ترجمة: عماد فؤاد… ضفة ثالثة
ينشغل ج. م. كويتزي اليوم، وهو في الخامسة والثمانين من عمره، بالسؤال عمّا يعنيه أن يتقدّم المرء في السنّ، إلى درجة أن يراك ابنك: “كأنّك كلب بحر في السيرك؛ عجوز ومتعب، عليه أن يتسلّق البرميل ليثبت مرّة بعد أخرى أنه لا يزال قادرًا على إبقاء الكرة على أنفه”.
تتناول رواية كويتزي “الرجل البطيء” أيضًا موضوع الشيخوخة والفناء؛ يفقد المصوّر بول رايمنت ساقه إثر حادث دراجة، يدخل بعده في علاقة حب مع امرأة متزوّجة ولديها أطفال. تتناول الرواية أيضًا السؤال عن سبب حاجة الحب إلى الجمال لكي ينمو، وتجرى فيها تجربة قصيرة مع العمى، على أمل الوصول إلى شكل أنقى من الحب، لكن التجربة تفشل. العين، تلك العين الملعونة، لها رغبتها أيضًا. نعم، حتى عينا الابن تبدو وكأنهما تريدان قول شيء ما حين تريان أبويه كأنهما “كلبي بحر عجوزين ومتعبين”.
إن تعاطف الابن مع أمّه المسنّة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن تعاطف تلك الأم نفسها، قبل سنوات عديدة، مع ابنها الذي كان حينها طفلًا صغيرًا. نادرًا ما يبدو التعاطف كالحب، ونادرًا ما يكون التعاطف هو الحب، رغم أن خلاصة رواية “الرجل البطيء” هي أن على بول رايمنت: “أن يرضى بهذا الحب من الدرجة الثانية، بهذا التعاطف الذي ليس شهوة، ولن يصبح كذلك أبدًا”.
ولدت إليزابيث كوستيلو عام 1928، وحين تظهر في أعمال كويتزي، نرى امرأة “تقارب الـ 67 عامًا من عمرها”. أمّا الكاتب نفسه، فقد كان حينها رجلًا في الخمسينات من عمره. وفي أشهر أعماله “الخزي” (1999)، تدور الأحداث حول الأستاذ ديفيد لوري الذي يرتكب جريمة اعتداء على شابة، لم يكن ينبغي له أن يعتدي عليها، ثم يصبح بعد ذلك متكبرًا لدرجة تمنعه من إدراك مدى حرج موقفه، ترتبط مسألة العمر في الجملة الأولى بمشكلة محدّدة: “بالنّسبة لرجل في مثل سنّه، 52 عامًا، مُطلّق، فقد حلّ مشكلة الجنس بشكل جيد جدًّا”.
هل تكمن المشكلة في الجنس، أم في الصورة الذاتية لـ”لوريس”، المُطلّقة البالغة من العمر 52 عامًا؟ هل يصبح الجنس مشكلة بدءًا من سن معينة، أم أنه كان كذلك دائمًا؟ الإجابة التي يقدّمها عمل كويتزي هي: الجنس موجود دائمًا وأبدًا. فالجنس من منظور تحليلي مشكلة شطرنجية، وهذا لا يعني أن النشوة غير موجودة، فلاعب الشطرنج أيضًا يعرف النشوة. هناك حركات متنوعة ممكنة لحلّ هذه المشكلة. إليزابيث كوستيلو، على سبيل المثال، جرّبت الجنس كشكل من أشكال التعاطف.
كوستيلو شخصية متكرّرة في أعمال كويتزي، كاتبة شهيرة، ظهرت لأوّل مرة في عام 1997، في قصة لكويتزي نُشرت في مجلة “سالمغاندي”. لتصبح القصة لاحقًا جزءًا من المجموعة القصصية “إليزابيث كوستيلو” لكويتزي، ثم نشرت لاحقًا في كتاب “عالم إليزابيث كوستيلو ومسيرتها”. وحين أصدر كويتزي رواية “الرجل البطيء” عام 2003، أصبحت إليزابيث كوستيلو الشخصية الرئيسية فيها.
