ملخص
في ثمانينيات القرن الماضي غلب على هذه الانقسامات طابع أيديولوجي وعسكري حين حمل بعض أبناء رجال الدين والمسؤولين السلاح ضد النظام أو انضموا إلى التنظيمات المعارضة. أما في العقود اللاحقة فقد أخذت أشكالاً مختلفة تمثلت في المعارضة السياسية والنشاط الحقوقي والإعلامي وانتقاد نظرية ولاية الفقيه، أو مغادرة البلاد والاستقرار في الغرب.
على امتداد أكثر من أربعة عقود لم تقتصر الانقسامات داخل النظام الإيراني على الصراعات بين الأجنحة السياسية أو مراكز القوى، بل امتدت إلى بيوت عدد من أبرز مؤسسيه وكبار مسؤوليه. فمن بين أبناء رجال الدين وقادة الحرس الثوري والمسؤولين الذين شاركوا في بناء النظام، خرج معارضون وناشطون ولاجئون وسجناء، بل وحتى من حملوا السلاح في مواجهته. وتكشف هذه الظاهرة عن جانب أقل تناولاً من تاريخ النظام الإيراني، إذ تظهر أن الانقسام لم يكن خارج أسواره فحسب، بل تسلل إلى بعض أكثر بيوته نفوذاً.
هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تبرز في مراحل مختلفة مثل قضية ميثم جبلي، شقيق رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بيمان جبلي، الذي تقدم بطلب لجوء سياسي في الولايات المتحدة عام 2023. وقال جبلي، في مقابلة مع مجلة “تايم” الأميركية، إنه وشقيقه مقداد قررا طلب اللجوء، معرباً عن دهشته من استمرار شقيقيه، بيمان ووالد محمد أمين جبلي، في الدفاع عن النظام، على رغم مقتل محمد أمين، نجل شقيقهما، في إسقاط الحرس الثوري الطائرة الأوكرانية في يناير (كانون الثاني) 2020، وهي الكارثة التي أودت بحياة جميع ركابها وأثارت واحدة من أوسع موجات الغضب الشعبي داخل إيران.
ومنذ قيام النظام الإيراني عام 1979، شهدت عائلات عدد من أبرز رجال الثورة وكبار المسؤولين انقسامات سياسية وفكرية عميقة، دفعت بعض الأبناء إلى حمل السلاح ضد النظام، بينما اختار آخرون المعارضة السياسية، أو اللجوء إلى الخارج، أو حتى الطعن في الأسس الفكرية التي قام عليها النظام نفسه.
وفي المقابل، تمسك كثير من الآباء بمواقعهم داخل السلطة، ووضع بعضهم الولاء للنظام فوق كل اعتبار، حتى وإن كان الثمن القطيعة مع أبنائهم أو خسارتهم. وفي حالات أخرى، انتهت هذه الصراعات بمقتل الأبناء أو سجنهم أو نفيهم، لتتحول العلاقة بين الثورة وأبنائها إلى واحدة من أكثر المفارقات حضوراً في التاريخ السياسي الإيراني المعاصر.
وعلى رغم اختلاف دوافع هذه الانشقاقات، فإنها تكشف عن حقيقة لافتة، فالنظام الذي رفع منذ تأسيسه شعار بناء “الأسرة الثورية” لم ينجح دائماً في الحفاظ على التماسك داخل بيوت أبرز رموزه، بل خرج من بعضها أكثر معارضيه تأثيراً، أو أشد منتقديه، أو أكثر خصومه جرأة.
حسين جنتي… الابن الذي حمل السلاح ضد النظام
تعد قصة حسين جنتي، نجل آية الله أحمد جنتي، أحد أبرز رموز المؤسسة الدينية في إيران، من أقدم وأشهر نماذج الانقسام داخل عائلات قادة النظام الإيراني.
فحسين لم يكن معارضاً سياسياً فحسب، بل انضم إلى منظمة “مجاهدي خلق”، وتدرج في صفوفها حتى أصبح من كوادرها البارزين. وبعد إعلان المنظمة الكفاح المسلح ضد النظام عام 1981، شارك في العمل السري ضد السلطة التي كان والده أحد أبرز المدافعين عنها، قبل أن يلقى مصرعه عام 1982 خلال اقتحام قوات الحرس الثوري منزلاً سرياً تابعاً للمنظمة في طهران.
