كلما وقعت الإنسانية في مأزق تحتاج إلى إعادة تعريف نفسها، هذه القناعة التي يتوصل إليها المتأمل في المآزق الراهنة للعالم والتي تتماهى فيها التراجيديا والكوميديا في بنية واحدة تنبئ بأن التماس بينهما سيؤدي إلى تراجيدية تولد بدورها أخرى وهلّم جرّا.
والثابت في هذه الحال أن الاتكاء على المعرفة السابقة لم يعد كافيًا؛ فمن السذاجة استدعاء تعريف سقراط للإنسان ككائن عاقل يبحث عن الحقيقة والخير والفضيلة، “أو ذات أخلاقية تعيش بذكاء ومعرفة”. ومن النافل أيضًا دعوة فرويد لهذا الحفل الهزلي، إذ لن يفعل أكثر من نزع اللحم عن العظم لينفي العقلانية عن الإنسان؛ كاشفًا عن ظلمة يتلاشى فيها المنطق الذي يخلي مكانه للّامعقول.
وبما أن كلّ حدث يجبّ ما قبله، كما ينسينا الموت موتًا سبقه؛ سترفض الوجودية – منحازةً لحرية الإنسان– الافتراض الفرويدي. فمن الإهانة له أن يكون أسيرًا لما هو أعلى: “السماء” أو لما هو أدنى: “اللاشعور”. “فالوجود يسبق الماهية”، وبحسب “علم النفس الوجودي” الذي رسم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ملامحه فلا وجود للاوعي، وكلّ تصرّف واعٍ.
حتى التصرفات التي نحاول التهرب من مسؤوليتها ليست أكثر من “سوء نية” متعمد. وعلى الإنسان أن يتحمل مسؤولية اختياره. أما المرض العقلي فإنه وفق هذا التفسير احتيال وتهرب ونكوص.
التحدي الأكبر الذي واجه تعريف الإنسان كان يأتي من الفلسفة الأخلاقية التي ترى أن الشرّ ماثل في الذات وانتهت إلى كتيبات وتعليمات لكبح هذا الشرّ. إذ ألحت الفلسفات الشرقية على تهذيب الإنسان ولجم ميوله.
وبالتوازي كانت الرؤية الغربية المرتعبة من عودة الشبح الديني في هيئة رواقية تميل إلى تغليب النزعة الفردانية والنظرة المادية للإنسان. ووفق هذا التصور ستكون النتائج التي أفضت إليها مختلفة عن نتائج نظيرتها الشرقية.
لكنّ السؤال عن الشرّ والخير والقانون والقوة أتى بالتوازي، وتفجّر من جديد بالتزامن مع الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية بموجب قانون صدر في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي؛ إذ خرجت ملايين الوثائق المتعلقة بجيفري إبستين، وأتيحت جميع السجلات المرتبطة برجل الأعمال الراحل للرأي العام.
أعادت الأحداث التي خالط واقعيتها الخيال، تذكّر الأعمال الروائية والسينمائية القائمة على الرعب وأساليب التعذيب. إذ لم تخلُ افتتاحية أو مقال من استعراض عمل روائي أو فني يدور في فلك القضية ذاتها كفيلم “هوستل” لمخرجه إيلي روث، كمحاولة لاستيعاب الأمر ضمن حدود الفن والأدب، في حركة أشبه بالنظر إلى المرآة؛ تجنبًا للنظر في عيني ميدوزا، فابتلاع هذه الحقيقة كان صعبًا من دون استعادة هذه الأعمال الفنية.
لكن الشعور الذي عكسته هذه الحادثة وراح ينمو يومًا إثر يوم، لا يتعلق بعالم تديره نخبة فاسدة بل يتجاوز سؤال العدالة إلى الشكّ في العدالة ذاتها؛ فإنشاء جزيرة معزولة مع الاعتقاد بأن القانون لن يطاولها، يهدم التوازن الذي اختل فجأة.
