الدكتور محمد نور الدين ..كاتب لبناني
في وقت يتّسم فيه الموقف التركي الرسمي من العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران بالارتباك والتردّد، بين عدم الرغبة في سقوط إيران، وما قد يحمله ذلك من تداعيات سلبية على تركيا، وبين الحرص على عدم إغضاب الولايات المتحدة والالتزام بمقرّرات حلف «الناتو» التي تعدّ إيران عدواً «ضمنياً»، تَكثر القراءات التركية للصراع في الشرق الأوسط وما قد يفضي إليه. وفي هذا السياق، تَبرز وجهات نظر باحثين في «مركز أبحاث إيران» في إسطنبول، من بينهم رئيس المركز، سرحان أفاجان، والباحث أورال توغا، اللذان تحدّثا، في حوار مطوّل مع صحيفة «حرييات»، عن أن استراتيجية الحرب الأميركية لا تستهدف إيران فقط، بل ترمي إلى إرساء توازن في المنطقة، يخدم تعزيز طوق الأمن والحماية حول إسرائيل، ويدفع نحو توسيع «الاتفاقات الإبراهيمية» مع الأخيرة.
في هذا الإطار، يقول أفاجان إنه من «الخطأ تفسير سياسة دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط من منظور إيران فقط. فالهدف الرئيس للولايات المتحدة هو ضمان أمن إسرائيل في المنطقة، ليس بالوسائل العسكرية، بل بتوسيع نطاق عملية التطبيع مع الدول العربية». ويضيف: «صحيح أن ما يفعله ترامب في الخليج له صِلة بإيران، لكن ليس بشكل كامل. فقضية إيران ظرفية قياساً إلى هدف التطبيع مع إسرائيل الذي سيقلّص نفوذ طهران في المنطقة». ويلفت أفاجان إلى أن «مذكّرة التفاهم بين أميركا وإيران تنص على وقف إطلاق النار في لبنان وعلى جميع الجبهات، وهذا مرتبط بنهج ترامب تجاه إسرائيل، وليس بالحرب مع إيران». وإذ يعتبر أن «الرئيس الأميركي يريد تحييد مضيق هرمز (ومنعه) من أن يكون ورقة إيرانية رابحة في المفاوضات، ولن يعود إلى المفاوضات قبل ذلك»، فهو يقدّر أن «ترامب يميل في هذه المرحلة إلى حرب محدودة، وليست شاملة»، انطلاقاً من اعتقاده بأن «مهاجمة إيران بشكل متقطّع ستزيد من إضعافها». في المقابل، يشير أفاجان إلى أن «طهران خلصت إلى أن واشنطن لا تستطيع شنّ عملية برية، وستقتصر على الضربات الجوية»، مستدركاً بأن «استمرار الوضع على هذا النحو لا يفيد إيران». أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فيشير إلى أن «الرئيس الأميركي يكنّ كراهية لبنيامين نتنياهو، وهو لا يرغب في استمرار الأخير في منصبه بعد انتخابات تشرين الأول المقبل في إسرائيل، ويفضّل فتح المجال أمام شخصيات بديلة منه»، متابعاً أن «ترامب يريد إبقاء إسرائيل بعيدة عن الصدام المباشر مع إيران، حتى لا يُساء تفسير ذلك، ولمنع إسرائيل من الانحراف عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة».
ترامب يكره نتنياهو ولا يريد استمراره في منصبه
من جهته، يلفت توغا إلى أن «الخطوات الأميركية في المنطقة، تبدو للوهلة الأولى متناقضة، إلّا أنها في الواقع جزء من هدف استراتيجي واحد. فالولايات المتحدة تريد إغلاق الجبهات الثانوية التي تشكّل سبباً للتصعيد، مع تركيز الضغط على الجبهة الإيرانية»، مذكّراً بأن «ترامب طلب في التاسع من تموز الجاري من نتنياهو خفض الوجود العسكري في سوريا، وبدء الانسحاب من لبنان. وفي الوقت نفسه، أعلن أنه سيسحب القوات الأميركية من العراق في نهاية أيلول المقبل. وهذا كلّه جزء من الاستراتيجية الأميركية في المنطقة». ويعتقد توغا أن «ترامب اقتنع، بعد لقائه الرئيس أحمد الشرع في أنقرة، الأسبوع الماضي، بأن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا وفي لبنان، يشكّل عائقاً أمام نجاح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وأنه لا بدّ من انسحابات إسرائيلية ونقل المسؤولية الإقليمية عن الأمن إلى حلفاء أميركا». وفي خصوص جولة التصعيد الأحدث الأميركية – الإيرانية، يعتبر الباحث أن «توجيه ترامب ضربات إلى إيران والدعوة إلى المفاوضات وجهان للدبلوماسية القسرية، وليسا أمرَين متناقضين»، مبيّناً أن «ترامب لا يريد حرباً شاملة، ولكنه يريد من القصف المستمر على إيران جعلها ذات قدرة تهديدية محدودة في مضيق هرمز، وتوقيع اتفاقية تحت الضغط الشديد»، مستدركاً بأن «الهدف الأميركي يواجه صعوبات نظراً إلى أن العمل عليه يتزامن مع تغيير القيادة في إيران، وصعوبة إيجاد شريك فيها». ويشير إلى أن «الولايات المتحدة وإسرائيل تتّفقان في الهدف، وتختلفان في الوسيلة لتحقيقه؛ فأميركا تريد إنهاء الحرب لتخفيف الأعباء الإقليمية، فيما ترى إسرائيل ضرورة إنهائها من خلال الحفاظ على المناطق العازلة في سوريا ولبنان وغزة. والخلاف بالتالي، هو على كيفية تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب، وليس أزمة تحالف بين أميركا وإسرائيل». وينتهي إلى القول إنه «إذا قاوم نتنياهو عملية الانسحاب من سوريا ولبنان، فالتوترات ستستمرّ ولن تجد سبيلاً للتوقّف. وهذ،ا من وجهة نظر أميركا، يشكّل خطراً على الاستقرار في المنطقة».
أمّا مراسل صحيفة «حرييات» في واشنطن، يونس باقصوي، فيقول إن «أيّ شخص تطرح عليه السؤال: مَن المنتصر في مذكّرة التفاهم بين أميركا وإيران، سيجيبك فوراً: إيران. وهذا صحيح لأن طهران لم تقدّم في المذكّرة أيّ تنازل». ويعتقد باقصوي أن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، «يسعيان لإيجاد أرضية مشتركة للتسوية في الخارج من دون إثارة قلق المتشدّدين في الداخل»، عادّاً «قول قاليباف إن مضيق هرمز يجب ألّا يتحوّل إلى عامل ضدّ إيران، وإن فتحه هو لصالحها، رسالة إلى الدولة العميقة في إيران، للمضيّ في التسوية وليس لتفجيرها.» ويرى أن «عراقجي وقاليباف ومعهما الرئيس مسعود بزشكيان، خاطروا بمستقبلهم بتوقيع مذكّرة التفاهم»، وأن «انفجار الوضع من جديد، سيجعل الانتصار الإيراني موضع تآكل لصالح الدولة العميقة التي تشكّك في نوايا أميركا تجاه أيّ اتفاقية تسوية للوضع في المنطقة».