ملخص
يستغل الحوثيون انشغال إيران بالحرب لتوسيع نفوذهم في اليمن، والسيطرة على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، فاتحين جبهة جديدة تهدد أمن السعودية وتجارة الطاقة العالمية. ويعزز التصعيد نفوذ طهران على نقاط الاختناق البحرية، فيما يواجه التحالف المناهض للحوثيين انقسامات عميقة. وبينما تبدو المواجهة العسكرية محفوفة بأخطار التصعيد، تظل التسوية السياسية الخيار الأقل كلفة لمنع تحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي ودولي أوسع.
اغتناماً للفرصة التي أتاحتها الحرب في إيران، بدأ الحوثيون مسعى جديداً وكبيراً للهيمنة عسكرياً على اليمن ومحيطه. ففي يوم الثلاثاء (الثامن من سبتمبر / أيلول)، شنت الجماعة المتحالفة مع إيران موجة من الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية على السعودية، مما أدى إلى اندلاع حرائق في منشآت نفطية جنوب المملكة وإصابة أكثر من 70 شخصاً. ثم في يوم الخميس، وبعد أيام من المعارك الضارية على جبهات قتالية رئيسة داخل اليمن، ألحق الحوثيون هزيمة بالقوات الحكومية على طول ساحل البحر الأحمر وسيطروا على ميناء المخا الاستراتيجي. وفي يوم الجمعة، أفادت الحكومة اليمنية بأن الحوثيين استولوا على جزيرة بريم عند مدخل مضيق باب المندب، وهو الممر المائي الضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. ويمثل هذا الاستيلاء تحولاً جذرياً في موازين القوى داخل اليمن، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب تؤثر في المنطقة بأسرها
وحتى هذا الأسبوع، كانت مدينة المخا تضم جزءاً حيوياً من قوات التحالف المناهض للحوثيين، وتشكل حصناً منيعاً في وجه تقدم المتمردين. وبهذا الهجوم، قوض الحوثيون الوضع القائم على طول الساحل، وقوضوا هدنة ظلت صامدة إلى حد كبير منذ عام 2022. غير أن سيطرة الحوثيين على كل من جزيرة بريم ومدينة المخا، التي تقع على بعد أقل من 80 كيلومتراً من مضيق باب المندب، ستتيح للمتمردين ترسيخ مكانتهم بصفتهم أصحاب النفوذ الحاسم في المضيق، وستسهل عليهم عرقلة حركة الملاحة البحرية ومضايقتها.
وفي الواقع، إن توقيت التصعيد الحوثي، الذي بدأ بهجمات على مصالح سعودية في شهر يوليو (تموز)، يكتسب أهمية بالغة، نظراً إلى أن البحر الأحمر قد أصبح طريقاً حيوياً لنقل النفط السعودي خلال الصراع مع إيران، بدلاً من الاعتماد على مضيق هرمز. وعلى رغم أن قادة الحوثيين يصورون تحركاتهم على أنها نابعة من اعتبارات محلية، يبدو أن تحالفهم مع طهران قد ازداد رسوخاً، فمن خلال مهاجمة السفن السعودية ومهاجمة السعودية نفسها، فتحوا فعلياً جبهة ثانية في الحرب مع إيران، مما أدى إلى توسيع نطاق الصراع وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية. وقد صرح مسؤولون إيرانيون بأن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يتطلب إنهاء الحصار المفروض على اليمن، وهو يعني باختصار رفع السعودية للقيود كافة المفروضة على حركة العبور من وإلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وإنهاء دعمها للحكومة اليمنية. وفي ظل هذا النظام الإقليمي المتغير والآخذ في التشكل، تسعى إيران وشركاؤها إلى فرض أمر واقع جديد من خلال السيطرة على أهم نقاط الاختناق البحرية في الشرق الأوسط.
وتتجه الخيارات المتاحة للتعامل مع التحدي الذي يمثله الحوثيون من سيئ إلى أسوأ، وفي حين أن خطوط المواجهة ستواصل على الأرجح التغير، فقد تكشفت بعض الحقائق الصعبة، ولا يبدو الحل العسكري الحاسم لتهديدات الحوثيين خياراً واقعياً وممكناً. فعلى رغم كل خطاباتها واستعراضها للقوة في العلن، لا تزال قوات الحكومة اليمنية تعاني انقسامات داخلية، وعلاوة على ذلك فإن المكاسب التي حققها الحوثيون تقوض فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية، ومن المرجح الآن أن تزداد هذه الجماعة المسلحة تشدداً في مطالبها وطموحاتها الرامية إلى بسط سيطرتها على منطقة البحر الأحمر.
