
كاتب وباحث في التاريخ السوري المعاصر… جريدة الثورة السورية .دمشق
يمكن أن نقول عن فرد إنه من النخبة إذا كان متفوقاً في مجال تخصصه العلمي أو التجاري أو الاقتصادي أو الديني. ويمتلك تأثيراً في مجتمعه مع تصور ما لماضي وحاضر ومستقبل بلده، ويمارس مهنته على هذا الأساس، ومنهم الطبيب ورجل الدين والمحامي والتاجر والحرفي.. إلخ.
النخبة بالنسبة للمجتمع كالرأس للجسد، لذلك هناك كثير من المجتمعات لا تترك الأمر للمصادفة بل تتدخل في عملية إنتاج النخب. على سبيل المثال هناك في فرنسا المدرسة العليا للإدارة التي تخرج منها 4 من آخر 6 رؤساء، ومنهم الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون.
تعرضت النخبة الشامية، والسورية منها بشكل خاص، إلى ثلاث كوارث كبيرة في القرن العشرين، أولها كارثة 1916 على يد الوالي العثماني جمال باشا، الذي نفذ حكم الإعدام والنفي، والإرسال إلى الخطوط الأمامية للجبهة، بأطباء وعسكريين وحقوقيين و مفكرين ورجال دين. كل منهم كان مشعل نور في مجتمعه الضيق و الموسع في وقت كان أغلب الناس لا يمتلكون إلا النزر اليسير من المعرفة، كما كان لهم أن يديروا جهاز دولة كاملاً في وقت عزّ وجود من يقرأ أو يكتب.
كان ذلك أشبه بعملية إبادة للنخبة التي تكونت بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في حين كان يجب أن يعاملوا بكل رعاية واهتمام وحب لأنهم كالخميرة في مجتمعهم، الذي يريد النهوض ومواكبة العصر.
وهذا ما أدركه الشيخ المجدد ومؤسس التعليم في ولاية سوريا العثمانية الشيخ طاهر الجزائري. ينقُل عنه مؤرخ الشام محمد كردعلي قوله وهو على سرير الموت: “اذكروا من عندكم من الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد، ودونوا أسماءهم في جريدة لئلا تنسوهم، ونوهوا بهم عند كل سانحة، واحرصوا عليهم حرصكم على أعز عزيز، وأظنهم لا يُعدون أكثر من خمسين رجلاً”، مضيفاً: كان يقول لنا: “تجاوزوا عن سيئاتهم، وانتفعوا بحسناتهم”.
أما النكبة الثانية التي تعرضت لها النخبة فقد كانت على يد الانتداب الفرنسي، الذي شتت شمل النخبة الفيصلية. اجتمع في دمشق بين عامي 1918 – 1920 الناجون من إعدام جمال باشا، والعائدون من مصر التي هاجروا اليها على دفعات منذ نهاية القرن التاسع عشر، مع النخبة العسكرية العراقية العسكرية التي قدّرت عددها المس بيل المرتبطة بدوائر الاستخبارات البريطانية بـ 300- 400 ضابط وهم الذين أداروا العراق لاحقاً عند تأسيس المملكة العراقية بعد عام 1921، يضاف إليهم النخبة الحجازية.
اجتمع كل هؤلاء في دمشق في لحظة تاريخية فريدة وشرعوا بصياغة مشروع نهوض للأمتين العربية والإسلامية يرتكز على دمشق. لكن الاحتلال الفرنسي بدد هذه النخبة ثانية بأحكام الإعدام والاعتقال وتجفيف البيئة المناسبة لعملها ما جعلها تغادر دمشق إلى المنافي، وعاد الحجازيون إلى الحجاز. والعراقيون إلى العراق حيث أسسوا العراق الحديث، الذي دمره الأميركان عام 2003.
أما الكارثة الثالثة التي كانت قاصمة الظهر فهي حكم آل الأسد الذي دام 55 عاماً، فقد دمر آل الأسد النخب التي ولدت بعد الاستقلال. وتختلف هذه الكارثة عن سابقاتها بعدة أمور، أولها أن هذا الحكم عمل على اتجاهين، أولهما إبادة مباشرة للنخب بالقتل أو السجن لفترات لا نهائية بحيث تحولت سجون تدمر وصيدنايا إلى أكبر تجمع للنخبة السورية واللبنانية والفلسطينية مع تطعيمها بعدد كبير من العراقيين.
وثانيهما أسلوب الصيد بالديناميت أو بالبراميل أو بالشباك ذات الفتحة الصغيرة، أي إنه قتل السمك الكبير والصغير ودمر البيوض. على سبيل المثال عام 1981 تم اعتقال العشرات من طلاب السنة الخامسة في كلية الطب البشري في جامعة دمشق مع عدد من الأساتذة وهربت قلة منهم إلى المنافي. لقد زجّ في السجون من دون قيد أو حساب عشرات الآلاف من الأطباء و المهندسين والحقوقيين والتجار والصناعيين والسياسيين من مختلف التيارات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ولمدة مفتوحة، فقطع رأس المجتمع بشكل غير مسبوق .
أما الأمر الثاني الأخطر فهو تجفيف منابع إنتاج النخب. يُلخص أحد الأصدقاء مؤسسات إنتاج النخب في سوريا بخمس مؤسسات هي : المؤسسة الدينية، الأحزاب ، الجامعة ، الجيش ، السوق.
وأقسمها أنا إلى مؤسستين، مؤسسات لإنتاج النخب التقليدية، وأخرى لإنتاج النخب الحديثة. ينضوي تحت مؤسسات إنتاج النخب التقليدية. مدارس المساجد ودروس الشيوخ والمعاهد الشرعية وكلية الشريعة، أما مؤسسات النخبة الحديثة فتضم الجيش و الجامعة. وتتوزع النخبة، التي ينتجها السوق والأحزاب بين الطرفين، التقليدي والحديث.
لقد أدى القمع وتعميم سياسة الإرهاب والرعب، الذي أصاب حتى الأجنة في الأرحام، إلى تخريب مؤسسات إنتاج النخب سابقة الذكر فتوقفت عن عملها، وانخفض مستوى الجامعات إلى إنتاج تقنيين فقط، ثم تراجع إنتاج التقنيين فشاهدنا خريجي طب و هندسة وحقوق ولغات ورجال دين لا يعرفون ألف باء مهنتهم.
وانتهت الأحزاب بشكل كامل وكذلك بقية المؤسسات عن إنتاج النخب، كل ذلك بسبب غياب الحد الأدنى من الحرية وانتشار القمع الدموي بشكل لم يعرفه التاريخ من قبل أجهزة المخابرات، التي مارست القتل والسجن والنفي والتخريب والإفساد وتجنيد العملاء، وبذلك تم القضاء المبرم على النخبة وبات المجتمع جسداً بلا رأس.
تفتقر سوريا المحررة إلى النخب والأخطر أن مؤسسات إنتاج النخب، الحديثة والتقليدية، مازالت متوقفة، لذلك نحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بناء الجامعات وتحديث المناهج الدراسية وإصلاح المؤسسات التعليمية الدينية بحيث تستعيد قدرتها على إنتاج نخب تفهم الحياة المعاصرة وتتفاعل معها.