ملخص
تحتاج واشنطن إلى التخلي عن وهم الاعتماد على الذات في القطب الشمالي، إذ تكشف قسوة المنطقة واتساعها عن محدودية قدراتها المنفردة. وترى آيريس فيرغسون أن تعزيز التعاون مع الحلفاء في مجالات الاستخبارات والوصول العسكري والصناعة والبنية التحتية هو السبيل لحماية المصالح الأميركية ومواجهة روسيا والصين، محذرة من أن إضعاف الثقة بالحلفاء قد يحول التفوق الأميركي إلى نقطة ضعف.
في عام 2016، بدأ الجليد يتصدع فجأة تحت موقع أحد أبرز تمارين البحرية الأميركية في القطب الشمالي، على بعد مئات الأميال شمال خليج برودو في ألاسكا، مما أجبر القائمين على التجارب على إنهائها قبل أوانها ودفع الباحثين إلى إخلاء المواقع على عجل. وبعد خمس سنوات، أدى تجمد مبكر إلى احتجاز نحو 20 سفينة تجارية في بحر سيبيريا الشرقي، واضطرت بعض هذه السفن إلى الانتظار لأسابيع للحصول على مساعدة من كاسحات الجليد الروسية. وخلال تمرين عسكري متعدد الجنسيات قادته كندا عام 2025، واجهت القوات الحليفة مزيجاً صعباً من الظروف: إذ أدى البرد القارس إلى منع المروحيات من التحليق، وتعطيل عربات الثلوج، وإخراج معدات الاتصالات من الخدمة، في وقت أدى فيه ترقق الجليد البحري إلى إجبار الطيارين الأميركيين على البحث على امتداد 40 ألف كلم من السواحل عن موقع تكون سماكة الجليد فيه كافية للهبوط.
في الواقع، لم تكن هذه الإخفاقات نتيجة غياب الجهوزية أو قلة خبرة في القطب الشمالي. فقد شاركت فيها ثلاث من أكثر دول المنطقة خبرة وكفاءة، وكانت كل منها تعمل في منطقة تعرفها جيداً. لكن كان ثمة قاسم مشترك بينها: فالقطب الشمالي لديه طريقة خاصة في تذكير من يعملون فيه بحدود قدراتهم. فمسافاته الشاسعة، وظلامه الدامس، وطقسه المتطرف، وبنيته التحتية المحدودة، تكشف عن حدود قدرات حتى أكثر الحكومات والجيوش كفاءة.
وهذه الحقيقة تخلق مفارقة، فالقطب الشمالي يمثل منفذاً رئيساً إلى الأراضي الأميركية، ومنصة لبسط النفوذ في أقصى شمال العالم. ولهذا السبب تحديداً، ومع اشتداد المنافسة الجيوسياسية، تزداد واشنطن تركيزاً على حماية سيادتها وتأمين مصالحها في المنطقة. ومع ذلك، لا تستطيع أية دولة بمفردها، ولا حتى الولايات المتحدة، أن تراقب القطب الشمالي وتتحرك فيه وتحافظ على وجود مستدام في أرجائه، فالسيادة الفعالة هناك تعتمد على بناء شبكات من الاعتماد المتبادل.
ويجسد الاتفاق الذي أبرم هذا الأسبوع بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة هذه النقطة بوضوح. فبعد أشهر من المفاوضات، أبرمت الأطراف الثلاثة اتفاقاً تكاملياً يضمن حق وصول القوات العسكرية الأميركية إلى المنطقة، مع تأكيد الحكم الذاتي للدنمارك وغرينلاند. وقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاتفاق بأنه انتصار للمصالح الأميركية، فيما وصفته الدنمارك وغرينلاند بأنه انتصار للسيادة. وكلا التوصيفين صحيح، إذ إن معظم المهمات التي تمنح غرينلاند قيمتها الاستراتيجية، من الإنذار الصاروخي وكشف الغواصات إلى إنشاء القواعد البحرية وإعادة الإمداد، تنجح بفضل انخراط الولايات المتحدة في منظومة تحالفات.
وقد يمثل هذا الاتفاق نقطة تحول في نهج واشنطن تجاه أمن القطب الشمالي، فحديث ترمب المبكر عن الاستحواذ على غرينلاند أو جعل كندا الولاية الأميركية الـ51 قد صور الاعتماد على الذات باعتباره الهدف، مما أدى إلى توتر العلاقات مع شركاء رئيسين في القطب الشمالي. أما هذه الاتفاق فيشير إلى اتجاه أكثر إنتاجية، فالعمل مع الحلفاء يحافظ على المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة بالفعل، ويسد ثغرات يسعى الخصوم بشدة إلى استغلالها، سواء في الحضور أم في وحدة الموقف السياسي بين الحلفاء.