ولا توجد حلول سهلة، ففي الوقت الراهن، يجب أن تكون أولوية السعودية والولايات المتحدة وحلفائهم اليمنيين هي حماية خطوط المواجهة الرئيسة الأخرى من تقدم الحوثيين، وعرقلة مساعيهم إلى ترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن وباب المندب، ولكن إلى جانب ذلك يتعين على التحالف المناهض للحوثيين معالجة الانقسامات التي لا تزال تمزقه، والاتفاق على رؤية سياسية ذات صدقية لحل الصراع اليمني، وإذا لم يفعل ذلك، فثمة خطر حقيقي من حدوث مزيد من الاضطرابات في صفوف الحكومة ومن اتساع نطاق التهديد الحوثي ليشمل المنطقة بأسرها.
من المضيق إلى البحر
على مدى خمسة أشهر تقريباً منذ بدء الحرب مع إيران في أواخر فبراير (شباط)، بقي الحوثيون إلى حد كبير على هامش الصراع. إلا أن هذا الهدوء النسبي تبدد في منتصف يوليو، حين نقل الإيرانيون وفداً حوثياً من طهران إلى صنعاء، في تحد لسيطرة الحكومة اليمنية على المجال الجوي اليمني. ولمنع الطائرة من الهبوط، قصفت السعودية والحكومة اليمنية المدرج الوحيد في مطار صنعاء. وعلى رغم أن الطائرة هبطت بدلاً من ذلك في ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، فإن التحرك السعودي منح الحوثيين ذريعة للتخلي عن هدنة عام 2022. وعند تلك النقطة تحديداً بدأت الجماعة تصعيدها الجريء ضد المصالح السعودية، وأطلقت هجومها الجديد على قوات التحالف في اليمن.
ومنذ أن استأنف الحوثيون هجماتهم في يوليو، انخفضت صادرات النفط السعودية عبر مضيق باب المندب بنسبة 95 في المئة. والآن، من خلال استهداف البنية التحتية والسفن قرب مجمع ميناء ينبع على البحر الأحمر، يهدد الحوثيون أيضاً بعرقلة مرور صادرات النفط شمالاً عبر مصر.
وفي الوقت نفسه، منحت الحرب الأميركية على إيران زخماً جديداً لأهداف الحوثيين القصوى داخل اليمن نفسه. فقد أصيبوا بالإحباط من حالة “اللاحرب واللاسلم” التي سادت بعد الهدنة، وحملوا الرياض مسؤولية إبطاء التوصل إلى تسوية سياسية رسمية للحرب الأهلية المستمرة منذ 12 عاماً، لكن الحوثيين أنفسهم كانوا قد عرقلوا مثل هذه التسوية. ففي عام 2023، ساعدت الأمم المتحدة في التفاوض على اتفاق في شأن خريطة طريق، كان سيسمح للحوثيين بدفع جميع رواتب موظفي القطاع العام والحصول على حصة من موارد النفط والغاز مقابل وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية سياسية. وكان ذلك سيمثل نتيجة جيدة للحوثيين، الذين لا يسيطرون على أي من موارد البلاد الهيدروكربونية، والمعزولين والمستبعدين من الاقتصاد الدولي. لكنهم بدلاً من قبول العرض، بدأوا بمهاجمة السفن في البحر الأحمر لإظهار دعمهم لحركة “حماس” في حرب غزة. وفي غضون ذلك، ظلوا يفترضون طوال الوقت أن بإمكانهم العودة لطاولة المفاوضات متى شاؤوا وكانوا مستعدين.
