ثلاث مرات حاول وليد جنبلاط أن يقول للـ “الحزب” إن الطريق الذي يسلكه يقود حتماً إلى الكارثة. في المرة الأولى حذره من الذهاب إلى الحرب السورية، فذهب وغرق في مستنقعها. وفي الثانية حذره من الانخراط في حرب إسناد غزة، فقيل إن المشاركة ستكون محدودة، قبل أن يتحول الحزب ولبنان والجنوب إلى جزء من حرب مفتوحة لا يملكون قرار وقفها. واليوم يرفع جنبلاط صوته مُحذراً من توريط لبنان في حرب جديدة، بعدما دفع البلد أثمانا باهظة من أرضه وأهله واستقراره. فهل يسمع الحزب هذه المرة، أم يكرر الخطأ حتى نهايته؟
ثلاث محطات تختصر مأزق مشروع الحزب الذي قرر أن يجعل لبنان جزءاً من حسابات إقليمية تتجاوز مصالحه الوطنية، وأن يربط أمن بيئته ومستقبلها بموازين قوى لا يستطيع التحكم بها، وفي كل محطة كان وليد جنبلاط سباقاً في النصيحة وفي التحذير، لكن الحزب كان يقابله بالتجاهل أو بالاطمئنان إلى فائض القوة، قبل أن تكشف الوقائع سوء التقدير، بل وانعدام المسؤولية الوطنية، والإصرار على انتحار جماعي بلا أفق أو طائل.
لا تذهبوا إلى سوريا
حين نصح جنبلاط الحزب في كانون الأول عام 2011 بعدم الذهاب إلى سوريا، لم يكن يتحدث من موقع العداء للنظام السوري فحسب، بل من إدراكه أن التدخل في الحرب الأهلية السورية سيحوّل “الحزب من قوة لبنانية تدعي حماية لبنان إلى طرف مذهبي في صراع دموي يتجاوز الحدود، لكن الحزب ذهب، وانخرط في القتال دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وشارك في عمليات عسكرية خلّفت مآسي هائلة وجراحاً عميقة ستعيش طويلاً جداً في ذاكرة السوريين واللبنانيين والعرب.
لكن بعيدا عن الجانب الأخلاقي والعاطفي والسياسي، استنزفت الحرب السورية قدرات الحزب البشرية والعسكرية، وكشفته أمنياً، ووسعت دائرة العداء له في المنطقة، وأدخلته في معادلة انتحارية، والأخطر أنها أسهمت في تثبيت صورة الحزب بوصفه قوة مذهبية تتجاوز الحدود والخرائط، وتقاتل حيث تقتضي مصالح المحور والمشروع، ولو كان الثمن مزيداً من الانقسام والدماء.
جاءت التحولات السورية لتكشف هشاشة الرهان. فسقوط نظام الأسد لم يكن مجرد خسارة تكتيكية، بل ضربة استراتيجية كبرى للحزب وللمشروع الإيراني برمته، ومعهم لكل السردية التي حاول الحزب تعميمها على مدى سنوات. وقبل ذلك وبعده، كشفت الاستهدافات الإسرائيلية الدقيقة لكوادر الحزب وقادته أن التورط في الحرب السورية كشفته أمنياً وأصابه في مقتلة لا قيامة بعدها، وفي هذه الحالة لم يخسر سوريا وطريق إمدادها وحسب، بل خسر معها أمنه وسرديته وعناوين تفوّقه العسكري.
لا تدخلوا حرب الإسناد
لم يتعظ الحزب من التجربة السورية، ومن المقتلة التي رمته إيران في أحضانها، فسارع بعد اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 إلى إسنادها، وراح يتصرف وفق حسابات مغلوطة تفترض إمكان ضبط المواجهة عند حدود المناوشات، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن هذه الحسابات سقطت تباعاً، وتحول الاشتباك المحدود إلى حرب مدمرة دفعت فيها عشرات القرى الجنوبية أثماناً هائلة، وتعرضت قدرات الحزب العسكرية والأمنية لضربات قاسية، وصولاً إلى اغتيال قيادات الصف الأول، وفي مقدمتها السيد حسن نصر الله وخليفته.
كان بإمكان الحزب أن يقرأ مبكراً اختلال ميزان القوى، وأن يدرك أن فتح جبهة إضافية لا يعني بالضرورة مساعدة غزة بقدر ما قد يعني تعريض لبنان لمواجهة غير متكافئة. لكن القرار اتخذ في طهران، ولم يكن لا الحزب ولا بيئته ولا عموم اللبنانيين شركاء في اتخاذه، لكنهم تحملوا نتائجه الفظيعة والمستمرة منذ ثلاث سنوات.
لم تكن الحرب مغامرةً عسكريةً خاسرةً، بل كانت مقامرةً مجنونةً بمستقبل الجنوب وبمصالح الشيعة قبل سواهم، وهذا تماماً ما حاول وليد جنبلاط التنبيه له عبر الرسائل التي مررها إلى السيد نصر الله، لكن الرد التطميني الذي حمله إليه وفيق صفا تبخر لحظة وصول تعليمات الحرس.
لا تكرروا الكارثة
اليوم، يوجه جنبلاط تحذيره الثالث بوضوح أكبر. فهو لا يريد للبنان أن يكون ساحة لحرب جديدة، ولا أن يدفع الجنوب ثمن قرارات تتجاوز مصلحته ومصلحة أبنائه، وقد سأل الحزب على نحو واضح ومباشر: لماذا تريدون التضحية بالجنوب؟ ولماذا ترمون الدروز في الحضن الإسرائيلي؟ وهي أسئلة تختصر الخشية من أن يؤدي استمرار الحرب والاحتلال وتدمير القرى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي في الجنوب، ودفع بعض مكوناته إلى البحث عن حماية لدى إسرائيل.
يحذر جنبلاط من أطماع إسرائيلية بات يحفظها عن ظهر قلب، وهي أطماع قد تتجاوز الجنوب إلى مناطق أخرى، وقد تدفع إلى إخراج الدروز وغير الدروز من تاريخهم الوطني والعربي، لأن منطق الانتحار والمغامرات والحروب المفتوحة سيضع الجميع أمام خيارات قاسية، وسيمنح إسرائيل فرصاً لاستغلال الانقسامات الداخلية لتوسيع احتلالها وتعميم سرديتها.
المشكلة أن الحزب تجاهل النصيحتين السابقتين، ودفع ثمناً استراتيجياً باهظاً، والواضح اليوم أنه عاكف على تجاهل النصيحة الثالثة، وعلى الذهاب بعيداً في اللعب على حافة الهاوية، استناداً إلى الارتماء الكامل في المقتلة الإيرانية، من دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية.
الاختبار الحقيقي أمام الحزب لم يعد في قدرته على إطلاق الصواريخ أو تحمل الضربات، بل في قدرته على مراجعة خياراته، والاعتراف بأن حماية لبنان لا تكون بجره إلى حرب عبثية ستكون عواقبها وخيمة على الجميع، وستؤسس لواقع لا يمكن الفكاك منه لعقود مقبلة.
ثلاث نصائح وتجربتان ثقيلتان، فهل تكون الثالثة فرصة أخيرة لتدارك الكارثة، أم أن الحزب سيصر على استنساخ الأخطاء نفسها، إلى أن يصبح ثمن التصحيح أكبر بكثير من قدرة لبنان وقدرة مكوناته وقدرة الشيعة أنفسهم على الاحتمال؟