وحين يختل ميزان تكون الغلبة للجور والظلم أكثر مما يتعلق بمجموعة من الأفراد أو منظومة كاملة تعيش خارج كل سلطة أخلاقية وقانونية. كما يطرح انتحار إبستين ما هو أبعد من سؤال الخير والشرّ؛ إلى حدود ما يسمح لنا بمعرفته، وما لا يجوز أن نطّلع عليه، والثمن الذي يتوجب دفعه ثمن هذه المعرفة. كما يعيد إلى الذهن الكاتب الفرنسي الماركيز دو ساد ولا سيما في روايته “أيام سادوم المائة والعشرون” (ترجمة كامل العامري).
| الماركيز دو ساد |
كتبت الرواية في عام 1758، وهي تصوّر الأفعال الشائنة التي يقوم بها دوقات أربعة يمثلون سلطات دينية وسياسية وقانونية، بقصد جرح هذه الهيئات التي يفترض بها أن تكون مثالًا ليثبت أن الشر فطرة والخير بلاهة وعجز وسذاجة.
وفي أحد مقاطع الرواية، يثني أحد الدوقات على الخلاعة، ليبرهن “أن الكثرة الكاثرة ولدوا متهورين، والأفضل أن يخدموا هذه الفطرة ويعبدونها”.
يتجاوز هذا العمل سؤال الشرّ إلى سؤال السلطة المطلقة، في نزوع يذكرنا بنيتشه يعيد تعريف المفاهيم وقلب التصورات المألوفة للعقل الرتيب: “إنه لمن الخطأ أن يتصور المرء أن النذالة هي سلوك بعض الناس الذين ينصرفون إلى الغش والخداع فقط. بل يمكنها أن تكون مسيطرة على رؤوس كبار النبلاء”. وهنا تتحطم كل قيمة لا رغبةً بذلك الهدم بل لاختبار حدود القيمة وقوتها؛ حين تتدحرج حرية الإنسان بلا رادع أو حدود.
وتعبّر الجملة التي قالها “الدوق بلانجيس” عن ذلك بدقة: “وهكذا لا يقف في طريقي سوى القانون، لكنني أتحدّى القانون، فما أملكه من ذهب وسمعة يبقيانني أبعد من نيل آلات القمع الفظة التي تستخدم لقمع الناس”.
فما هي الأمكنة التي يمكن للقانون أن يصلها، والحدود التي لا يفقد مفعوله عندها؟
قد تكون جزيرة إبستين جوابًا على هذا السؤال، ولكن انتحاره بدوره يثير سؤالًا أشد إرباكًا، فهذا الوسيط الذي يمكن تشبيهه براوية اليوم الأول في مؤلف دو ساد والتي تحكي للحضور قصة تحولها إلى القوادة؛ ستكشف من خلال قصصها المتتالية عن كونها لم تكن سوى جزء من منظومة، كما أنها لم تكن تلبّي رغبات الرهبان فقط، بل تروي كيف أتاحت لهم أن يعرفوا أكثر عن أنفسهم؛ لقد كانت مرآة ليتعرفوا على أنفسهم بوضوح وقسوة.
السؤال الأهم في هذا الحدث يتعلق بانحراف الجمال عن دوره الملهم والملطف للوجود إذ يظهر هنا بوصفه محركًا من محركات الشرّ؛ فقد أيقظ كل هذه العدوانية والقوة المفرطة على الجسد.
لقد أتاحت الوثائق التي يعتقد أنها أقل مما يجب، الكثير من المعرفة هنا، وكانت أشبه بالسم ذي المفعول القوي، فبضع قطرات منه كافية لإحداث أثر. كما فتتت بنية العدالة والقانون في نظر المؤمنين بهاتين القيمتين – على ندرتهما في عالمنا الحالي – إذ واجهوا السؤال الذي واجهته يومًا بطلة رواية “جوستين” (رواية دو ساد) حين سألت “عما إذا كان الذين يصادفون فقط أشواك الحياة – في مقابل الأشرار الذين يحصدون الورد – سيفضلون محاكاة الأشرار فيزدهرون أكثر من محاكاة الخيرين فيخفقون”.