وخلال المرحلة الأخيرة من الحرب في غزة، ألحقت إسرائيل والولايات المتحدة أضراراً عسكرية واقتصادية كبيرة بمعاقل الحوثيين في اليمن. ففي ربيع عام 2025، نفذت إدارة ترمب أكثر من ألف غارة جوية خلال عملية “الفارس الخشن”، وبعد بضعة أشهر، استهدف الإسرائيليون البنية التحتية للحوثيين واغتالوا رئيس وزراء الجماعة الفعلي ورئيس أركانها. ومع ذلك، يبدو أن هذه الحملات قد زادت الجماعة جرأة. فمن خلال مهاجمة الملاحة البحرية العالمية، عززت الجماعة أهميتها داخل محور المقاومة الإيراني. ومن خلال الاشتباك مع هذه القوى العسكرية الكبرى، عززت الجماعة اعتقادها بأنها لاعب إقليمي رئيس، يتمتع بقدرة فريدة على تحرير العالم الإسلامي من النفوذ الأميركي والإسرائيلي المفسد.
ومنذ ذلك الحين، كثفت الجماعة جهودها لاكتساب قدرات عسكرية جديدة وأكثر قوة. فخلال حرب غزة، زودت روسيا الحوثيين بمعلومات استخبارية لمساعدتهم في استهداف السفن. كما درست إمكان تزويدهم بأسلحة متقدمة، لكنها تراجعت في نهاية المطاف بعد أن أقنعتها الرياض بالعدول عن ذلك. واليوم، وكما ورد في تحليل حديث في مجلة “فورين أفيرز”، يستفيد الحوثيون من سلاسل إمداد متنوعة وشبكات مالية سرية، بينما يعملون على بناء قدرات إنتاجية محلية. ونتيجة لذلك، تمكنوا من تعزيز ترسانتهم، حتى من دون عمليات نقل أسلحة مباشرة من إيران.
ويعتقد الحوثيون الآن أنهم قادرون على دفع السعوديين إلى تقديم شروط أفضل لهم من تلك التي تضمنتها خريطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة عام 2023، بما في ذلك تعويضات عن أضرار الحرب. ومع مضي هجومهم العسكري قدماً، من المرجح أن تتزايد هذه المطالب أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، يواجه الحوثيون ضغوطاً داخلية كبيرة لدفع رواتب موظفي القطاع العام التي طال انتظارها، ومعالجة الأوضاع المعيشية التي تزداد سوءاً. ويعاني أكثر من نصف سكان اليمن انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يواجه 6 ملايين شخص مستويات من الحرمان مصنفة على أنها “طارئة” وتقترب من حد المجاعة.
الخط الأحمر للرياض
نظراً إلى اعتماد السعودية المتزايد على البحر الأحمر، ربما كان الحوثيون قد حسبوا أن المملكة ستسارع إلى الرضوخ لمطالبهم، لكن يبدو أن تحركات الحوثيين زادت من تصميم الرياض على مواجهتهم.
وفي ظل إدارة أميركية يصعب التنبؤ بتصرفاتها ومواقفها، كانت السعودية تستعد للمواجهة من خلال تنويع شراكاتها الأمنية. ففي الـ30 من يوليو، أعلنت الرياض تشكيل تحالف دفاعي بحري للبحر الأحمر يضم 14 دولة، من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي. وبعد أسبوع، وقع ولي العهد اتفاق دفاع متبادل مع تركيا وباكستان في مراسم أقيم في مكة بحضور زعيمي البلدين إلى جانبه. ولا تزال القيمة العسكرية لهذه الاتفاقات غير معروفة، وهجمات الحوثيين على السعودية تمثل أول اختبار للاتفاق الأخير. وحتى الآن، كانت النتائج مخيبة للآمال. ووفقاً لـ”رويترز”، وجهت باكستان تحذيراً إلى الإيرانيين لكبح جماح حلفائهم الحوثيين قبيل سيطرتهم المفاجئة على المخا. ولم تدخل تركيا ولا باكستان بصورة مباشرة في القتال في اليمن، وأكدت إسلام آباد أن “اتفاق مكة” لم يفعل رداً على حرب اليمن.
