بعد أقل من عامين على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تواجه إدارته أول اختبار سياسي حقيقي. وتشير سلسلة من استطلاعات الرأي الحديثة إلى أنّ التأييد الشعبي للرئيس يتراجع بوتيرة سريعة، ليس فقط بين الديمقراطيين والمستقلين، بل أيضاً داخل شرائح انتخابية كانت وراء عودته إلى السلطة.
يحذر الباحث والكاتب في مجلة “ذي أتلانتيك“ ديفيد غراهام، في مقال له بعنوان “الأميركيون ينقلبون على ترامب”، من أنّ استمرار هذا الاتجاه قد يضع الحزب الجمهوري أمام تحديات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المرتقبة في تشرين الثاني المقبل. ويشير إلى أن ما اعتُبر قبل عامين تحولاً سياسياً قد لا يكون سوى استجابة مؤقتة لغضب الناخبين من الإدارة السابقة والأوضاع الاقتصادية، أكثر منه إعادة اصطفاف دائمة في السياسة الأميركية.
يستعرض غراهام نتائج ثلاثة من أبرز استطلاعات الرأي الوطنية التي تقيس اتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة، وتشير جميعها إلى انخفاض واضح في شعبية ترامب:
– أظهر استطلاع CNN/SSRS، الذي أجرته شبكة CNN بالتعاون مع مؤسسة SSRS المتخصصة في أبحاث الرأي العام، أنّ نسبة تأييد ترامب بلغت 34 في المائة.
– سجل استطلاع AP-NORC، الذي أجرته وكالة أسوشيتد برس بالشراكة مع مركز NORC لأبحاث الشؤون العامة في جامعة شيكاغو، نسبة تأييد بلغت 33 في المائة فقط.
– أما استطلاع جامعة كوينيبياك وهو من أكثر استطلاعات الرأي الأميركية اعتماداً في قياس توجهات الناخبين، فقد منح ترامب 32 في المائة فقط، وهي أدنى نسبة تأييد يحققها منذ إدراجه في هذا الاستطلاع.
– كما أظهر استطلاع تصدره جامعة ييل لقياس اتجاهات الناخبين الشباب، أنّ 68% من الأميركيين بين 18 و22 عاماً لا يوافقون على أداء ترامب، فيما ترتفع نسبة الرافضين إلى 72% بين الفئة العمرية 23 و29 عاماً.
ثلثا الأميركيين معترضون
في رأي غراهام، تعني هذه النتائج أنّ نحو ثلثي الأميركيين لا يوافقون على أداء الرئيس، وأن التراجع لا يقتصر على معدل التأييد العام، بل يشمل أيضاً عدداً من الملفات التي كانت تمثل ركائز خطابه السياسي. فغالبية الأميركيين، وفق هذه الاستطلاعات، لا توافق على طريقة تعامله مع الاقتصاد والتضخم والسياسة الخارجية والحرب مع إيران، كما يرى عدد متزايد منهم أن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه الخاطئ.
يشير غراهام إلى الاعتقاد السائد بأنّ أبرز ما حققه ترامب في انتخابات عام 2024 لم يكن مجرد الفوز بالرئاسة، بل بناء تحالف انتخابي واسع أوصله إلى 312 صوتاً في المجمع الانتخابي، مقارنة بـ306 أصوات حصل عليها جو بايدن في انتخابات عام 2020. إذ دفع هذا الفوز كثيراً من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الحزب الجمهوري نجح في توسيع قاعدته الانتخابية، بعد تحقيقه مكاسب بين الناخبين من أصول لاتينية، وبعض الناخبين السود، والشباب، وشرائح من الطبقة العاملة.
بالنسبة لغراهام، تبيّن استطلاعات الرأي الأخيرة أنّ هذه المكاسب لم تترسخ، وأن جزءاً هاماً من الفئات التي أسهمت في فوز ترامب بدأ يعيد النظر في موقفه، الأمر الذي يثير الشكوك حول ما إذا كانت انتخابات 2024 مثلت تحولاً سياسياً دائماً، أم أنها عكست ظروفاً استثنائية مرتبطة بالوضع الاقتصادي آنذاك.
الشباب يبتعدون عن ترامب
يركز غراهام بشكل رئيسي على التحول الذي طرأ على مواقف الناخبين الشباب، الذين شكلوا إحدى أبرز مفاجآت انتخابات 2024، ولا سيما الشباب الذكور، بعدما سجل ترامب تقدماً بينهم مقارنة بالانتخابات السابقة. غير أن أحدث نتائج Yale Youth Poll، تشير إلى تراجع واضح في مستوى التأييد للرئيس. فقد أظهر الاستطلاع أن 68 في المائة من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً لا يوافقون على أدائه، بينما ترتفع نسبة الرافضين إلى 72 في المائة بين الفئة العمرية 23 و29 عاماً.
