهما، الدولة والأمة.
يُظهِر الكتاب أن فكرة الجمهورية في سورية ارتبطت بثباتٍ بالجدال بخصوص انضمام سورية إلى مَلكَية هاشمية، الأردن أيام عبد الله (الأول) أو العراق في أوقات مختلفة حتى عام 1958. لا يكاد يكون هناك مضمونٌ للجمهورية في سورية غير ذلك. ولعلَّ في ذلك ما أبقى الفكرةَ ضعيفة أمام النكوص السلالي في الحقبة الأسدية، وما سهّلَ للنزعات التحديثية في البلد ألّا تكون جمهورية وديمقراطية، وما يُحتمَل كذلك أنه أسهم في تغذية الإسلامية. وقد تحتاج هذه النقطة المُحدَّدة مزيداً من التقصي، إلا أنه يظهر أن انفصالَ الفكرة الجمهورية عن تَصوُّر «الجمهور السوري» كشعب أو أمة، وهو ما أسهمت فيه الفكرة العربية كذلك، كان له ضلعٌ في اضطراب الحياة السياسية السورية. المركز السوري كان بلا فكرة مركزية سوريّة، وهو ما غذّى القوى النابذة، المُبعِدة عن المركز. فقط في عقود حكم حافظ الأسد جرى وأدُ القوى النابذة، لكن بثمنِ وأدٍ كاملٍ لأيِّ حياة سياسية في البلد. وحين عاد ضربٌ من حياة سياسية مسلحة بعد الثورة، عادت النزعات النابذة من جديد، مُسلحةً هي الأخرى. ومن جديد يعود راهناً التفكير في الجمهورية والأمة في سورية.
ورغم العلاقة الفاترة بين أول رئيس سوري، شكري القوتلي، وسلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية 1925-1926، بسبب علاقة الأخير بحزب الشعب وقائده عبد الرحمن الشهبندر، المُنافِس السياسي للكتلة الوطنية، إلا أن القوتلي وعهده هم من كانوا وراء «أسطورة» أننا «شعب واحد وليس بيننا أقليات وأكثريات»، هذا بينما هو يُعدِّد مقاومات السوريين ضد الاستعمار الفرنسي فيذكر صالح العلي وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش وثوار الغوطة وغيرهم. أسطورة بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، الفكرة اللّاحمة لمجتمع جديد نَشِط أو لضرب من الذاتية السياسية. لكن الضعفَ المؤسسي لسلطة القوتلي، وعدم احترامه هو ذاته للدستور، وربما قِصَر أمدِ حكمه، فضلاً عن تناقض لم يَكُن مُوعَى فيما يبدو بين هذه الأسطورة والأسطورة العربية، أضعفَ الذاتية السياسية السورية. هنا أيضاً، وهذه نقطة يُفكَّر فيها اليوم، حيث وراءنا كفاح رهيب باهظ الكلفة، لكن حيث بناء السلطة الاستبعادي يتعارض مع محاولة بناء أسطورة وطنية سورية وذاتية سياسية حولها.
ومن لطائف الكتاب التي قد لا يصادفها المرء كثيراً قصة حسني الزعيم، قائد الانقلاب الأول، والمشايخ الذين جاؤوا يحتجون على عَلمَنة القوانين في غير مجال الأحوال الشخصية. الزعيم مثّلَ أمامهم انشغاله بمكالمة هاتفية كان يزعق فيها آمراً بإعدام شخص موقوف، ومُتوعِداً بأنه لن يسمح لأي كان بمعارضته. هذا قبل أن يلتفت إلى المشايخ ويسألهم عن حاجتهم، ليجيبوا بوجل أنهم إنما جاؤوا لتهنئته بالرئاسة. وتدليلاً على ضعف البيروقراطية السوري في زمن ما بعد الاستقلال، يقول المؤلف إن سورية نسيت أن تُعلِنَ انتهاء الحرب مع دول المحور طوال سنوات بعد استقلالها. من اللطائف كذلك أن السوريين في زمن الوحدة أطلقوا على عبد الحميد السراج، مدير المكتب الثاني المرهوب، لقب السلطان عبد الحميد، وعلى محمود رياض، سفير مصر في سورية لقب المندوب السامي، أمّا عبد الحكيم عامر الذي جاء لضبط الأحوال السورية قبل انهيار الوحدة فحاز لقب نائب الملك.