ولم يُخفِ أحمد جنتي، الذي تولى لاحقاً رئاسة مجلس صيانة الدستور ومجلس خبراء القيادة، موقفه المتشدد من ابنه، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن جميع محاولاته لإقناعه بالعدول من طريقه باءت بالفشل، مبرزاً أن حسين كان واقعاً بالكامل تحت تأثير زعيم المنظمة مسعود رجوي.
وقال علي جنتي، شقيق حسين ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي السابق، إن والده لم يظهر يوماً حزناً علنياً على مقتل شقيقه، وإنه لا يعرف حتى اليوم مكان دفنه، لأن الأسرة لم تسعَ إلى معرفة موقع قبره.
ولم يتوقف الأمر عند حسين، إذ عاش ابنه محسن، المعروف أيضاً باسم عاصف، بعيداً من والده منذ طفولته بعد مقتله، قبل أن يتوفى لاحقاً في حادثة، لتظل هذه العائلة واحدة من أكثر العائلات التي جسدت الصراع بين الانتماء الأسري والولاء السياسي داخل النظام الإيراني.
مجتبى طالقاني… أول أزمة بين الثورة وأبنائها
على خلاف أحمد جنتي، اتخذ آية الله محمود طالقاني، أحد أبرز قادة الثورة وعضو مجلس قيادة الثورة، موقفاً مختلفاً عندما اعتقل نجلاه مجتبى وأبو الحسن بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الشاه.
وكان مجتبى طالقاني أقام علاقات مع منظمة “مجاهدي خلق” قبل دخولها في مواجهة مسلحة مع النظام، لكن اعتقاله في أبريل (نيسان) 1979 أثار أزمة سياسية غير مسبوقة داخل السلطة الجديدة.
وتتعدد الروايات في شأن أسباب الاعتقال، إلا أن كثيراً منها يشير إلى أن العملية نفذت بمبادرة من قيادات بارزة في الحرس الثوري الوليد، من بينهم علي محمد بشارتي ومحمد غرضي، اللذان يعتقدان أن مجتبى متورط في أنشطة مرتبطة بالمنظمة.
واعترض محمود طالقاني بشدة على اعتقال نجله، وغادر طهران احتجاجاً، في خطوة أثارت قلق القيادة الإيرانية، واضطر آية الله الخميني إلى التدخل شخصياً لاحتواء الأزمة، فيما أوفد نجله أحمد الخميني للقاء طالقاني وإقناعه بالعودة.
ووثق أكبر هاشمي رفسنجاني في مذكراته تلك الأزمة، إذ رأى أن غياب طالقاني عن العاصمة وفر فرصة للقوى المعارضة لتصعيد انتقاداتها للسلطة الجديدة.
وتوفي طالقاني بعد أشهر قليلة من تلك الأحداث، في سبتمبر (أيلول) 1979، في ظروف لا تزال موضع جدال بين أفراد أسرته، الذين يعتقد بعضهم أن وفاته لم تكن طبيعية. وبعد رحيل والده، غادر مجتبى إيران ليستقر في فرنسا، حيث واصل معارضته للنظام حتى اليوم.
حسن لاهوتي… من مؤسس الحرس الثوري إلى ضحية الصراع الداخلي
تعد قصة حسن لاهوتي أشكوري واحدة من أكثر القصص إثارة للجدال في تاريخ النظام الإيراني، ليس فقط بسبب مكانته السياسية، بل أيضاً لأن أسرته وجدت نفسها في قلب الصراع بين النظام وأحد أبنائه.
كان لاهوتي من المقربين إلى آية الله الخميني، ومن أوائل رجال الدين الذين أدوا دوراً في تأسيس الحرس الثوري، كذلك انتخب نائباً في البرلمان بعد الثورة. إلا أن الأمور تغيرت جذرياً عام 1981 بعد اعتقال نجله وحيد لاهوتي بتهمة الارتباط بمنظمة “مجاهدي خلق”.
وبحسب الرواية الرسمية، عثرت قوات الادعاء العام خلال مداهمة منزل لاهوتي على أسلحة ووثائق ومطبوعات تخص المنظمة، قبل أن ينقل إلى سجن إيفين للاستجواب، حيث توفي بعد ساعات قليلة، وأعلنت السلطات أن وفاته جاءت نتيجة أزمة قلبية مفاجئة.
