في ظهيرة يوم الأربعاء الماضي كان مبنى «كانون»، التابع لمجلس النواب الأميركي، على موعد مع جلسة لإحاطة إعلامية خاصة حول انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأقليات في سوريا وسُبُل المحاسبة الدولية. كانت وراءها منظمة إنماء سوريا الغربية «Western Syria Development»، التي ظهرت في آب (أغسطس) 2025 بهدف تقديم المساعدة للعلويين في داخل البلاد، ولمن غادرها منهم إلى لبنان بعد سقوط النظام أو إبان مجازر الساحل في آذار (مارس) من العام نفسه.

كانت المنظمة قد أعلنت أن عملها يتضمن الخدمات الطبية والإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي والتعليم، قبل أن يتبيّنَ أن لها هدفاً سياسياً في المناصرة بعد أن عقدت شراكة استراتيجية مع شركة مختصة في الضغط السياسي والاستشارات القانونية والـ(Lobbying) في العاصمة الأميركية واشنطن، هي «Tiger Hill Partners».

قامت «إنماء سوريا الغربية» بحملات للمساعدات في لبنان حيث تعمل بشكل حرّ، قالت إن بعضها مُموَّل من «المواطن السوري اللواء كمال حسن»، لتُرجِّحَ الأقاويلُ أنها مملوكة من قبل الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية في نظام الأسد، الذي استلم منصبه في مطلع العام 2024 واستمر فيه حتى ليلة السقوط. عندما غامرَ رغم الخطر المحدق بالذهاب إلى الشعبة حيث أخرج الهاردات الرئيسية من كمبيوترات الفرع الإداري واصطحبها معه في رحلة اللجوء إلى روسيا. مما أعطاه، وفق متابعين لحركة المنافسة على وراثة النظام، أفضلية المعلومات. ناهيك عن الأحاديث بأنه يعمل، الآن على الأقل، لصالح جهاز مخابرات دولة عربية معادية للإسلام السياسي هي من دعم العقد الباهظ مع (Tiger Hill)، الذي لم يكن اللواء قادراً على تغطيته أو راغباً في ذلك رغم الثروة التي حصّلها من سنوات الفساد.

كانت إحاطة الأسبوع الماضي ذروة ما استطاعت الشركة تحقيقه حتى الآن. فقد جرت برعاية النائب الجمهوري ريان ماكنزي، وحضور زميله سكوت بيري، بمشاركة ممثلي نواب آخرين وعدد من المنظمات الأميركية غير الحكومية في الشرق الأوسط، والمستشار الأميركي من أصل لبناني وليد فارس، والعميد الإسرائيلي المتقاعد أمير أڤيڤي، ووزير الشؤون الخارجية لحكومة جمهورية بيافرا في المنفى!

سبقت المناسبة دعاية واعدة من نوع: «مباشر من قلب واشنطن.. صوت الحقيقة يصل إلى الكونغرس!»، هدفت إلى أن تُثير حماس متابعيها بالقول: «هل يُنقَل ملف الأقليات، وبالأخص العلويين، من الظل… إلى الطاولة الدولية؟». وقد انتهت الجلسة، التي استمرت أقل من ساعتين، بتأكيد النائب ماكنزي على أهمية «إبقاء الكونغرس على اطلاع دائم لتمكين اتخاذ إجراءات فعالة»، وتحذير النائب بيري من «تكثيف الهجمات على الأقليات في ظل النظام السوري الحالي»، الأمر الذي عدّته المنظمة نجاحاً في نقل الملف إلى الأطر المؤسساتية الدولية، ما يعطيه «ثقلاً رسمياً».

بدأت الجلسة بعرض فيديو متواضع للتعريف بالعلويين. فعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط الشرقية تعيش جماعة صاغتها قرون طويلة من التاريخ، حافظَ فيها العلويون على ثقافة «تقوم على الصمود والانفتاح المعرفي والاعتزاز الهادئ بهويتهم» لأن في تقاليدهم «مساحة واسعة للتأمل وحرية التفكير» رغم التشدد الذي لطالما ابتُلوا به في جوارهم. فهُم، بحسب الفيديو، «شعب النور وأبناء الشمس»، والعلوي هو «الإنسان الذي يسعى للارتقاء بالمعرفة والكرامة والسلوك الأخلاقي» بحثاً عن «وعي أعمق بمعنى الوجود».