تتّخذ معضلة الجنس في رواية كويتزي الأخيرة “البولندي” (2023) شكل سوء فهم سببه الترجمة؛ عازف بيانو بولندي مسنّ، مسنّ حقًا هذه المرة، مايسترو، تهاجمه نزوة غير لائقة في إسبانيا. لا يحب كويتزي التعميمات، لكن استنادًا إلى أعماله، واستنادًا إلى الجزء الأكبر من فن الرواية نفسه، يمكن القول إن السؤال عن الحياة الجيدة هو في النهاية سؤال عن كيفية تعاملك مع تصرفاتك غير اللائقة، التي تتغلّب مرة بعد أخرى عليك، حتى حين تتلاشى آخر قواك الجسدية.
في حالة كوستيلو، يبدو أن الجنس لم يعد يلعب دورًا مهمًا؛ فقد كانت نشطة جنسيًّا في الماضي، وكتبت الكثير عن الجنس أيضًا، لكنّنا لا نعرف الكثير عمّا كتبت بالضّبط، سوى أن ابنها لا يقدّر صراحتها حقّ قدرها: “تكتب عن الجنس والعاطفة والغيرة والحسد بفطنة صادمة، وهو أمر غير لائق بالتأكيد”!
يُخيّل للقارئ أن الجنس غادر حياة كوستيلو كما يغادر الأبناء البيت. والآن، قد يزور الأبناء أحيانًا آبائهم المسنّين، لكن نادرًا ما نسمع أن الحب الجسدي عاد ليزور الآباء المسنّين، ربما لأن الناس يفضّلون الصمت بشأن هذا الموضوع المؤلم. ويبدو لي أن الصمت هو ما يحافظ على تماسك الأُسر، وليس الكلام. أما إذا كان الكلام علاجًا، فهو سؤال يظل مطروحًا.
كان فرويد وأتباعه يعتقدون أن الكلام الحرّ يمكن أن يكون علاجًا، لكن في خصوصية غرفة العلاج، مع محلّل نفسي مُلزم بقوانين صارمة في علاقته بالمريض. أما في عصرنا هذا، فقد أصبحت كل أربعة جدران غرفة للعلاج. الإكراه على الكلام هو أيضًا إكراه على الشفاء. لكن الشفاء من ماذا؟ من الحياة على الأرجح.
في خريف 2025، أجريتُ مقابلة مع جون كويتزي في المسرح الملكي في لاهاي، وكان قد أبلغني قبل ذلك ببضعة أيام، عبر ناشرته الهولندية: “لقد أعددتُ إجاباتٍ حول الموضوعات التي أرسلتها إليكِ، وسيكون من الجيّد ألّا يحيد أرنون عن ذلك. عادةً ما أُجري مقابلاتي الصحافية انطلاقًا من نصٍّ مُعدٍّ مسبقًا لأنّي لستُ سريع البديهة”. وتابع قائلًا: “أبلغ من العمر 85 عامًا، وأعتبر نفسي متقاعدًا من مهنة الكتابة، بما في ذلك المقابلات الصحافية. في وقت سابق من هذا العام، قمت بإعداد قائمة بالأسئلة الشائعة في المقابلات وأرفقت إجاباتي عليها. وأرحب بدعوة الصحافيين للاطّلاع على هذا المستند”.
أجبتُ كويتزي بأن المقابلة، من وجهة نظري، هي دائمًا نوع من الارتجال، لكنّني سأكون سعيدًا بإجراء استثناء من أجله. أمّا الفكرة القائلة بأنّ النّفور من الكلام هو نفور مفهوم تمامًا من الشفاء، فقد احتفظتُ بها لنفسي. وقبل يوم من المقابلة، أرسلتُ إلى كويتزي أسئلتي، التي كان قد ابتكر نصفها تقريبًا بنفسه.
