لم يتأخّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تعيين توم برّاك مبعوثاً رئاسياً خاصّاً إلى سورية والعراق، بعد يوم من إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو إنهاء مهامه مبعوثاً أميركياً خاصّاً إلى سورية، إضافة إلى احتفاظه بمنصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة. وتعكس هذه الخطوة أن برّاك لا يزال يحظى بثقة كبيرة من ترامب، وبمكانة مهمّة لديه، لكنّها تطرح، في الوقت نفسه، تساؤلات بشأن مهمته الجديدة، التي تحصر الملفَّين السوري والعراقي بيده بالترابط مع استمرار وظيفته في تركيا، وحول طبيعة دوره الجديد، في ظلّ التصعيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
يبدو أنّ تغيير صفة برّاك من “مبعوث أميركي خاصّ” إلى “مبعوث رئاسي خاص” لا يحمل دلالات عملية على مستوى التغيير الوظيفي، بل يندرج ضمن إطار قانوني وإداري مرتبط بمدّة التكليف وآلية التمديد، إذ ليس الاختلاف بين المنصبَين كبيراً في المهام الموكلة إليه أو الصلاحيات الواسعة التي يتمتّع بها، بالنظر إلى قربه من الرئيس ترامب، على الرغم من تبدّل التسمية الرسمية. وتكمن أهمّية التعيين الجديد في أنّه أعلن فشلَ محاولات إبعاده عن اللوبي الإسرائيلي، وترسيخ رؤية ترامب للعمل مع تركيا في سورية والعراق، إذ يُعتقد أنّ المفتاح بيد تركيا، ويريد مواصلة العمل معها في ملفَّي العراق وسورية، على الرغم من عدم تقبّل إسرائيل للدور التركي في المنطقة.
ظهر دور برّاك في الساحة السورية، فأشرف على ملفّات عديدة فيها بعد إسقاط نظام الأسد، خصوصاً إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وبرز خلال أحداث محافظة السويداء في يوليو/ تموز الماضي. إضافة إلى دوره في ملفّ المفاوضات الأمنية بين سورية وإسرائيل، إذ كان حاضراً خلال جولات التفاوض المباشرة بين الجانبَين في باريس. وبدا على توافق مع السلطة السورية الجديدة منذ توليه مهمّته في مايو/ أيار من العام الماضي، ولعب دوراً في مسار تخفيف العقوبات الأميركية عن سورية. وقد أثار دور برّاك الفاعل ردّات فعل لدى بعض دول المنطقة، وخصوصاً إسرائيل، فلم تتقبّل حكومة بنيامين نتنياهو قوله: “يجب ألا تُقسم سورية، لا نريد سايكس – بيكو جديدة، ويجب أن نعمل مع تركيا ودول الخليج والفاعلين الإقليميين”. كذلك تأثّرت “قسد” بمواقفه، لأنّه تبنّى مواقف أظهرت تغيّر نظرة الولايات المتحدة إليها، بل والتخلّي عنها لمصلحة وحدة الأرض السورية. فقد اعتبر في تصريحه (20 يناير/ كانون الثاني الماضي) أنّ “أكبر فرصة أمام الأكراد في سورية الاندماج في الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع خلال المرحلة الانتقالية بعد الأسد. وهذا يوفّر طريقاً نحو دولة سورية موحّدة بالكامل”، وقد وجّه له بعض أعضاء المجموعات الكردية، ومنها “قسد”، اتهامات بـ”الخيانة”، لكنّها اضطرت في النتيجة إلى الاندماج في الجسد السوري الموحَّد.