لكن التبني الكامل للدور الذي يجب أن يضطلع به الحلفاء والشركاء لكي تحقق الولايات المتحدة أهدافها في القطب الشمالي سيتطلب تغييراً في عقلية راسخة منذ زمن طويل، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل السعي إلى الاعتماد المتبادل استراتيجية غير مريحة. ولا يزال الاعتماد على الذات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالقوة الوطنية، وقد دأبت واشنطن تاريخياً على معالجة أوجه القصور في قدراتها في القطب الشمالي من خلال التساؤل عن القدرات الإضافية التي تحتاج الولايات المتحدة إلى تطويرها. إلا أن عقوداً من تهميش القطب الشمالي، إلى جانب جغرافيته الشاسعة والقاسية، لا تترك أمام الولايات المتحدة خياراً يذكر سوى العمل بصورة وثيقة مع الشركاء. وفي الواقع، فإن الاعتماد المتبادل الذي تحتاج إليه مع حلفائها في القطب الشمالي موجود بالفعل في كل مكان تقريباً، وما على واشنطن الآن إلا ترسيخه وتعزيزه.
الرؤية المشتركة
إن القدرة الأساسية للولايات المتحدة على فهم ما يحدث في منطقة القطب الشمالي الشاسعة، والتواصل في شأنه، تعتمد على الشراكات. ولا تزال القدرة على تكوين صورة شاملة عن الوضع في القطب الشمالي مجزأة على نحو لافت بين ثلاث مناطق منفصلة، هي أميركا الشمالية وأوروبا والمحيط الهادئ. كما تتوزع المعلومات بين مجموعة متنوعة من الجيوش، والمؤسسات العلمية، ووكالات الاستخبارات، والمجتمعات المحلية للسكان الأصليين، التي تتجاوز معرفتها بالبيئة المتغيرة قدرات أي جهاز استشعار جديد.
منذ أوائل ستينيات القرن الـ20، بعد وقت قصير من إنشاء قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية (نوراد)، المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا، تعمدت الولايات المتحدة نشر بعض أهم أنظمة الدفاع الصاروخي لديها في كندا وغرينلاند. وبسبب وجود ثغرات في تغطيتها الخاصة، تعتمد الولايات المتحدة الآن على قمر اصطناعي ياباني لرصد مدى انتشار الجليد البحري في القطب الشمالي، وهو أمر جوهري لفهم تطور الممرات البحرية التجارية والعسكرية. وتعتمد الولايات المتحدة كذلك على عمليات المراقبة التي يجريها الحلفاء في القطب الشمالي الأوروبي لفهم التهديدات المتجهة نحو الأراضي الأميركية، وعلى تقديرات الحلفاء لتفسير نوايا المنافسين في القطب الشمالي. وتمتلك دول الشمال الأوروبي عقوداً من الخبرة في مراقبة سلوك الجيش الروسي حول شبه جزيرة كولا، التي تضم جزءاً كبيراً من القدرات النووية الروسية، مما يجعل ملاحظاتها لا غنى عنها لواشنطن لكي تتمكن من التمييز بين السلوك الروتيني والسلوك التصعيدي. وفي المقابل، تستطيع الولايات المتحدة رصد أنماط النشاط الصيني والروسي قرب ألاسكا، وهي أنماط قد تفوت الحلفاء الأوروبيين.
وتحصل الولايات المتحدة بالفعل على قدر كبير من الرؤية بفضل حلفائها في القطب الشمالي، إلا أن هذه الأنظمة القائمة ليست مصممة دائماً للربط بين مختلف المناطق الجغرافية والجهات المعنية. فعلى سبيل المثال، يمتلك كل من “نوراد” وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، جزءاً من الصورة الخاصة بالقطب الشمالي، إلا أن المعلومات والاتصالات لا تتدفق بينهما بسلاسة. ولا يتطلب حل هذه المشكلة إنشاء صورة عملياتية موحدة شاملة أو التخلي عن السيطرة على المعلومات الحساسة، بل يتطلب أن تضطلع الولايات المتحدة بالدور نفسه الذي كثيراً ما اضطلعت به في وضع المعايير للحفاظ على قابلية عمل أنظمة الحلفاء معاً. ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر الآن، مع بناء الحلفاء مستشعرات وشبكات اتصالات سيادية خاصة بهم. ويستحق التعاون العلمي بدوره أن يحظى بنهج مماثل يقوم على التخطيط المشترك والتعاون. ونظراً إلى أن القطب الشمالي يتغير بوتيرة أسرع من أي مكان آخر على وجه الأرض، فإن البحوث المتعلقة بالمناخ والبيئة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من فهم ظروف التشغيل، بدءاً من سونار الغواصات ووصولاً إلى عمليات البحث والإنقاذ، فضلاً عن أخطار حرائق الغابات.