لو كنت أصغر سنًا قليلًا، لقلتُ: كنت ذاهبًا لمقابلة بطلي. أمّا الآن، فقد شعرت للحظة أنّني ابن كوستيلو. كنت ذاهبًا لمقابلة كاتب متقاعد أقنعه أحدهم بالصّعود إلى المنصّة مرّة أخرى.
في قصة “الفلاسفة والحيوانات” لـ كويتزي نقرأ: “لقد مرّ عامان منذ أن رأى والدته آخر مرّة: يشعر بدون قصد منه بالصدمة لرؤيتها وقد كبرت هكذا؛ شعرها الذي كانت تتخلّله خصلات رمادية، أصبح الآن أبيض تمامًا؛ وكتفاها منحنيتان؛ وجسدها أصبح مُترهّلًا”!
حين التقيتُ بكويتزي في صالة فندق “دي إنديز”، بدا لي، بالنّسبة لرجل في سنّه، مفعمًا بالحيوية ومعتنيًّا بمظهره. لا توجد أي انحناءات في كتفيه، بل إنه يشعّ بشيء من الروح القتالية، معتدٌّ بنفسه، ويُظهر بين الحين والآخر، في أثناء تناول وجبة خفيفة، ما يشبه ابتسامة ساخرة.
لم يرغب في توقيع الكتب بعد انتهاء مقابلتنا، لكنّه وافق على توقيعها لمدّة عشر دقائق بعد إصرار ناشرته الهولندية إيفا كوسي، وقبل مغادرتنا مباشرة، تحوّلت تلك الدقائق العشر إلى عشرين دقيقة. الكاتب المتقاعد يتمتّع بروح قتالية ومرونة في التعامل. لم تظهر عليه آثار الشيخوخة إلّا مرّة واحدة؛ حين قطع علينا الطريق سائق توصيل على درّاجته في أثناء عبورنا إلى المسرح، بدا أن كويتزي قد فوجئ. في نظرته التي عادةً ما تكون رصينة وأحيانًا ساخرة، خيل إليّ للحظة أنّني رأيت خوفه من السقوط.
كان من المقرّر، بناءً على طلب كويتزي، أن يتناول جزء من المقابلة الكاتبة الجنوب أفريقية أوليف شراينر Olive Schreiner (1855 – 1920). التي قام كويتزي بتحرير روايتها “مِن رجل إلى رجل”، ووصفها في خاتمته بأنها: “غير منقّحة وغير مكتملة”، وأكملها بخاتمة كتبها بنفسه. كما كان في الإمكان التطرّق في الحديث إلى شخصية كوستيلو، وكنت أنوي الاستشهاد أيضًا بمحاضرته عن “فرويد والزواج”، التي تناول فيها كويتزي عددًا من الأسئلة الجوهرية، مثل: ما الفرق بين الغيرة “المَرَضيّة” و”العادية”؟ وما هي الغيرة في الواقع؟ ولماذا نقع في حبّ مَنْ نقع في حبّهم، أو، نبقى في مصطلحات التحليل النفسية: ما الذي تكشفه الغيرة عن أنفسنا؟
لكن لنبدأ بشراينر نفسها؛ إذ وصلتني أيضًا الانتقادات التي تقول إن رجلًا أبيض مُسنًّا يدعى كويتزي – يبدو أن الرجال البيض المسنّين أسوأ من أقرانهم الشباب – يجب أن يُبعد يديه عن أعمال امرأة مثل الكاتبة الجنوب أفريقية أوليف شراينر. لكن كويتزي صاغ ردًا قويًّا على هذا الهجوم في إجاباته المكتوبة: “إن نظرية الاستيلاء الثقافي برمّتها غير مدروسة جيدًا. فهي تتجاهل القوة التعاطفية للفنّ العظيم في تجاوز الحدود بين الجنس (فكّر في “ناتاشا روستوف” لتولستوي) والعِرق (فكّر في “جو كريسماس” لفولكنر). علاوة على ذلك، فإن هذه النظرية تفتقر إلى البعد التاريخي. مَنْ لديه الحقّ، على سبيل المثال، في كتابة رواية تدور أحداثها في بيزنطة اليوم؟ لا أحد على حدّ علمي، بما أنه لم يعد هناك بيزنطيون”. ليختتم ملاحظته قائلًا: “ما كنتُ لأبدأ مسيرتي المهنية ككاتب أبدًا لو قيل لي مسبقًا إن عليَّ أن أقصر بحثي على طريقة تفكير الرّجال البيض من الطبقة الوسطى الاستعمارية، مثلي تمامًا، فهذا ممل جدًا”.