غير أن عائلته شككت منذ البداية في هذه الرواية، مؤكدة أن تقارير الطب الشرعي أظهرت لاحقاً وجود آثار لمادة “الستريكنين” السامة في معدته، وهو ما عزز الشكوك حول احتمال تعرضه للتسميم داخل السجن.
أما نجله وحيد، فقد انتهت حياته في ظروف لا تقل غموضاً، إذ قالت السلطات إنه ألقى بنفسه من أعلى مبنى بلاسكو في طهران أثناء محاولة الفرار، غير أن فائزة هاشمي، زوجة شقيقه حميد لاهوتي، شككت في هذه الرواية، مؤكدة أن المعطيات التي استندت إليها لا تتطابق مع الرواية الرسمية، وأن ظروف مقتله بقيت حتى اليوم موضع شك.
محمد محمدي كيلاني… حين لاحقت الاتهامات أبناء قاضي الثورة
من أكثر الروايات إثارة للجدال أيضاً تلك التي ارتبطت بآية الله محمد محمدي كيلاني، أحد أبرز قضاة الثورة في ثمانينيات القرن الماضي.
فعلى مدى أعوام طويلة، انتشرت رواية تقول إن كيلاني أصدر بنفسه حكماً بإعدام اثنين أو ثلاثة من أبنائه بعد انضمامهم إلى منظمة “مجاهدي خلق”، وتحولت هذه الرواية إلى واحدة من أكثر القصص تداولاً داخل إيران وخارجها.
وعلى رغم أن بعض المسؤولين شككوا لاحقاً في دقة هذه الرواية، مؤكدين أن أبناءه لم يعدموا بأحكام قضائية وإنما قتلوا في ظروف مختلفة، فإن عدداً من الشخصيات الرسمية لمح إلى صحتها بصورة غير مباشرة.
ففي عام 2009، أشاد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بمحمدي كيلاني، قائلاً إن العدالة الحقيقية تبدأ من الإنسان نفسه، في إشارة فهم منها كثر أنها تعني عدم استثنائه أبناءه من المحاسبة.
كذلك كتب حسين شريعتمداري، ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في صحيفة “كيهان” ورئيس تحريرها، أن اعتقال أحد أبناء كيلاني وإعدامه حصلا بموافقة والده، ورأى أن ذلك دليل على التزامه بما وصفه بـ”العدالة الشرعية”.
في المقابل، نفت صحيفة “جمهوري إسلامي” هذه الرواية، مؤكدة أن أحد أبناء كيلاني قتل خلال اشتباك مع قوات الأمن، بينما توفي اثنان آخران بعد تناولهما مادة السيانيد خلال محاولة الفرار نحو الحدود التركية، خشية اعتقالهما.
وبغض النظر عن الرواية الأقرب إلى الحقيقة، فإن هذه القضية بقيت رمزاً لتغليب الولاء للنظام على الروابط الأسرية في الأعوام الأولى من عمر النظام الإيراني.
غلام رضا حسني… الإمام الذي سلم ابنه ثم اعترف بندمه
يمثل غلام رضا حسني، إمام جمعة مدينة أرومية السابق، نموذجاً مختلفاً لهذا الصراع. فالرجل الذي اشتهر بخطبه المتشددة وحرصه الدائم على الظهور حاملاً السلاح، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ابنه رشيد، الذي انضم بعد الثورة إلى منظمة “مجاهدي خلق” ذات التوجه اليساري.
ويروي حسني في مذكراته أنه حاول مراراً إقناع ابنه بالتخلي عن نشاطه السياسي، لكنه فشل، قبل أن يبلغ السلطات بمكان اختبائه، ويشارك بنفسه في عملية اعتقاله، مؤكداً لعناصر اللجنة الثورية ضرورة إطلاق النار عليه إذا حاول المقاومة أو الفرار. وأحيل رشيد إلى القضاء، وصدر بحقه حكم بالإعدام ونفذ سريعاً.
وفي ذلك الوقت، أعلن حسني أنه لم يشعر بالندم، مؤكداً أنه أدى واجبه تجاه الثورة، بل ذهب إلى القول إنه كان سيتصرف بالطريقة نفسها لو سلك أي من أبنائه الآخرين الطريق ذاته.
غير أن موقفه تغير بصورة لافتة بعد أعوام، إذ أقر في إحدى مقابلاته بأن نجله لم يكن يستحق الإعدام، لأنه لم يرتكب جريمة قتل أو عملاً مسلحاً يبرر تلك العقوبة، وأن السجن المؤبد كان سيكون العقوبة الأنسب.