التحرك معاً
تتضح حاجة الولايات المتحدة إلى شركائها في القطب الشمالي بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بالتحرك والانتشار، فواشنطن تواجه معضلة جغرافية خاصة، إذ تسعى إلى بسط قدرتها العسكرية على جانبي القطب الشمالي، الأطلسي والهادئ، في حين تظل ألاسكا الإقليم القطبي الوحيد الخاضع للسيادة الأميركية. أما في بقية أنحاء شمال الأطلسي والقطب الشمالي الأوروبي، فلا تستطيع الولايات المتحدة التحرك إلا عبر حلفائها.
وقد أمضت الولايات المتحدة عقوداً في ترسيخ هذا الوصول وتعزيزه، ففي عام 2018 عندما نفذت حاملة الطائرات الأميركية “يو إس إس هاري إس ترومان” أول عملية لمجموعة قتالية تابعة لحاملة طائرات أميركية في القطب الشمالي منذ الحرب الباردة، اعتمدت على الخدمات اللوجستية وإعادة الإمداد من النرويج وحلف شمال الأطلسي، وعلى الاحتماء بالمضائق النرويجية عندما أدت العاصفة إلى ارتفاع الأمواج إلى 30 قدماً. وفي عام 2023، سمحت أيسلندا لغواصة أميركية تعمل بالطاقة النووية بالإبحار في مياهها الإقليمية لتلقي الإمدادات وتبادل أفراد الطاقم، وذلك للمرة الأولى. وفي العام التالي، وقعت فنلندا والنرويج والسويد اتفاقات للتعاون الدفاعي تمنح الولايات المتحدة إمكان الوصول إلى عشرات المواقع. ولم تكن هذه الاتفاقات مجرد مجاملات أو تنازلات مقدمة للولايات المتحدة. بل جاءت نتيجة قناعة لدى دول الشمال الأوروبي بأن الوجود الأميركي ومعداته وإمداداته تعزز الردع في مواجهة روسيا، وأن المواقع الاستراتيجية التي يوفرها الحلفاء والقدرات العسكرية الأميركية تكون أكثر قيمة عندما تتكامل.
ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى الحضور في كل مكان في القطب الشمالي، وهي لا تستطيع ذلك أصلاً. وحتى في الوقت الذي يعمق فيه البنتاغون علاقاته العملياتية مع الجيوش الحليفة في القطب الشمالي، ينبغي لواشنطن أن تمنح حلفاءها القدرة على تولي المسؤولية الأساسية في المناطق التي يكونون فيها في أفضل وضع للتحرك، وهو ما من شأنه أن يشكل صورة مهمة من تقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي. فعلى سبيل المثال، تقود النرويج ودول الشمال الأوروبي الأخرى جهوداً للاستثمار في البنية التحتية والمنصات وأجهزة الاستشعار لمراقبة الأنشطة الروسية الهجينة، مثل تخريب الكابلات البحرية والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” GPS، على طول المداخل الشمالية للمحيط الأطلسي. ومن شأن تقاسم هذا العبء أن يسمح للولايات المتحدة بتركيز مزيد من الاهتمام والموارد على ألاسكا والقطب الشمالي في المحيط الهادئ، إذ يؤثر نقص الاستثمار على مدى عقود في كل فئة تقريباً من فئات البنية التحتية في القطب الشمالي، من الموانئ وكاسحات الجليد ومدارج الطائرات إلى أنظمة الطاقة والبحث والإنقاذ.
البناء معاً
إلى جانب الحاجة إلى التفكير بأساليب مبتكرة في مسألة الوصول إلى القطب الشمالي، فإن القطب يتيح عدداً متزايداً من الفرص لتعزيز القدرات الصناعية للحلفاء، حتى في مجالات مثل برامج الفضاء وكاسحات الجليد، التي كثيراً ما تعاملت واشنطن معها باعتبارها رموزاً للقوة الوطنية. فكثير من الأنظمة المستخدمة في القطب الشمالي متخصصة ومكلفة على نحو استثنائي، وتتطلب قدرات صناعية وخبرات لا تستطيع سوى قلة من الدول الحفاظ عليها بمفردها. وتعد كاسحات الجليد مثالاً واضحاً على ذلك. فبعد سنوات من المعاناة في إعادة بناء أسطولها، لجأت الولايات المتحدة عام 2024 إلى كندا وفنلندا للتعاون في تجميع موارد أحواض بناء السفن والخبرة واليد العاملة. ومع مرور الوقت، لن تؤدي هذه الجهود إلى توفير حضور بحري إضافي تشتد الحاجة إليه فحسب، بل ستساعد أيضاً في إعادة بناء الخبرة الأميركية وتعزيز قاعدة بناء السفن الأوسع نطاقاً لدى الحلفاء.