بعبارة أخرى، أحيانًا ما تسير الطليعة الأكاديمية إلى الوراء: كلٌّ يحيا في غيتو خاص به. نحن الآن ندع نظرية الاستيلاء الثقافي تختفي ببطء من الساحة، ونأمل أن يكون ذلك إلى الأبد.
في إجاباته المكتوبة على أسئلتي المكتوبة (كانت الورقة موضوعة بتحفّظ على حجر كويتزي)، وصف كويتزي شراينر على النحو التالي: “لم تكن كاتبة فحسب، بل كانت أيضًا مفكّرة نسويّة رائدة ومُصلحة اجتماعية نشطة، استخدمت سمعتها الدولية الكبيرة لتعزيز مُثُلها العليا على الساحة السياسية في جنوب أفريقيا”.
لكن في خاتمة رواية شراينر، ينتقد كويتزي المرأة التي يُعجب بها إلى هذا الحدّ. ويشير إلى أنها أهدرت طاقتها في تغيير العالم، وهي طاقة: “كان من الأفضل توجيهها نحو أعمالها الروائية”.
تدور أحداث رواية “مِن رجل إلى رجل” حول شقيقتين من جنوب أفريقيا في القرن التاسع عشر، تنتهي إحداهما إلى عالم الدعارة. ووفقًا لكويتزي، فإن هذه الرواية تحتوي أيضًا على: “أمثلة عديدة من أردأ الكتابات التي ’نُشرت’ باسمها”.
قلت لكويتزي في أثناء المقابلة (إذ وصلنا الآن إلى الجزء المُرتجل من الحوار): غضبتَ على شراينر بسبب إهمالها لموهبتها الأدبية، فبدوت كأب غاضب من طفلته التي تهدر موهبتها بهذه الطريقة.
أجاب: أنت محق، أمضت شراينر الجزء الأكبر من حياتها في النضال السياسي، وأنا لا أستنكر نشاطها هذا، لكن ككاتب أجد أنه من المؤسف أنها استخدمت طاقتها لتغيير العالم، في حين كان بإمكانها استخدامها لإتمام مشروعها العظيم “مِن رجل إلى رجل” بنجاح. صدرت الرواية بعد ست سنوات من وفاتها، وحرّرها زوجها. والآن أود أن أقول شيئًا عن زوجها صامويل كرونرايت، الذي كان أصغر منها بثماني سنوات. كان معجبًا بها ككاتبة، حتى أنه اتّخذ اسمها. لأنّها كانت مشهورة بالفعل عندما تزوجها، وكان يتوقع – وهو توقّع معقول للغاية – أن تجلب له الشهرة والثروة. ثم بدأ يشعر بالانزعاج عندما استمرّت في إدخال تعديلات على الرواية التي لم تكتمل أبدًا. وقد أدّى عمله التحريري بعد وفاتها إلى تدمير الرواية. لقد فعلتُ – باختصار – ما كان ينبغي على زوج شراينر أن يفعله، كما أضفت فصلًا أخيرًا لم تكتبه هي أبدًا.