وقد عدت هذه المراجعة من أندر الاعترافات التي صدرت عن مسؤول بارز في النظام الإيراني في شأن الأحكام التي صدرت خلال الأعوام الأولى بعد الثورة، وإن جاءت بعد عقود من تنفيذ الحكم.
حسين خميني… حفيد المؤسس الذي شكك في ولاية الفقيه
إذا كان بعض أبناء المسؤولين تحدوا النظام من خارج مؤسساته، فإن حسين خميني فعل ذلك من قلب العائلة المؤسسة للنظام. فهو نجل مصطفى خميني، الابن الأكبر لآية الله الخميني، ويعد أكبر أحفاد مؤسس النظام الإيراني.
وبرز اسمه منذ الأعوام الأولى بعد الثورة، عندما أبدى تأييده للرئيس الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر، وشارك في تجمعات مؤيدة له، مما أدى إلى احتكاكات مع القوى الأمنية، ودفع جده إلى توجيه رسالة شخصية إليه يدعوه فيها إلى الابتعاد عن “الألعاب السياسية” والعودة إلى الدراسة في الحوزة العلمية.
لكن الخلاف الفكري لم يتوقف عند ذلك، ففي منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، خرج حسين خميني إلى خارج إيران، وأطلق سلسلة مواقف غير مسبوقة، شكك فيها بجدوى النظام، ورأى أن إقامة حكومة دينية خلال غيبة الإمام الثاني عشر لا تستند إلى أساس شرعي ملزم.
كذلك أعلن صراحة أنه يختلف مع جده في نظرية ولاية الفقيه، واصفاً هذا الخلاف بأنه “فقهي واجتهادي”، ودعا إلى إجراء استفتاء شعبي يحدد شكل النظام السياسي الذي يريده الإيرانيون.
وعلى رغم حدة هذه المواقف، عاد حسين خميني لاحقاً إلى إيران من دون أن يواجه العقوبات الثقيلة التي طاولت معارضين آخرين، وهو ما عزته تقارير إيرانية إلى وساطات عائلية داخل بيت الخميني، أسهمت في تجنيبه الملاحقة التي تعرض لها كثير من معارضي النظام.
روح الله زم… ابن رجل الثورة الذي انتهى على حبل المشنقة
تعد قضية روح الله زم من أكثر القضايا التي هزت الرأي العام الإيراني خلال العقد الأخير، ليس فقط بسبب الطريقة التي انتهت بها حياته، بل أيضاً لأن والده، محمد علي زم، كان أحد أبرز الوجوه الثقافية والإعلامية التي خدمت النظام الإيراني في أعوامه الأولى.
فقد تولى محمد علي زم رئاسة المؤسسة الفنية التابعة لمنظمة الإعلام الإسلامي، وهي إحدى أبرز المؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية في إيران، وكان من الشخصيات المقربة من دوائر صنع القرار بعد الثورة، حتى إنه أطلق على ابنه المولود عام 1979، اسم “روح الله” تيمناً بآية الله الخميني.
غير أن الابن اختار طريقاً مختلفاً تماماً. فبعد أعوام من النشاط الإعلامي، أسس قناة “آمد نيوز” على تطبيق “تيليغرام”، التي تحولت إلى واحدة من أكثر المنصات المعارضة تأثيراً داخل إيران، خصوصاً خلال احتجاجات نهاية عام 2017، حين نشرت تسريبات ووثائق ومعلومات أربكت أجهزة الدولة.
وأصبح روح الله زم أحد أبرز المطلوبين للأجهزة الأمنية الإيرانية، قبل أن تستدرجه الاستخبارات الإيرانية عام 2019 إلى خارج فرنسا، حيث كان يقيم، في عملية معقدة انتهت باعتقاله في العراق ونقله إلى طهران. وكان زم توجه إلى العراق بعدما أوهم بأن الزيارة تأتي في سياق لقاء مع آية الله علي السيستاني والحصول على دعم مالي لإطلاق محطة فضائية إعلامية، قبل أن يتبين لاحقاً أن الجهة التي نسقت معه كانت جزءاً من عملية أمنية أدارتها الاستخبارات الإيرانية.
وبعد محاكمة أثارت انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية، أعدم زم في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بتهمة “الإفساد في الأرض”.