وينبغي لواشنطن أن تعتمد هذا النموذج نهجاً ثابتاً بدلاً من التعامل معه باعتباره حالة استثنائية، ويمكنها أن تقود عملية وضع استراتيجية صناعية خاصة بالقطب الشمالي، تستفيد من أفضل القدرات المتاحة في دول الحلف. ومن شأن ذلك أن يتيح للولايات المتحدة توظيف قدراتها الصناعية الدفاعية، مع مواصلة الاضطلاع بدور رئيس في وضع المعايير وضمان توافق أنظمة الحلفاء وقدرتها على العمل معاً.
وهناك فرص واضحة لتطبيق مثل هذه الاستراتيجية، إذ يمكن لواشنطن أن تسهل إنشاء هياكل تعاونية للاتصالات العسكرية عبر الأقمار الاصطناعية في القطب الشمالي، بما يضمن قدرة الدول على التفاعل بسلاسة أثناء الأزمات. كما يمكنها دعوة حلفاء مختارين، كندا في الأقل، للمشاركة في العناصر الأرضية أو الفضائية لنظام الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية”، بما يوسع نطاق التغطية والبدائل الاحتياطية التي توفرها جغرافيا الحلفاء أصلاً. كما يمكنها التنسيق مع الحلفاء لإنتاج معدات خاصة للطقس شديد البرودة، تتناسب مع مناخ القطب الشمالي في أميركا الشمالية، مما يسمح بتقاسم التكاليف. ويمكنها أيضاً تجميع جهود البحوث المتعلقة بتقنيات الطاقة، مثل البطاريات المقواة المقاومة للبرودة والمفاعلات المعيارية الصغيرة، التي من شأنها تعزيز نطاق العمليات العسكرية للقوات، ومنح المجتمعات النائية بدائل عن مولدات الديزل الباهظة التكلفة. ويمكنها أيضاً السعي إلى إبرام اتفاقات لتطوير المعادن الحيوية ومعالجتها، بما في ذلك إنشاء مخزونات منها، من أجل تعزيز سلاسل التوريد التي تقوم عليها كثير من التقنيات الجديدة.
ولن تتطلب مثل هذه الاستراتيجية الصناعية التعاونية أن تصبح الولايات المتحدة معتمدة بصورة مفرطة على موردين منفردين، كما أنها لن تستلزم إنشاء برامج مشتريات متعددة الجنسيات مترامية الأطراف. وبدلاً من ذلك، ستتخذ الولايات المتحدة وحلفاؤها قرارات مدروسة في شأن ما سيبنيه كل طرف، وما سيشتريه من الأطراف الأخرى، وأين يكون تطوير القدرات بصورة مشتركة أكثر جدوى من تكرار خبرات نادرة ومحدودة.
الاتحاد أو الفناء
لقد أدرك أبرز خصوم الولايات المتحدة بالفعل قيمة التعاون في القطب الشمالي، فعلى رغم أن روسيا تسيطر على نحو نصف سواحل القطب الشمالي، فإنها تتجه بصورة متزايدة نحو الصين للحصول على رأس المال، وتطوير البنية التحتية، وأنظمة تحديد المواقع والملاحة القائمة على الأقمار الاصطناعية، والمساعي العلمية في المنطقة. ولا يوجد ما يضمن توافق مصالح البلدين على المدى الطويل، لكنهما مع ذلك يعمقان اعتمادهما المتبادل في القطب الشمالي.
وتنطلق الولايات المتحدة من موقع أكثر أفضلية بكثير، فهي تمتلك حلفاء في أنحاء القطب الشمالي وخارجه، تتكامل جغرافيتهم وخبراتهم وبنيتهم التحتية وقدراتهم الصناعية مع قدراتها الخاصة، وإذا جرى تنظيم هذه التحالفات بصورة مدروسة، فإنها ستصبح مصدر قوة لا جدال فيه.