(*) وهل تعتقد أن كرونرايت كان “صائد ثروات” فقط؟
هذا الأمر يذهب أبعد ممّا ينبغي، لأن كرونرايت قدّم تضحيات من أجل زوجته أيضًا، لكنه كان مُحرِّرًا أدبيًا سيئًا، فقد حذف أجزاءً كبيرة من رواية شراينر، وخاصة كل ما يتعلق بالجنس، وكل ما كان من شأنه الإضرار بسمعتها. كانت شراينر مهتمّة بشكل استثنائي بدراسة تاريخ الدعارة في جنوب أفريقيا، والموضوع الرئيس في “مِن رجل إلى رجل” هو الدعارة. ومن الغريب أن الجنس لا يُذكر فعليًّا طوال الرواية! ويمكننا أن نلقي باللوم في ذلك على زوجها، لكن هذا مجرد جانب واحد من القصة. يجب أيضًا ألّا ننسى كيف كانت الأعراف في مطلع القرن العشرين، وكم كانت تلك الحقبة متزمتة أخلاقيًا؛ فلم يتمكّن جيمس جويس نفسه من نشر “عوليس” إلّا في فرنسا عام 1922. ومن كان يتجرّأ على نقل الكتاب من فرنسا إلى إنكلترا، كان كمن يرتكب جريمة تهريب المخدرات.
(*) ذكرت في محاضرتك أن فرويد، بكل مواهبه وكل ما مثّله، لم يتمكّن في النهاية من الإفلات من معايير الإمبراطورية الهابسبورغية، هل هذا هو القاسم المشترك بين فرويد وشراينر، أنهما كانا أسيرين لعصرهما؟
سؤال معقّد، لكن الإجابة هي: لا. أعتقد أن شراينر وفرويد كانا شخصين مختلفين تمامًا. فرويد كان رجلًا حذرًا للغاية، ولم تكن لديه خبرة جنسية تذكر، وهو أمر غريب بالنسبة لشخص يُعدّ الكاتب الأكثر قراءة في القرن العشرين حول هذا الموضوع. كانت قدرته الروحية، إن جاز لي أن أسمّيها كذلك، محدودة جدًا، وأضعف من أن تجعله يخوض تجارب جسدية مكثّفة.
في محاضرته تلك عن فرويد، التي يمكن مشاهدتها على يوتيوب، يطرح كويتزي السؤال التالي: ما الذي جعل فرويد، وهو شاب، لا يستطيع أن يزيح عينيه عن زوجته المستقبلية مارثا بيرنايس؟
وفقًا لكويتزي، جاءت قوة الجذب من الخارج. كان لفرويد منافسان يتصارعان على يد مارثا، أحدهما موسيقي والآخر رسام. وكان يعتقد أنهما يتمتّعان بميزة غير مستحقّة عليه، لأنهما كانا فنانين، بينما كان هو عالِمًا يعيش في ظروف فقيرة نسبيًا، ولم يكن قد رسّخ اسمه بعد. ما فتح عينيه على مارثا كان التنافس.
وهكذا، من دون أن يُذكر اسمه صراحةً في المحاضرة، نجد أنفسنا في منطق المفكّر الفرنسي رينيه جيرار (1923 – 2015)؛ كلّ شهوة هي شهوة تقليدية، إذ لا يمكننا أن نشتهي شيئًا لا يشتهيه الآخرون. أعتقد أن فرويد نفسه هو الذي قال إنّ كل علاقة حب تشكل ثالوثًا، وأن الناس ينجبون الأطفال لأنهم بحاجة إلى شهود على حبّهم ومشاكلهم العاطفية، فالطفل، دائمًا وأبدًا، هو “الطرف الثالث في العلاقة”.
رزق الزوجان شراينر وكرونرايت بطفلة توفيت بعد يوم واحد من ولادتها، وانتهت جميع حالات الحمل الأخرى بالإجهاض. لكن بعد أكثر من قرن، ظهر كويتزي، منافس كرونرايت، وهزم كرونرايت بيد ثابتة. وبالمناسبة، فإن روح شراينر المسكينة تستحقّ ذلك.
