أثارت معلومات متقاطعة خلال الأيام الماضية حول إجراء حركة تنقلات واسعة داخل الجيش السوري بالتزامن مع حالة استنفار عسكري غير معلنة رسمياً، تساؤلات بشأن طبيعة ما يجري داخل المؤسسة العسكرية، وما إذا كانت هذه الإجراءات تعكس مجرد استكمال لعملية إعادة الهيكلة التي بدأتها وزارة الدفاع قبل أشهر، أم أنها ترتبط أيضاً بخلافات داخل المؤسسة العسكرية كما قال البعض، أو بتقديرات أمنية فرضتها تطورات إقليمية متسارعة.
ورغم غياب أي إعلان رسمي عن تفاصيل التنقلات، أو دوافع الاستنفار، فإن مصادر متعددة، إلى جانب معطيات ميدانية، تشير إلى أن وزارة الدفاع تمضي في تنفيذ مرحلة جديدة من إعادة تنظيم الجيش السوري بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية في عدد من الوحدات العسكرية.
إعادة هيكلة مستمرة
وبحسب الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، فإن إعادة الهيكلة ليست خطوة مستجدة، وإنما بدأت منذ منتصف العام الماضي عندما اعتمدت وزارة الدفاع نموذجاً قائماً على نحو عشرين فرقة عسكرية، قبل أن يعاد تنظيم الجيش السوري نهاية يونيو/حزيران الماضي وفق هيكلية جديدة تعتمد نظام الفيالق.
رشيد حوراني: الهيكلية الجديدة تقوم على خمسة فيالق موزعة جغرافياً
ويوضح حوراني، لـ”العربي الجديد”، أن الهيكلية الجديدة تقوم على خمسة فيالق موزعة جغرافياً، في الجنوب، والوسط، والساحل، والشمال، والشرق، مع دمج عدد من الفرق نتيجة عدم توفر تعداد كافٍ يسمح بالإبقاء على جميع التشكيلات السابقة، بحيث يضم كل فيلق فرقتين أو ثلاث فرق، إضافة إلى ألوية من القوات الخاصة أو من مختلف الصنوف، وهو ما استدعى بالضرورة إعادة توزيع المناصب القيادية وإجراء سلسلة من التنقلات.
وأشارت مصادر عسكرية أخرى، تحدثت لـ”العربي الجديد”، إلى أن الهيكلية لا تزال قيد التطوير، وأن الصيغة النهائية قد تتجه إلى اعتماد ستة فيالق رئيسية، تضم كل منها فرقتين فقط، بما يهدف إلى تبسيط هيكل القيادة والسيطرة وتقليص عدد المستويات القيادية.
وتقاطعت عدة مصادر على أن التغييرات الأخيرة لم تقتصر على قائد بعينه، وإنما شملت عدداً من قادة الفرق والتشكيلات العسكرية. وفي هذا السياق، كشفت مصادر في وزارة الدفاع، لـ”العربي الجديد”، عن تعيين العميد محمد حسين الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، بعدما كان يقود الفرقة 62 في محافظة حماة، ضمن سلسلة تعيينات جديدة، شملت أيضاً إعفاء عدد من قادة الفرق والألوية وإعادة توزيعهم على مواقع مختلفة داخل الفيالق. كما تضمنت القرارات، وفق المصادر، نقل كل من ثائر معروف، ومعتصم عباس، وعبد الناصر أبو جلال إلى مناصب ضمن قيادة الفيلق الثاني، فضلاً عن إنهاء تكليف سيف الدين بولاد (أبو بكر) بقيادة الفرقة 76. وأكدت المصادر أن هذه الإجراءات تأتي في إطار سياسة تستهدف إعادة توزيع القيادات، ومنع تشكل مراكز نفوذ داخل المؤسسة العسكرية، عبر إنهاء الطابع الفصائلي أو المناطقي الذي طبع بعض التشكيلات خلال السنوات الماضية.
