عندما تغادر للدراسة الجامعية العليا في فرنسا وأنتَ تعتقد أنك أتممتَ واجباتك نضالياً وحزبياً في صفوف شيخ أحزاب اليسار اللبناني، لا بد أن تكون الصدمة على مقاس حدث جليل يستقبلك بوزن التعبئة ضد الـcpe، أو “عقد الوظيفة الأولى” بين فبراير/ شباط وإبريل/ نيسان 2006. وأنتَ تقف على أعتاب السنة الواحدة بعد العشرين عن ذلك الحدث، وبعد أن تسأل نفسك كيف مرّت كل تلك السنوات بهذه السرعة بلا استئذان، تتذكّر أن الحزب الشيوعي الفرنسي الذي انتسبتَ إليه في اليوم نفسه لانتسابك إلى جامعة بيار منديس ـــ فرانس في غرونوبل، وهو حزب كان من الفاعلين في الحركة الاحتجاجية التي أسقطت “عقد الوظيفة الأولى” وأنهت عهد جاك شيراك بخسارة سياسية وازنة، ظلّ يخبرك في أدبياته أنّ ما شهدته فرنسا 61 يوماً (9 فبراير – 10 إبريل) كان أكبر حركة اعتراضية منذ مايو/ أيار 1968 التي غيّرت لا فرنسا فحسب، بل العالم بسياسته وسينماه ومسرحه ومطبخه وموسيقاه وأزيائه وسلوكيات شبابه وشاباته. شريط الذكريات هذا يمرّ في الخاطر وأنت تشاهد اشتباكات فرنسية حالية ومعارك في الشوارع بين رجال أمن ومتظاهرين وحرق ونهب وتخريب، وتراقب تصرفات بشر متنوّعين بصالحهم وطالحهم، وعناصر الفئة الأخيرة تتذكر فيلم إيتوري سكولا “بشعون، قذرون، أشرار” وأنت تلاحظ حقارتهم لتتأكد مجدداً أن الفقر ليس شهادة حسن سلوك، وأنّ الفقراء كثيراً ما يكونون مَن كان كارل ماركس نفسه يسميهم حثالة البروليتاريا عندما يريد وصف فقراء لا يملكون “الوعي الثوري”.
والحال أنّ نفي وجود زعران ورعاع في صفوف أي حركة شعبية احتجاجية، مهما بلغت درجة نبلها وعدالة قضيتها، جهل مجبول بكذب. في شوارع فرنسا، يكثر أمثال هؤلاء هذه الأيام، ومَن شارك في تظاهرات 2006 مثل كاتب هذه السطور يعرف أنهم كانوا كذلك كثراً، وقد شاهد عن قرب فصول إحراق جامعات وتحطيم ونهب. لكن كم يبدو 2006 الفرنسي بعيداً عن 2026، أخلاقياً وسياسياً. في إبريل 2006، كان يرأس فرنسا جاك شيراك بينما كان دومينيك دو فيلبان رئيس حكومة. وإن كان الثاني من خانة المحترمين الذين بات وجود أمثالهم في فرنسا والعالم نادراً، فإن شيراك كان أيضاً من أواخر اليمينيين الذين يستحقون لقب رجل دولة. في 10 إبريل من تلك السنة، فهم الرجلان رسالة ملايين المتظاهرين ضد عقد الوظيفة الأولى الذي كان يسمح لربّ العمل أن يوظف الشباب عامَين شرط أن تقلّ أعمارهم عن 26 عاماً وألا يكونوا قد عملوا سابقاً، ثم يطردهم ويوظف غيرهم لتدور الدورة عليهم عامين إضافيين وهلمّ جراً. سحب شيراك بخطاب مشهور مشروع حكومته بعدما جرّب وزير داخليته آنذاك نيكولا ساركوزي تكتيكاته الأمنية بنا، ونقل مدير مكتبه ليجعله قائداً لشرطة غرونوبل، “عاصمة الانتفاضة”. لا شيراك ولا دو فيلبان ولا حتى ساركوزي، أب الرداءة السياسية في فرنسا، تلبّسوا الكذب ولبسهم مثل ما يحصل مع إيمانويل ماكرون ورئيس حكومته سيباستيان ليكورنو ووزير داخليتهما لوران نونيز وهم يخبروننا أن ما يحدث مؤامرة انتخابية من اليسار المتطرّف ممثلاً بحزب فرنسا الأبية الذي يحتّل زعيمه جان لوك ميلانشون المرتبة الثانية في استطلاعات نيات التصويت للرئاسة بعد ستة أشهر، تسبقه بـ15 نقطة الفاشية مارين لوبان. أما دونالد ترامب، فيرفدهم بالاسم الكامل للمتهم الأول: المسلمون والمهاجرون وكأنهما باتا مصطلحاً واحداً. شيراك ودو فيلبان وساركوزي آنذاك أخبرونا أكذوبة صغيرة، أن اليسار يستفيد من الفوضى، مع أن اليميني جداً ساركوزي هو من قطف ثمار قبضته الأمنية وانتُخب رئيساً في 2007. لكن هؤلاء قبل 20 عاماً لم يكذبوا إلى درجة إبلاغنا أن هذا اليسار يحرّك الناهبين والعنفيين وكأنهم دمى وكأنه شمشون مثل ما يفعل اليوم ثلاثي الإليزيه ــ ماتينيون ــ فندق دو بوفو. هؤلاء، بين جولة شيطنة لليسار الراديكالي وأخرى، يفوتهم الاعتراف بأن سيدة الفاشية هي من تتقدم استطلاعات نيات التصويت في حين يتراجع ميلانشون الذي يحلفون أنه محرّك المؤامرة.