تَرافقَ النص مع مَشاهد، يبدو أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، لشبان وشابات مُشرقي الوجوه، وأسرة سعيدة، وطفل يبتسم، تخلَّلتها صور شيوخ وقورين يكتبون بالريشة على ضوء الشمعة، قبل أن تقتحمها بحدة مقاطع حية ومروعة من مجازر العام الماضي.

تلت ذلك كلمة مسجلة للشيخ غزال غزال، المرجع الأبرز للطائفة حالياً، أكد فيها أن الشعب العلوي يؤمن بقيم السلام والمحبة والتسامح، وهو يمد أيديه لكل من يقف معه في حقه في تقرير مصيره وضمان حماية مناطقه ومناطق جميع المكونات بأيدي أبنائها، مع إخراج جميع الفصائل المتطرفة والإرهابية التي فُرِض وجودها بالقوة. مؤكداً أن الجهات التي ارتكبت المجازر في مناطق العلويين هي ذاتها التي «استهدفت كنيسة مار الياس بحق إخوتنا المسيحيين، وهي نفسها التي ارتكبت اعتداءات بحق إخوتنا الموحدين الدروز، كما تورطت في الاعتداء على أبناء الشعب في شمال وشرق سوريا». مطالباً بتطبيق حلول سياسية جذرية لتكون سوريا دولة قانون ومؤسسات، دولة قائمة على دستور توافقي يضمن العدالة والمساواة، ونظام لامركزي سياسي في إطار فيدرالي جامع. مؤكداً أنه لا يطالب بدولة دينية بل بدولة مدنية أو علمانية، بعيداً عن كل أشكال التطرّف والعنف والإسلام السياسي.

وقد حسمت هذه الخاتمة الجدلَ بشأن انحياز الشيخ، المُعمَّم بعمامة شيعية، إلى الطرف الغربي في الحرب الكبرى الدائرة ضد إيران. مما أثار ردات فعل متباينة داخل البيئة العلوية التي كانت قد اختلفت في المسألة، قبل أن تتبع الأكثريةُ الشيخَ في موقفه الذي بدا مُراهِناً على الحصان الرابح.

تحملُ هذه الصورة خطوطاً عديدة من معالم النسيج العلوي المضطرب الآن. ففي ظل عدم الاستعداد لفكرة «اليوم التالي» فُتِحت الأبواب أمام فوضى جماعية أتاحت لبعض المتنفذين الطامحين من «الفلول»، الذين تجاوزوا ذكرى النظام السابق بسرعة وصاروا يبحثون عن مجد شخصي، للاستثمار في حاجة العموم للبحث المُلحّ عن الأمان. ومن جهة أخرى عندما يعجز المرء عن معالجة استحقاقاتِ واقعه، فإنه يلجأ إلى التاريخ الموشّى بالإنشاء المهدئ للمخاوف. وحين يحركه قلق الوجود تنقلب انحيازاته بخفّة بين صديق وعدو مَذهبيين وقديمين. وإن تَحوَّلَ إلى صاحب حاجة، تَملَّكته رعونةُ الظن بأنه ليس لدى النائب الأميركي مكتب وموظفون لإعداد تقارير عن القضايا المطروحة، وأنه سيشكل تصوراته من شريط دعائي قصير يقول إن الخير والشر ناجزان وأزليان في الجماعات من دون أخذ أي سياق في الاعتبار. فقَدَرُ المتنورين أن يكونوا ضحية المكر الأسود في جغرافيا بشرية مجحفة. لا أسد هناك ولا نزاع ولا فرع فلسطين، الذي ترأَّسه كمال حسن لمدة، ولا مقابرَ جماعية لمجهولين. إنها ببساطة دورةٌ جديدةٌ من صراع أبناء الشمس وأبناء الظلام فقط، تشققت عنها الأرض فجأة يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) من دون أي سبب أرضي قابل للسياسة.

نعم، لا يمكن الدفاع عن الحُكْم السوري الجديد بنزاهة، ولكن أيضاً لا يمكن تجاهل سلفه ببراءة!