وكان موقف والده لافتاً بعد تنفيذ الحكم، إذ خلع العمامة، ووجه انتقادات غير مسبوقة إلى القضاء الإيراني، واصفاً القضية بأنها قامت على “روايات مختلقة”، بينما عد إعدام نجله “قتلاً مباغتاً”، في تحول نادر لمسؤول سابق خدم النظام لعقود.
أحمد رضائي… الابن الذي انتهت حياته في ظروف غامضة
تجسد قصة أحمد رضائي، نجل محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري والأمين السابق لمجمع تشخيص مصلحة النظام، نموذجاً آخر للانقسام داخل عائلات الصف الأول في النظام الإيراني.
ففي أواخر التسعينيات، غادر أحمد إيران إلى الولايات المتحدة، حيث تقدم بطلب لجوء سياسي، وبدأ في إجراء مقابلات مع وسائل إعلام فارسية وغربية، تحدث خلالها عن ملفات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية، مما أثار ضجة واسعة داخل البلاد.
وبعد أعوام، نجح والده في إقناعه بالعودة إلى إيران، من دون أن يواجه ملاحقة قضائية، غير أن هذه العودة لم تستمر طويلاً، إذ غادر البلاد مجدداً ليستقر في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، عثر على جثته داخل أحد فنادق دبي، في حادثة ظلت ملابساتها غامضة حتى اليوم.
وأعلنت شرطة دبي أن الوفاة نجمت عن جرعة زائدة من الأدوية، لكن عائلته شككت في هذه الرواية، ورجحت أن يكون تعرض لعملية اغتيال، بينما ذهبت تفسيرات أخرى إلى اتهام جهات استخباراتية أو ربط الحادثة بخلافات مالية وتجارية.
وعلى رغم الجدال الذي رافق القضية، فإنها لم تؤثر في المسيرة السياسية لمحسن رضائي، الذي واصل شغل مناصب رفيعة في الدولة، قبل أن يعين لاحقاً نائباً لرئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية.
مهدي خزعلي… حين أعلن الأب التبرُّؤ من ابنه
ومن بين أكثر حالات الانقسام وضوحاً داخل عائلات رجال الدين، تبرز قصة مهدي خزعلي، نجل آية الله أبو القاسم خزعلي، أحد أبرز أعضاء مجلس صيانة الدستور والقيادات المحافظة في النظام الإيراني.
وبعد احتجاجات عام 2009، تحول مهدي خزعلي إلى أحد أكثر المنتقدين جرأة لسياسات النظام، وواصل عبر كتاباته ومواقعه الإلكترونية توجيه انتقادات حادة إلى أداء السلطات وسياسات الأجهزة الأمنية وطريقة إدارة البلاد.
وأمام تصاعد مواقفه، أصدر والده بياناً غير مسبوق تبرَّأ فيه من ابنه، مؤكداً أنه “انحرف عن الطريق المستقيم”، وأن تصريحاته تثير الفتنة وتشوش الرأي العام، مضيفاً أنه لم يعد يعده واحداً من أبنائه.
ومنذ ذلك الحين، تعرض مهدي خزعلي للاعتقال أكثر من مرة، وخاض إضرابات طويلة عن الطعام داخل سجن إيفين، ولا يزال حتى اليوم يخضع لإجراءات قضائية ورقابية بسبب مواقفه المعارضة.
فائزة هاشمي… ابنة “رجل النظام” التي أصبحت من أبرز منتقديه
إذا كانت غالبية الشخصيات السابقة دخلت في مواجهة مع النظام عبر العمل المسلح أو المعارضة التقليدية، فإن فائزة هاشمي رفسنجاني تمثل نموذجاً مختلفاً. فهي ابنة أحد أبرز مؤسسي النظام، الرئيس الإيراني السابق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، لكنها تحولت شيئاً فشيئاً إلى واحد من أكثر الأصوات انتقاداً للسلطة من داخل المعسكر الذي خرجت منه.
برز اسم فائزة منذ تسعينيات القرن الماضي كناشطة سياسية ومدافعة عن حقوق المرأة، غير أن مواقفها أخذت منحى أكثر حدة بعد الانتخابات الرئاسية في 2009، ثم ازدادت جرأة في الأعوام الأخيرة، إذ وجهت انتقادات مباشرة إلى الحرس الثوري وسياسات النظام الداخلية والخارجية، كذلك شككت في عدد من المسلمات التي يقوم عليها الخطاب الرسمي.