وبطريقة موازية، واصل السعوديون طلب الدعم من الولايات المتحدة. ففي الـ28 من يوليو، تعاونت الرياض مع واشنطن لضرب ميليشيات عراقية مدعومة من إيران اصطفت إلى جانب الحوثيين، في إشارة إلى أن واشنطن قد تنضم إلى الرياض في جهدها العسكري ضد الحوثيين إذا استمر الصراع في الاتساع، لكن التدخل الأميركي ليس مضموناً على الإطلاق. ففي خضم متطلبات الحرب على إيران، حرصت الإدارة الأميركية على الحفاظ على هدنة ثنائية مع الحوثيين قائمة منذ مايو (أيار) 2025، كما أن كثيراً من أصولها العسكرية في الشرق الأوسط عالق في مضيق هرمز، فضلاً عن أن توسيع نطاق الحرب سيكون أمراً غير مقبول في الداخل الأميركي.
وفي حين أن استيلاء الحوثيين على المخا وجزيرة بريم يفرض ضغطاً أكبر على واشنطن للتحرك، قد تكون إدارة ترمب أكثر اهتماماً بتجنب أي تورط عسكري جديد قبيل انتخابات التجديد النصفي. وفي غضون ذلك، حققت جهود الرياض لتعزيز الحكومة اليمنية نتائج متباينة إلى حد كبير، لكن استيلاء الحوثيين السريع على المخا يثير تساؤلات كبيرة حول قوة هذه القوات ومدى تماسكها. ففي المعركة، لم يسفر توحيد القيادة عن تعاون فعال بين مختلف الفصائل التابعة للحكومة. ومع انسحاب القوات الحكومية من المخا، أفادت تقارير أيضاً بوقوع اشتباكات بينها وبين القوات الجنوبية التي رفضت السماح لحلفائها الشماليين بدخول الجنوب بأسلحتهم…. وإذا تمكن الحوثيون من ترسيخ مكاسبهم في المخا ومحيطها، فقد توجه خسارة الأراضي ضربة قوية إلى معنويات القوات الموالية للحكومة، وتثير مزيداً من الانقسامات بينها.
نقطتا اختناق
من خلال الحوثيين، تستطيع إيران الآن تقييد صادرات النفط عبر البحر الأحمر. ويتمثل هدف طهران على المدى الطويل في إرساء واقع يبعث على القلق: سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب بالتوازي مع سيطرة إيران على مضيق هرمز، وإذا أمكن الحفاظ على مثل هذه الاستراتيجية، فإنها ستجعل إيران وشريكها الإقليمي بمثابة حارسين فعليين على بوابة تجارة تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات سنوياً.
وعلى رغم أن طهران لا تمارس قيادة وسيطرة مباشرة على الحوثيين، فإنها تتمتع بنفوذ هائل على الجماعة. ويشير قرار إيران إرسال الرحلة الجوية إلى صنعاء في يوليو، الذي أشعل فتيل التصعيد الحوثي الحالي، إلى الطرق العديدة التي يمكن لطهران من خلالها تأجيج الصراع اليمني لتحقيق أهدافها الخاصة. وفي المقابل، أدى قرار الحوثيين بتجنيد الميليشيات العراقية في هجماتهم على السعودية إلى زيادة تشابك الصراع اليمني مع الحرب على إيران. كما أن تحالفات الحوثيين المتنامية مع الجماعات المسلحة في الصومال والسودان وأماكن أخرى في منطقة القرن الأفريقي، تشير إلى مدى سرعة امتداد تصعيدهم الحالي إلى المنطقة الأوسع.
وخلال العقد الذي أعقب اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2014، ترددت تداعياتها في أنحاء المنطقة ووصلت إلى البحر الأحمر. ومع الحرب على إيران، وتنامي طموحات الحوثيين وشراكاتهم الإقليمية، وقدرتهم المشتركة مع إيران على التأثير في تجارة الطاقة العالمية، أصبحت الساحة مهيأة الآن لمواجهة أشد خطورة. وهذه المرة، قد يكون من الأصعب بكثير على الحوثيين الحفاظ على استقلاليتهم السابقة عن طهران. كثيراً ما كانت الحرب في اليمن ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية، لكن المرحلة الأخيرة قد تشهد انخراطاً متزايداً من جانب إسرائيل وروسيا وتركيا والولايات المتحدة. وبدلاً من أن يكون اليمن ساحة صراع على النفوذ الإقليمي، قد يتحول إلى منصة للتنافس بين القوى الكبرى يتمحور حول نقطة اختناق بحرية حيوية.