وفقاً لغراهام، تشير هذه النتائج إلى أن المكاسب التي حققها ترامب بين الشباب خلال انتخابات 2024 لم تتحول إلى قاعدة انتخابية مستقرة، وأنها كانت مرتبطة بالظروف السياسية والاقتصادية التي رافقت تلك الانتخابات.
تراجع التأييد بين الناخبين اللاتين والسود
يشير غراهام أيضاً إلى أن الناخبين اللاتين كانوا من أبرز عوامل نجاح ترامب في انتخابات 2024، بعدما حقق الجمهوريون نتائج غير مسبوقة في عدد من المناطق ذات الغالبية اللاتينية. لكن، وبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، بدأ هذا التأييد يتراجع، وأن نسبة متزايدة من الناخبين اللاتينيين تعبر عن خيبة أمل من أداء الإدارة. ويرى غراهام أن هذا التحول مرتبط باستمرار الضغوط الاقتصادية، ولا سيما التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ أصبحت هذه القضايا أكثر تأثيراً في خيارات هذه الفئة من القضايا التي أسهمت في استقطابها خلال انتخابات 2024.
يذكر غراهام أنه لم يسبق لترامب أن فاز بأغلبية أصوات الأميركيين السود، إلا أنه حقق في انتخابات عام 2024 أفضل نتائج للحزب الجمهوري بينهم منذ سنوات، وهو ما عُدّ آنذاك أحد أبرز مؤشرات اتساع قاعدته الانتخابية. لكن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن هذا التقدم بدأ يتراجع، إذ عاد جزء من الناخبين السود إلى مواقف أكثر قرباً من الحزب الديمقراطي.
يرى غراهام أن هذا التطور يعزز فرضية أن المكاسب التي حققها ترامب داخل هذه الشريحة لم تكن تعبيراً عن تحول سياسي دائم، بل جاءت في سياق الظروف الاستثنائية التي رافقت انتخابات 2024.
التضخم والحرب مع إيران
يعتبر غراهام أن التحول الأبرز يتمثل في تنامي الاستياء داخل أوساط الطبقة العاملة، التي شكلت منذ عام 2016 الركيزة الأساسية للمشروع السياسي لترامب. وبالرغم من أن هذه الفئة لا تزال أكثر ميلاً إلى تأييده مقارنة بغيرها، فإن مستويات الرضا عن أدائه تراجعت مع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود. كما تشير الاستطلاعات إلى انخفاض التأييد حتى بين الناخبين غير الحاصلين على شهادات جامعية، الذين كانوا من أكثر الفئات دعماً له، في ظل تزايد المخاوف بشأن القدرة الشرائية ومستقبل الاقتصاد الأميركي.
يرى الكاتب أنّ الحرب مع إيران كانت من العوامل التي أسهمت في تسريع تراجع شعبية الرئيس. فقد قدمت الإدارة المواجهة العسكرية باعتبارها خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن القومي، إلا أنّ استمرارها وما رافقها من تداعيات اقتصادية، ولا سيما ارتفاع أسعار الطاقة، أثارا قلقاً متزايداً لدى الرأي العام. وتشير الاستطلاعات التي يستند إليها إلى أن غالبية الأميركيين لا تؤيد استمرار الانخراط العسكري، وترى أن الحرب أضافت أعباء اقتصادية جديدة بدلاً من تعزيز الاستقرار.
بالنسبة لغراهام، كان الاقتصاد في صلب تراجع شعبية ترامب. فالقضايا التي أسهمت في فوزه عام 2024، وفي مقدمتها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت اليوم من أبرز أسباب تراجع التأييد له. ويشير المقال إلى أن الناخبين باتوا يربطون استمرار الصعوبات الاقتصادية بسياسات الإدارة الحالية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة بقدرتها على تحسين الأوضاع المعيشية. ويخلص إلى أن الملف الذي منح ترامب أفضلية انتخابية خلال حملته الرئاسية تحول، بعد وصوله إلى الحكم، إلى أحد أبرز مصادر الضغط على إدارته.
تداعيات على انتخابات الكونغرس
يخلص المقال إلى أن استمرار هذه الاتجاهات قد يضع الحزب الجمهوري أمام تحديات جدية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2026. ويشير إلى أن التاريخ السياسي الأميركي يظهر أن الرؤساء الذين تنخفض معدلات تأييدهم إلى حدود الثلاثين في المائة غالباً ما يواجه حزبهم خسائر في الانتخابات النصفية. وفي حالة ترامب، تتراوح معدلات التأييد بين 32 و34 في المائة، وفقاً للاستطلاعات، وهي مؤشرات تعكس تراجعاً لا يقتصر على الرأي العام بصورة عامة، بل يمتد أيضاً إلى عدد من الفئات التي ساهمت في فوزه الانتخابي.