ولم تتوقف مواقفها عند النقد السياسي، ففي أواخر عام 2025 أثارت جدالاً واسعاً عندما صرحت، في مقابلة إعلامية، بأن وفاة والدها لم تكن طبيعية، ووصفتها بأنها “اغتيال من داخل النظام”، وهو اتهام غير مسبوق صدر عن ابنة أحد أهم أركان النظام الإيراني، وأدى إلى فتح ملف قضائي جديد بحقها، بينما كانت تقضي بالفعل أحكاماً بالسجن على خلفية تصريحات سابقة.
وعلى خلاف كثير من المسؤولين الذين تبرأوا من أبنائهم، حافظ هاشمي رفسنجاني، خلال حياته، على علاقته بابنته، على رغم اختلافه مع كثير من مواقفها، إذ كان يحاول احتواء الخلاف داخل إطار الأسرة، وهو ما جعل قصتها تختلف عن حالات أخرى انتهت بالقطيعة الكاملة.
ميثم جبلي… أحدث فصول الانقسام داخل عائلات المسؤولين
طلب ميثم جبلي، شقيق رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بيمان جبلي، اللجوء السياسي في الولايات المتحدة. وقال جبلي إن الدافع الأساس وراء قراره كان فقدان ثقته بالنظام، ولا سيما بعد إسقاط الحرس الثوري الطائرة الأوكرانية، التي كان من بين ضحاياها ابن شقيقه محمد أمين جبلي.
وأضاف أن أكثر ما كان يصعب عليه فهمه هو استمرار شقيقيه في الدفاع عن النظام، على رغم أن العائلة نفسها دفعت ثمناً مباشراً لذلك الحادثة.
وتحمل هذه القضية بعداً رمزياً خاصاً، لأن بيمان جبلي يتولى رئاسة المؤسسة الإعلامية الرسمية التي تعد أهم أدوات الدولة في صياغة الرواية الرسمية والدفاع عن سياسات النظام، في حين اختار شقيقه الاصطفاف في الاتجاه المقابل، معلناً فقدان ثقته بالسلطة التي يمثلها شقيقه.
أبناء المسؤولين في الغرب… انشقاق من نوع آخر
وخلال العقدين الأخيرين، برز نمط جديد من الابتعاد عن المشروع الرسمي للنظام الإيراني، لا يقوم على المعارضة السياسية المباشرة، بل تجلى في اختيار الإقامة الدائمة في الدول الغربية، والاستفادة من أنماط الحياة التي طالما هاجمها الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام التابعة للنظام.
وأثارت هذه الظاهرة موجة واسعة من الجدال داخل إيران، خصوصاً بعدما تبين أن أبناء عدد من كبار المسؤولين، أو أحفادهم، يقيمون في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وألمانيا، بينما يواصل آباؤهم الدفاع عن شعارات “الاستكبار العالمي” و”الموت لأميركا”.
ومن أكثر القضايا التي أثارت الرأي العام إقامة أبناء مسؤولين بارزين في كندا والولايات المتحدة، في وقت كانت أسرهم تتولى فيه مناصب رسمية مرتبطة بملفات المرأة والتعليم والثقافة، وتدافع عن سياسات التشدد الديني والحجاب الإلزامي داخل إيران.
كذلك تحولت حياة بعض أبناء المسؤولين، مثل ساشا سبحاني وياسين رامين، إلى مادة دائمة للنقاش داخل المجتمع الإيراني، بعد ارتباط أسمائهم بقضايا مالية، أو أنماط حياة بعيدة تماماً عن الخطاب المحافظ الذي تبناه آباؤهم.
وعلى رغم اختلاف هذه الحالات عن نماذج المعارضة السياسية، فإنها عكست، في نظر كثير من الإيرانيين، اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية داخل بعض بيوت المسؤولين.
ظاهرة تتكرر منذ قيام النظام الإيراني
تكشف مراجعة هذه النماذج عن أن الانقسامات داخل عائلات قادة النظام لم تكن حوادث فردية أو استثناءات عابرة، بل ظاهرة رافقت السلطة منذ أعوامها الأولى، وإن اختلفت أشكالها ودوافعها من جيل إلى آخر.