التفاوض أم إلقاء القنابل
مع بدء حلقة خطرة من التصعيد، سيكون لما سيحدث بعد ذلك أثر حاسم في تحديد مسار الأحداث. فقد تستغل السعودية المكاسب الأخيرة التي حققها الحوثيون لحشد دعم دولي من أجل شن حملة واسعة النطاق ضدهم، قد تشارك فيها الولايات المتحدة وشركاء السعودية الجدد في “اتفاق مكة”. غير أن رداً كهذا قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع من دون معالجة نقاط الضعف الجوهرية التي يعانيها التحالف المناهض للحوثيين الذي يخوض القتال على الأرض، ومن المرجح أن يصب هذا التصعيد المفتوح في مصلحة الحوثيين ويعزز استراتيجية إيران الرامية إلى السيطرة على نقاط الاختناق الحيوية في الشرق الأوسط، كما أن استمرار الحرب في اليمن قد يعقد الجهود الأميركية الرامية إلى التوصل إلى تسوية مع إيران.
لكن لا تزال هناك فرصة محدودة للحيلولة دون خروج التصعيد عن السيطرة، والعودة لطاولة المفاوضات. ومن أجل تحقيق ذلك، يتعين على السعودية والحكومة اليمنية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين آخرين، الاتفاق على خطة يعتد بها للتوصل إلى حل سياسي للصراع في اليمن، ويجب أن تعالج هذه الخطة الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين، وأن تحسم القضايا السياسية التي لا تزال تمزق هذا التحالف، مع تجنب تبني أهداف عسكرية قصوى تتجاوز ما هو واقعي وقابل للتحقيق.
والتوصل إلى مثل هذه التسوية الآن سيتطلب أن تمارس كل من السعودية والقوات الحكومية اليمنية، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، ضغطاً عسكرياً فعالاً لوقف تقدم الحوثيين وإقناعهم بقبول اتفاق. وفي الواقع، يواجه الحوثيون أنفسهم ضغوطاً اقتصادية كبيرة في الداخل، ويمكن أن يستفيدوا من مثل هذه المحادثات إذا أمكن إقناعهم بأنهم غير قادرين على فرض إرادتهم عسكرياً. ولكي تحقق التسوية السياسية الاستقرار في اليمن، سيتعين على الحوثيين أيضاً الموافقة على شروط تعالج المخاوف الأساسية للقوى الإقليمية والحكومة اليمنية، وتضع هيكل حكم قابلاً للتطبيق.
ويعد النهج السابق الذي اتبعه التحالف بقيادة السعودية في اليمن درساً مفيداً في هذا الصدد، ففي عام 2021 انسحب الحوثيون من المفاوضات وشنوا هجوماً برياً جديداً ضخماً. ورد السعوديون والإماراتيون بشن عملية منسقة ركزت على إعادة الحوثيين إلى طاولة المفاوضات بدلاً من السعي إلى تحقيق نصر كامل، وفي نهاية المطاف ساعدت الحملة في التوصل إلى الهدنة بعد أشهر. وبالمثل، ينبغي أن تركز أية حملة جديدة يشنها التحالف الذي تقوده السعودية اليوم على دفع الحوثيين إلى المشاركة في المفاوضات. لكن النجاح سيتطلب أولاً منع مزيد من الخسائر على الأرض، وبذل جهد فوري لرأب الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين.
كان ينبغي منذ زمن طويل إنهاء الاستراتيجية الفاشلة التي تقوم على معالجة مشكلات اليمن بالتصعيد العسكري قصير الأمد وحملات الضغط، ولن يكون إحياء التسوية السياسية أمراً سهلاً، ولن يحدث على الفور. لكن البديل أسوأ بكثير، وهو يتمثل في الانزلاق إلى حرب متجددة، وطويلة الأمد، وذات طابع إقليمي متفاقم، وكما هو الحال مع الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران، قد يكون بدؤها أسهل بكثير من إنهائها.
أبريل لونغلي ألي هي زميلة بارزة في معهد واشنطن وشغلت منصب كبيرة المستشارين السياسيين للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن بين عامي 2020 و2024.
أليسون ماينور هي مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط الذي أطلقه المجلس الأطلسي، وشغلت منصب نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن من عام 2021 إلى عام 2023.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 11 من سبتمبر (أيلول) 2026