في مقطع لاستجواب إبستين يسأله المحقق عن تلك الوثائق، فيرد بثقة أنه سيتبع نصيحة محاميه ولن يجيب؛ وبموجب التعديلات والقانون “رقم كذا” يطلب شطب السؤال ثم يضيف بتباهٍ وعجرفة “أنه يتمسك بحقوقه القانونية في ألا يجيب على أي سؤال”. لتثير كلمة القانون في أذن السامع شعورًا هزليًا وسرياليًا غير مألوف.
آمن سقراط بالمعرفة وقرنها بالفضيلة، بينما كان تلميذه وكاتب سيرته أفلاطون أكثر واقعية فرأى أن هناك من تقوده الحكمة وثمة من يقوده الجشع، وفي المسار ذاته يصعب استيعاب المسألة ضمن المنطق فمحاولة فهمها من خارجها أشبه بمحاولات القرن العشرين وضع كاميرات متعددة قرب المحتضر لعلهم يمسكون بالروح.
لا شك في أن التفسيرات المتعددة سواء تلك التي لها طابع ديني لتسجل موقفًا أخلاقيًا ونقطة في مرمى الغرب المنحل كما حسب البعض، أو التأويلات التي – في نزوع نيتشوي واضح – ذهبت أبعد من الخير والشر، أو تلك التي تقرأ كل حدث من خلال منظومة كاملة في اشتباك بين السلطة والمال والقوة والنفوذ، كلها مشروعة وكلها في النهاية تأويلات يربض خلفها السؤال الأشد حساسية عن ماهية الإنسان.
بالنسبة للبعض لو لم تخرج قضية جيفري إبستين إلى العلن لظلت العدالة منقوصة، بينما يرى آخرون أن السؤال الذي يجدر طرحه: “هل سأقوم بما قاموا به لو كنت في مكانهم؟”.
وسؤالنا هنا يتعلق بالأذى الذي يوقعه إنسان على جسد آخر عبر تحطيمه، وعن هذه الرغبة بالتحطيم وهذا ما ينظر له مقالنا بعين الاعتبار. هذا الجسد الذي لا يمكن تعريفه في “ما بعد الحداثة” إلا من خلال الآلة (الجسد المادي، الجسد الآلة، التشيؤ، الإنسان ذو البعد الواحد).
لا شك في أن نظرة لا ترى الإنسان أكثر من جسده ولا أقل هي وجه آخر لاحتقاره، وهذا يمكن فهمه في إطار الآلة التي تعتبر ثيمة عصر بأكمله لا في سياق الحرية والفرادة.
ولا يمكن فهم إيقاع الأذى عليه في تلك الجزيرة التي يطلق عليها البعض “جزيرة الشرّ”، إلا كانتقام من ماديته ومحدوديته؛ إذ إن إيقاع الأذى به لا يمكن تفسيره كفعل حب في النهاية بل كفعل انتقام من اكتشاف أنه – أي الجسد – أقل من حريته وهذا ما واظبت المرحلة المتأخرة من البشرية على تصديره.
لكن الفاجع في الوضع الإنساني أن المرء في هذه الحال يعتقد أنه يستبد بغيره، ليكشف الستار في النهاية أن الأهواء هي من كانت تستبد به.
أما المعرفة فإنها كالثروة، إما أن تودي بصاحبها إلى التهلكة، أو تزيد كم التعاسة فتكشف له عن أشد ملامحه بؤسًا. ويبدو لي أن شبح سقراط يلوح في هذه السطور إذ أتصوره ماشيًا في شارع يوناني قديم، وسط جو عاصف يتبعه تلاميذه ويسألونه عن العدالة والشرّ والخير، أحاذي تلاميذه عابرة حدود الزمان والمكان فأسمع صوتًا يسأل: ولكن قل لي يا سقراط من هو الإنسان؟
ويسود صمت، قبل أن يأتي الجواب: هو الذي عرف أقل مما ينبغي.