شيء من الأنثروبولوجيا الثقافية والدبلوماسية: توماس باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، يعاد تعيينه في منصب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، حيث أُضيفت الدولة الأخيرة حديثاً إلى نطاق صلاحياته. سابقاً، شارك باراك بنشاط في تسوية الأوضاع السياسية الداخلية في سوريا، لا سيما في الملف الكردي، وهو معروف بابتكار “صيغة ممر زانغيزور” في جنوب القوقاز، كما انخرط شخصياً وبقوة في المفاوضات اللبنانية المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله”. وإذ أتابع نشاطه منذ لحظة ظهوره في المنطقة، لا بد لي من الإشارة إلى أنه، ومقارنة بممثلي الإدارة الأميركية الحالية الآخرين، يظهر أحياناً معايير ملحوظة من العقلانية والواقعية.
من هو توماس باراك؟ أولاً، هو ليس دبلوماسياً محترفاً، بل رجل أعمال وصديق شخصي قديم لدونالد ترامب، ويمتلك شبكة علاقات عميقة في العالم العربي وتركيا، بناها من خلال قطاع الاستثمار الاستراتيجي. إن مسرحية إقالته ثم إعادة تعيينه بعد يوم واحد فقط، تعكس الاستعراضية “الترامبية” التقليدية: خلق حالة من الغموض والترقب، تليها فرقعة الإعلان الإخباري. لكن ثمة تفصيلاً أكثر أهمية هنا؛ فمن المعروف أن باراك تعرض لانتقادات حادة من الجانب الإسرائيلي بسبب تعاطفه المفرط مع أنقرة ودمشق، بل إنه انتقد علناً في بعض الأحيان السياسات الإسرائيلية في المنطقة. ولذا، فإن الإبقاء عليه وتوسيع تفويضه ليشمل العراق يعد إشارة واضحة إلى أن واشنطن تراهن بوعي على مقاربة تتمحور حول الدور التركي في المنطقة، من دون الالتفات كثيراً إلى تحفظات تل أبيب.
رسمياً، يغيب لبنان عن تفويضه المكتوب، ولكن بالنظر إلى أصوله (جده جوزيف باراك، مسيحي لبناني من مدينة زحلة، هاجر إلى الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر من الإمبراطورية العثمانية، وتنتمي الجذور العائلية إلى كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك)، فهو ليس مجرد “خبير بالمنطقة”، بل رجل يمتلك ارتباطاً شخصياً عميقاً بالفضاء السوري-اللبناني تحديداً. وهو نفسه قال يوماً إنه “يعود إلى الجذور التي تحمل شفرته الوراثية”.
من بين أمور أخرى، “اشتهر” باراك في لبنان بتقييماته الحادة واللاذعة للثقافة السياسية اللبنانية، فضلاً عن قراءته المثيرة للجدل للعلاقات السورية-اللبنانية. ففي منتدى الدوحة، أعلن باراك أن لبنان وسوريا “يجب أن يتقاربا” لأنهما يشكلان معاً “حضارة متميزة واحدة”، ويجب النظر إلى أزماتهما من خلال “عدسة موحدة”. وقد اعتبر المحللون اللبنانيون هذا الطرح بمثابة حجة حضارية تقوض السيادة اللبنانية، كأن الحدود بين البلدين مجرد خطأ تاريخي وليست إنجازاً سيادياً. وعندما سُئل مباشرة: “هل السياسيون اللبنانيون يعملون معك بجدية أم يكتفون بشراء الوقت؟”، أجاب: “كلاهما”. وأضاف: “الثقافة السياسية اللبنانية تقوم على الإنكار، والتهرب، وتشتيت الانتباه. هكذا كان الحال طوال ستين عاماً، وهذا ما يجب أن يتغير”.
إن عبارة “الإنكار، والتهرب، وتشتيت الانتباه” ليست مجرد تقييم دبلوماسي بارد؛ بل هي لسان حال رجل يعرف خبايا هذه الثقافة من الداخل، ويسمح لنفسه بنقدها علناً لأنه يرى نفسه جزءاً منها. إنها المنطق ذاته الذي يتيح للمغترب من الجيل الثاني أن يقول عن وطنه الأم أشياءً لا يمكن أن يغفرها اللبنانيون لأي غريب.
أما أطروحته حول “الحضارة المتميزة والواحدة” للبنان وسوريا، فهي ليست مجرد جيوسياسة مجردة، بل هي نظرة رجل عاش أجداده في فضاء لم تكن فيه الحدود التي رسمها الفرنسيون في العام 1920 تعتبر يوماً حدوداً طبيعية لدى جيل معين من المسيحيين اللبنانيين. وهنا يقع باراك في “فخ الشتات” الكلاسيكي للجيل الثاني: ثمة ارتباط عاطفي وحدس ثقافي، لكن تغيب الذاكرة الحية والتجربة المعيشة لما حدث في الوطن بعد رحيل الأجداد. لقد تجمّعت المنطقة في ذهنه جزئياً عند صورة “المشرق” الرومانسية والمثالية، وهي صورة لا تطابق الواقع المرير وما شهدته البلاد على الأرض طوال قرن من الزمان. هذه الرؤية قد تكون ذات صلة، لكنها تظل قاصرة وغير مكتملة، وقصورها تحديداً هو ما يجعلها خطيرة عندما تصدر عن رجل يحمل تفويضاً بمثل هذا الثقل.
في الواقع، إن النظام التوافقي اللبناني مصمم بنيوياً ومبرمج لإنتاج المماطلة وشراء الوقت. تقاسم المناصب والتحاصص الطائفي، وحقوق الفيتو، ومنظومة “التعطيل المتبادل”، ليست مجرد مظاهر فساد عابرة؛ بل هي هندسة ميثاقية تجعل من عملية اتخاذ القرار واجباً شاقاً ومعقداً. الشغور الرئاسي الذي يمتد لعامين ونصف عام، الحكومات المشلولة، وغياب الموازنة العامة لسنوات… كل هذا ليس محض صدفة.
لكن هذه “الثقافة” التعطيلية تمثل في عمقها استجابة عقلانية لشروط واقعية قاهرة. فالسياسيون اللبنانيون لا يماطلون لأنهم ولدوا بجينات التعطيل، بل لأن أي قرار حاسم وقطعي في بيئة تعج باللاعبين المسلحين، والوصايات الخارجية، والاحتقان الطائفي، قد يكلفهم حياتهم، حرفياً. رفيق الحريري، بشير الجميل، رينيه معوض، كلهم اغتيلوا تحديداً عندما حاولوا كسر الجمود والتحرك نحو قرارات حاسمة. أي أن ما يقرأه باراك كـَ “خلل ثقافي” هو في جزء كبير منه آلية غريزية للبقاء على قيد الحياة، في ظل ظروف لم تنجح الولايات المتحدة نفسها يوماً في تغييرها نحو الأفضل.
وتكمن الأزمة الأعمق في إطار مقاربة باراك في كونه يأتي بعقلية رجل الأعمال البراغماتية: هناك مشكلة، إذن هناك حل، وما علينا سوى توقيع العقد. لكن لبنان ليس صفقة تجارية مع مقاول واحد، بل شبكة معقدة وتوازنات دقيقة حيث لا يخضع أي لاعب للمساءلة أمام الدولة، بل أمام طائفته أولاً وأمام راعيه الخارجي ثانياً.
إن الحديث عن “تغيير الثقافة السياسية” خلال دورة دبلوماسية واحدة، ينم إما عن سذاجة مفرطة أو أنه مجرد خطاب موجه للاستهلاك الإعلامي.