ففي ثمانينيات القرن الماضي، غلب على هذه الانقسامات طابع أيديولوجي وعسكري، حين حمل بعض أبناء رجال الدين والمسؤولين السلاح ضد النظام أو انضموا إلى التنظيمات المعارضة. أما في العقود اللاحقة، فقد أخذت أشكالاً مختلفة، تمثلت في المعارضة السياسية والنشاط الحقوقي والإعلامي وانتقاد نظرية ولاية الفقيه، أو مغادرة البلاد والاستقرار في الغرب.
ويذهب عدد من الباحثين إلى أن هذه الظاهرة تعكس طبيعة الأنظمة الأيديولوجية المغلقة، التي غالباً ما تفرض على أبنائها معايير أكثر صرامة من بقية المجتمع، فينشأ بعضهم في بيئة يغلب عليها الانضباط العقائدي والتشدد الفكري، وتتأسس قناعاتهم، في معظمها، على أسس دينية وسياسية. غير أن الاحتكاك بالمجتمع، أو التعليم، أو التجارب الشخصية، يدفع بعضهم لاحقاً إلى مراجعة تلك القناعات، بل والتمرد عليها أحياناً.
وفي الحالة الإيرانية، تضاف إلى ذلك عوامل أخرى، منها الانفتاح الإعلامي واتساع استخدام الإنترنت وتزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن الاحتكاك المباشر لأبناء المسؤولين بالعالم الخارجي عبر الدراسة أو الإقامة أو السفر أو النشاط الاقتصادي، مما دفع كثيراً منهم إلى إعادة النظر في المُسلَّمات التي نشأوا عليها داخل أسرهم، بل والانفصال عنها في بعض الأحيان.
وفي سياق تفسير هذه الظاهرة، يقدّم الباحث والناشط السياسي الإيراني مهدي جلالي طهراني قراءة تتجاوز الحالات الفردية، ويربطها بالبنية الفكرية والأخلاقية للنظام الإيراني نفسه. ويستند طهراني في تحليله إلى خلفيته العائلية، إذ نشأ في بيئة وثيقة الصلة بقيادات الثورة، وكان والده من تلامذة آية الله الخميني، كما عايش عن قرب أبناء عدد من كبار المسؤولين وأحفاد مؤسس النظام.
ويرى طهراني أن انتقال بعض أبناء المسؤولين الإيرانيين إلى الدول الغربية، سواء بصفة معارضين أو رجال أعمال، لا ينبغي تفسيره دائمًا على أنه تحول فكري أو سياسي حقيقي. فبعض هذه الحالات، بحسب تقديره، قد يعكس محاولة لإعادة تقديم الذات أمام الرأي العام الغربي، أو حماية المصالح الشخصية والثروات التي راكمتها عائلاتهم خلال وجودها داخل دوائر السلطة، أكثر مما يمثل مراجعة جذرية للمشروع السياسي الذي نشأوا في ظله.
كما يعتبر أن إقامة عدد من أبناء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا، في وقت يواصل فيه آباؤهم تبني خطاب سياسي معادٍ للغرب، تكشف عن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية داخل الطبقة الحاكمة. ويرى أن هذا التناقض أسهم في إضعاف جزء من الشرعية الأخلاقية للنظام لدى شرائح واسعة من الإيرانيين، ولا سيما بين فئة الشباب.
وفي الوقت نفسه، يحذر طهراني من التعامل مع جميع أبناء المسؤولين الذين غادروا إيران باعتبارهم معارضة ديمقراطية بصورة تلقائية، معتبرًا أن بعضهم يحمل إرثًا سياسيًا وثقافيًا تشكل داخل مؤسسات السلطة. ومن وجهة نظره، يستدعي ذلك إخضاعهم للمساءلة بشأن مصادر ثرواتهم وخلفياتهم السياسية، بدل الاكتفاء بالمواقف التي يعلنونها بعد مغادرة البلاد.
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن النظام الذي نجح، على مدى أكثر من أربعة عقود، في احتواء كثير من خصومه السياسيين أو إقصائهم، لم يستطع منع الانقسامات من الوصول إلى بيوت بعض أبرز مؤسسيه وكبار مسؤوليه. فمن بين تلك البيوت خرج معارضون وناشطون ولاجئون وسجناء، بل وحتى من حملوا السلاح في مواجهة الدولة، وهو ما يجعل هذه الظاهرة واحداً من أكثر الملفات دلالة على التعقيدات الداخلية التي صاحبت مسيرة النظام الإيراني منذ تأسيسه، وحتى اليوم.