سورية أقصرُ عمراً من أن يَعرِضَ تاريخُها أنماطاً تتكرر. ومع ذلك تَعرِضُ حوادث بعينها نفسها كسوابق للواحق عايشها الأحياءُ بيننا. فانتفاضة السويداء أيام الشيشكلي عام 1954 تبدو، وفقاً لإحدى السرديات بشأنها، وقد بدأت بردٍّ قمعيٍّ قاسٍ على شعارات رفعها مراهقون من القْريّا، بلدة سلطان باشا الأطرش، إثر اعتقال ابنه منصور. وهو ما لا بد أن يُقارَن باعتقال أولاد من درعا إثر كتابتهم شعارات مناهضة للنظام عام 2011، الواقعة التي يُعاد بدء الثورة السورية إليها. وكان الهجوم على السويداء في ذلك الوقت متبوعاً بحملة إرهاب شملت كل ريفها، وخلال عشرة أيام دُمِرت منازل ونُهِبت قرى وأُخِذ رهائن. وقد أسهم في الحملة قبائل بدوية. بعد 72 عاماً سنشهد شيئاً مماثلاً، أسوأ وفي زمن أقصر، ويُرجَّحُ لذيوله أن تكون طويلة جداً.
وما يقوله المؤلف عن الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، من أنها كانت «انتفاضة شعبية وتمردات ريفية»، ينطبق بقدر كبير عن الثورة السورية بعدها بـ85 عاماً. لكن بينما وقع في الثورة الأولى 6000 من السوريين، يُحتمَل أن الضحايا أكثر بـ100 مرة في الثورة الثانية. كان سكان سورية قبل قرن أقل من مليونين. نيب يرى أن ثورة 1925-1926 أثبتت أن السوريين كسوريين، وبصرف النظر عن المنطقة والطائفة والمكانة الاجتماعية، يُمكن أن ينخرطوا في صراع مُشترَك ضد الاستعمار. بعد قرن كامل من تلك الثورة، نحن في وضع أسوأ بكثير على هذا المستوى بأثر سَكْرَة السلطة للمُتحكِّمين الجُدد.
ويخصص المؤلف فصلاً واحداً لحُكْم الوحدة، الذي يقول إن السوريين تجنّبوا به حرباً أهلية، والانفصال والعهدين البعثيين الأولين، عنوان الفصل هو: وحدة، حرية، اشتراكية! من منظور سوري، يصعب «كَبتلة» هذه العهود القصيرة الثلاث معاً، وإن كان يجمعها ربما أنها مَهَّدت لما بعدها من الأبد الأسدي.
في الكتاب أخطاء وقائعية قليلة انتبهتُ إليها. يقول المؤلف أن مجزرة تدمر كانت مُغلَّفة بالصمت، ولم تُعرَف إلا بعد عام حين اعترفَ أحد المشاركين فيها بما جرى على التلفزيون الأردني إثر اعتقاله ضمن فريق سوري كان يحاول اغتيال رئيس وزراء الأردن. الواقع أن أخبار المجزرة عُرِفَت بسرعة، وأذكر أنه في صيف ذلك العام نفسه، 1980 (ربما في آب)، نشر الحزب الشيوعي- المكتب السياسي في نشرته «نضال الشعب»، مقالة حادة النبرة عن المجزرة ودور رفعت الأسد فيها (كان رفعت كتب مقالة افتتاحية في جريدة الثورة أو تشرين يتوعد فيها بقتل مئة ألف إن لزم الأمر). لكن الأمر يتعلق بنشرة سرية، يصعب أن يقع مثلها بين يدي المؤلف. وفي الصفحة نفسها يقول المؤلف إن جمال الأتاسي كان من بين من اعتقلوا عام 1980، إلى جانب آخرين يذكر منهم رياض الترك وميشيل كيلو، وهذا غير صحيح. الأتاسي لم يُعتقَل في حقبة حافظ الأسد. ويقول نيب إن عبد الرزاق طلاس، أحد قادة كتائب الفاروق، قُتِل مع الصحفية الأميركية ماري كولفن في حمص في شباط 2012. المعلومة غير صحيحة، وطلاس حيٌّ يُرزق اليوم. ويترجم المؤلف كلمة النصرة في اسم جبهة النصرة بالنصر، والأصح الدعم والمساندة. ويعتقد أن غازي كنعان ضالعٌ في اغتيال رفيق الحريري، وهذا بحاجة لمراجعة. كنعان لم يكن القائد الأمني السوري في لبنان وقت اغتيال الحريري. كان رستم غزالة.
لكن هذه هنّات عارضة في كتاب مهم، غني بالتفاصيل، غير اختزالي، وغير منحاز.
سورية، تاريخ حديث صدرَ في وقته، وجدير بأن يُتاح في هذا الوقت للسوريين وقرّاء العربية.
-