ويمكن القول إن التعاون العملياتي بين حلفاء القطب الشمالي بلغ أعلى مستوياته على الإطلاق، فالتكامل بين دول الشمال الأوروبي، وتوسيع نطاق التخطيط داخل حلف شمال الأطلسي، والشراكات الصناعية الجديدة، أتاح فرصاً غير مسبوقة للعمل الجماعي. لكن قدرة الولايات المتحدة على الاستفادة من هذه الفرص تعتمد على الحفاظ على الثقة، سواء مع عواصم الدول الحليفة أم مع مجتمعات السكان الأصليين، الذين تشكل معرفتهم وأصواتهم جزءاً لا يتجزأ من القرارات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
الصين وروسيا تعمقان اعتمادهما المتبادل في القطب الشمالي
وقد وضعت واشنطن هذه الثقة على المحك، ويمثل الاتفاق الذي جرى التفاوض في شأنه أخيراً خطوة حقيقية نحو استعادتها، لكن بعض الحلفاء بدأوا بالفعل في التحوط. ففي عام 2025، عندما علقت الولايات المتحدة لفترة وجيزة تبادل المعلومات الاستخبارية مع أوكرانيا، تحرك عدد من حلفاء القطب الشمالي للاستثمار في قدراتهم الخاصة في مجال الأقمار الاصطناعية والمراقبة، بهدف الحد من اعتمادهم على واشنطن. وسعى آخرون إلى تقليص اعتمادهم على تقنيات الدفاع الأميركية، وبعد الخطاب المبكر لواشنطن في شأن غرينلاند، بدأت حتى العواصم شديدة التقارب مع الولايات المتحدة تتساءل سراً عما إذا كان الوصول الأميركي يمكن أن يتحول إلى مصدر نفوذ وضغط بدلاً من أن يكون مصدراً للطمأنينة.
ولهذا السبب، ينبغي التعامل مع التماسك السياسي باعتباره ركيزة من ركائز القدرة العملياتية، فالسعي إلى توسيع سيطرة الولايات المتحدة وتعزيز حريتها في التحرك قد يأتي بنتيجة عكسية تماماً، إذا أضعف العلاقات التي تعتمد عليها واشنطن في تنفيذ تحركاتها. ولا تصبح الولايات المتحدة أكثر قوة في القطب الشمالي بجعل حلفائها أقل استعداداً لتبادل المعلومات، أو توفير إمكان الوصول، أو تطوير القدرات إلى جانبها.
وقد يقول منتقدو الاعتماد المتبادل إن الاعتماد على دول أخرى يخلق نقطة ضعف خاصة به، فقد يفشل أحد الشركاء في مشاركة المعلومات الاستخبارية بالسرعة الكافية، أو يرفض إتاحة الوصول، أو يفتقر إلى القدرات عندما تكون هناك حاجة ماسة إليها. لكن الاكتفاء الذاتي يحمل بدوره أخطاره الخاصة، ولا سيما عندما يكون موجوداً بدرجة أكبر في الخطاب السياسي منه في الواقع العملياتي. فالولايات المتحدة التي تتحدث كما لو كانت قوة رائدة في القطب الشمالي، من دون امتلاك القدرات التي توازي هذا الخطاب، ستكون أضعف من الولايات المتحدة التي تعتمد بصورة مدروسة على حلفاء موثوقين.
منذ أن كشفت الولايات المتحدة عن أول استراتيجية لها للقطب الشمالي عام 1994، تبنت رؤى طموحة للمنطقة، وتعهدت بحماية مصالحها والبيئة على حد سواء، لكن إدارات متعاقبة على مدى ثلاثة عقود لم توفر لهذه الخطط الموارد اللازمة لتنفيذها بالكامل. وهذا ليس فشلاً بحد ذاته، إذ إن القطب الشمالي لم يكن يوماً الأولوية الوحيدة لواشنطن، لكنه نمط لم يعد بوسع واشنطن الاستمرار فيه مع تغير المنطقة وتحرك المنافسين لملء الشغور. وتفضي قراءة واقعية للتاريخ إلى استنتاج واحد: لا يمكن تحقيق طموحات واشنطن إلا بالاعتماد على الشركاء. ففي القطب الشمالي، تتمثل الحقيقة الباردة في أن المستقبل سيتشكل من خلال التحالف الأكثر قدرة على العمل بتناغم، وليس من خلال الدولة التي تحاول حماية سيادتها بمفردها.
آيريس فيرغسون هي باحثة زائرة في “بن واشنطن” Penn Washington التابع لجامعة بنسلفانيا في العاصمة واشنطن. شغلت بين عامي 2022 و2025 منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون القطب الشمالي القدرة على الصمود في مواجهة التحديات العالمية.
مترجم عن “فورين أفيرز”، في الـ24 من سبتمبر (أيلول) 2026