هل خسر “أبو عمشة” نفوذه؟
وبينما ذهبت مصادر كردية إلى تفسير تعيين أبو عمشة نائباً لقائد الفيلق الأوسط على أنه تقليص لنفوذه العسكري، واستجابة لطلبات من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن مصادر أخرى مطلعة على عملية إعادة الهيكلة رأت أن قراءة التغييرات من زاوية شخص واحد لا تعكس الصورة الكاملة، إذ إن التنقلات تشمل معظم قادة الفرق، وتأتي في إطار إعادة بناء الهيكل القيادي بأكمله، وليس استهداف شخصية بعينها. وبالتالي، لا تتوفر حتى الآن معطيات كافية تسمح بالقول إن تعيين أبو عمشة يمثل إجراءً عقابياً أو نتيجة خلافات داخلية، بخاصة مع استمرار إعادة توزيع عدد كبير من القيادات بالتوازي.
استنفار الجيش السوري… اختبار جاهزية أم رسالة أمنية؟
بالتزامن مع هذه التغييرات، أفادت مصادر عسكرية متقاطعة بأن وزارة الدفاع طلبت من الوحدات العسكرية رفع الجاهزية إلى 100%، وإلغاء الإجازات، والالتحاق بالثكنات، مع منع تصوير الأرتال العسكرية. كما رُصدت تحركات عسكرية باتجاه معبري القائم واليعربية على الحدود السورية العراقية، دون أن يصدر أي توضيح رسمي بشأن أسباب هذه الإجراءات.
ورأى حوراني أن هذا الاستنفار منفصل عن عملية إعادة الهيكلة، لافتاً إلى أن الجيوش تلجأ بصورة دورية إلى إعلان حالات استنفار لاختبار جاهزية القوات، خصوصاً بعد إدخال تغييرات تنظيمية واسعة، وهو ما قد يفسر الإجراءات الأخيرة. إلا أنه لا يستبعد في الوقت نفسه وجود بعد أمني مرتبط بالتطورات على الحدود الشرقية، بخاصة بعد تصريحات قائد قوات الحدود العراقية التي أكد فيها استمرار التنسيق الكامل مع الجانب السوري، الأمر الذي قد يشير إلى وجود تقديرات أمنية مشتركة تتعلق بمخاطر محتملة، سواء من جانب بعض الفصائل المسلحة العراقية أو من نشاط تنظيم “داعش”.
روايات متعددة… وغياب الدليل القاطع
في المقابل، ربطت بعض التقارير الإعلامية الاستنفار بخلافات داخلية حول قرارات دمج بعض التشكيلات العسكرية وإعادة توزيع القيادات، غير أن هذه الروايات تستند إلى مصادر غير رسمية، ولم يصدر ما يؤكدها من وزارة الدفاع. كما نفت السلطات العراقية وجود أي تهديد مباشر على الحدود، مؤكدة استمرار التنسيق الأمني مع الجانب السوري، رغم استمرار تداول معلومات عن رصد تحركات لفصائل مسلحة قرب الشريط الحدودي.
مصادر في وزارة الدفاع: تعيين العميد محمد حسين الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى
وفي المحصلة، تبدو حركة التنقلات الأخيرة جزءا من مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية الذي بدأ قبل أكثر من عام، ويهدف إلى الانتقال من بنية قائمة على الفرق المتعددة إلى هيكلية تعتمد الفيالق، مع إعادة توزيع القيادات وتقليص النفوذ الفصائلي داخل الجيش. أما الاستنفار العسكري، فلا تزال دوافعه الفعلية غير واضحة في ظل غياب الموقف الرسمي، ما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالين رئيسيين: الأول أنه إجراء تنظيمي لاختبار الجاهزية في الجيش السوري بعد إعادة الهيكلة، والثاني أنه استجابة لاعتبارات أمنية مرتبطة بالتطورات على الحدود الشرقية، وربما يجمع بين الأمرين معاً. وإلى أن تصدر رواية رسمية، تبقى معظم التفاصيل المتداولة في إطار المعلومات غير المؤكدة، فيما يبدو الثابت الوحيد أن المؤسسة العسكرية السورية تمضي في مرحلة إعادة تنظيم واسعة قد تعيد رسم بنيتها القيادية خلال الفترة المقبلة.