يعكس حصر الملفَّين، السوري والعراقي، بيد برّاك رغبة الإدارة الأميركية في الربط بينهما بشكل يسمح لها بتعميق سياساتها في البلدَين، وإدراجهما داخل منظومة استراتيجية واحدة، وبما يتّسق مع المصالح الأميركية في المنطقة، التي تنهض على نهج براغماتي يتوافق مع شخصية ترامب بعدّه رجل صفقات قبل أن يكون رجل سياسة، ويتعامل مع العلاقات الدولية من جهة البحث عن شركاء في منطقة الشرق الأوسط. ولم يخرج برّاك عن الإطار الذي يرسمه ترامب. ويجد التوجّه الأميركي الجديد تحقّقه في سلسلة اتصالات ومباحثات لبرّاك منذ أشهر بين عدة دول في المنطقة، وتهدف إلى ربط الملفّات اللبنانية والسورية والعراقية ضمن مقاربة واحدة، في تغيّر يعكس رؤيةً أميركيةً جديدةً للتعامل مع أزمات في منطقة المشرق العربي، أساسه الاستمرار في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتعزيز الاستقرار في سورية والعراق، والحدّ من النفوذ الإيراني، انطلاقاً من قناعة متزايدة داخل الإدارة الأميركية ترى أنّ النفوذ الإيراني في المنطقة لا يمكن احتواؤه عبر معالجة كلّ ساحة بصورة منفصلة عن الأخرى، سواء في لبنان أو في سورية أو في العراق، إنّما عبر بناء منظومة إقليمية جديدة تستعيد فيها “الدولة” دورها السياسي والأمني، وبما يفضي إلى تراجع أدوار المجموعات المسلّحة غير الحكومية المرتبطة بالنظام الإيراني.
يتقاطع التصوّر الأميركي الجديد مع مساعي الحكومة العراقية المكثّفة وغير المسبوقة الهادفة إلى إنهاء ظاهرة الفصائل المسلّحة وحصر سلاحها بيد الدولة، وفكّ ارتباطها بكياناتها الحزبية، وإعادة هيكلتها، ودمجها بالكامل تحت مظلّة المنظومة الأمنية الرسمية، وبإشراف مباشر من قيادة الجيش العراقي. وبالتالي، يمكن اعتبار إضافة العراق إلى مهمّة برّاك خطوةً باتجاه محاصرة النفوذ الإيراني فيه، إضافة إلى اهتمام أميركي متزايد بملفَّي الطاقة والممرّات الاستراتيجية، ما يعني أنّ مهمّة برّاك تقتضي منه البحث عن تفاهمات مع الحكومة المركزية في بغداد، ولا سيما أنّه يميل إلى الدبلوماسية الناعمة التي تفضّل الحلول الاقتصادية والسياسية على التصعيد والحرب، خصوصاً بعد أن اختار النظام الإيراني المواجهة والتحدّي، وأظهر قدرةً على الصمود على الرغم من الخسائر الهائلة، وخالف توقّعات ترامب بالانهيار والهزيمة السريعة.
ولا يخرج لبنان عن التصوّر الأميركي الجديد، لكنّه يمثّل الحلقة الأكثر تعقيداً بسبب ملفّ حزب الله وارتباطاته الإقليمية، فيما تحضر سورية إحدى الحلقات الرئيسة لأيّ ترتيبات أمنية وسياسية مستقبلية، وباتت لقاءات برّاك مع المسؤولين السوريين والعرب تتجاوز ملفّات الحدود والأمن والتطبيع، لتشمل شكل التوازنات الإقليمية التي تسعى واشنطن إلى بنائها.
ينبغي الإشارة إلى أنّ توم برّاك سيشرف على تنفيذ الرؤية الأميركية في سورية والعراق عبر مساهمته في صياغة التصوّرات والأفكار المتعلّقة بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، إلّا أنّ تنفيذها يجري ضمن مؤسّسات الدولة الأميركية، وبعد الحصول على الموافقات اللازمة، لأنّه لا يعمل بشكل مستقلّ، ويتشاور بشكل دوري مع ترامب ووزير الخارجية ومجلس الأمن القومي بشأن الخطوات والسياسات التي يجري تنفيذها في المنطقة.