وفقًا لكويتزي، كان فرويد زوجًا معقولًا ظلّ مخلصًا لزوجته، على الرّغم من أنه كان على الأرجح يشتهي أخت مارثا التي كانت تعيش في منزل عائلة فرويد. كان فرويد خائفًا جدًّا من الزنا، كما قال كويتزي خلال حوار الأسئلة الذي أعقب محاضرته. ولعل هذا ليس مستغربًا بالنسبة لشخص كان يعتقد أن العاطفة لا تملك فرصة للبقاء، وأن على المتزوجين بالتالي المراهنة على الحنان. لكن قلّة قليلة من شخصيات كويتزي، إن وجدت، وصولًا إلى البولندي المسنّ، مستعدّة للاكتفاء بذلك الحنان، الذي لا يزال أشبه ما يكون بما نراه في دور رعاية المسنّين: “صباح الخير يا سيدي، جئنا لنحضر لك كوبًا من الشاي وقليلًا من الحنان. هل يمكنك الاعتدال في جلستك قليلًا”؟.
يقول كويتزي إن فرويد كان يحب شكسبير، لكنّه لم يفهمه. ويضرب مثالًا بعطيل الذي أكلته الغيرة من زوجته ديدمونة لدرجة أنه قتلها. وحيثما تبدأ جريمة قتل، يمكننا أن نتحدث عن “غيرة مَرَضية”. يقول كويتزي أيضًا إنّ أرسطو كان قد فهم عطيل جيدًا؛ فقد أدرك أن الناس قد يعرفون جيدًا أن “أ” هو القرار الحكيم والحصيف، ثم يختارون مع ذلك “ب”، وهو القرار الأقل حكمة. كيف لنا أن نعرف الخير ونختار الشر مع ذلك، في حين نظنّ أننا نعرف أنفسنا، ونتوهّم التفريق بين الخير والشر؟
يذكّرنا كويتزي بأنّ الحب في اللغة الإنكليزية مُرتبط دومًا بالسقوط: “الوقوع في الحب” (falling in love). ويقول بحقّ: “لا يمكن للمرء أن يقرّر السقوط بنفسه، كما لا يمكنه ألّا يكبر في السنّ”.
وأضيف أنا: لقد “سقطت” كوستيلو في الشيخوخة، مثلما “سقط” بول رايمنت والبولندي في حبّهما غير اللائق. نعم، يمكنك أن تدع نفسك تسقط، لكن أيعتبر هذا سقوطًا؟ وكيف تتعلّق الرغبة في المعرفة بهذا السقوط؟
يرى كويتزي أن قراءة مذكّرات بعضنا البعض، على أمل التقارب، هي سمة نموذجية للقرن التاسع عشر، ولا يترك مجالًا للشك في رأيه بشأن هذه العادة: “إنه نوع من سوء الفهم”. أراد فرويد أن يعرف كل شيء عن زوجته، وسمح تولستوي لزوجته بقراءة مذكّراته، ولم تتعافَ من ذلك أبدًا. على الرغم من أن زوجة تولستوي ربما لم تكن لتتعافَ أبدًا من جنون زوجها، حتى لو تركت مذكراته بدون قراءة. لكن – ومع ذلك – ما مقدار المعرفة الذي يمكن للمحبّ أن يحتمله؟
الرغبة في المعرفة؛ انظر إلى عطيل، وأيضًا إلى إبستين، هي دائمًا الرغبة في معرفة الأسوأ في النهاية؛ ولا يُعترف بالحقيقة إلّا حين تتضمّن ما هو وقح ومخزٍّ، أمّا كلّ ما عدا ذلك فلا يُعتبر حقيقة بالنسبة لمن تُسيطر الغيرة عليه.
يجب علينا فهم “ياغو”، الرجل الذي يوسوس لـ “أوثيلو” بأن زوجته تخونه، وفقًا لكويتزي، فإن “ياغو”، كرمز في المقام الأول، ليس خارج أوثيلو، بل داخله. والأمر ليس أن أوثيلو لا يعرف نفسه؛ بل إنه لا يعرف الحب تجاه زوجته. يقول كويتزي إن في كل حب عاطفي شيئًا يظل غامضًا بالنسبة لمن يحب. وعلى عكس ما تصوّره الرومانسية المبتذلة، فإن الحفرة التي تُسمّى الحب العاطفي مُعتمة جدًّا، لدرجة لا تستطيع معها رؤية يدك المرفوعة أمام عينيك.
عندما انتهت الأسئلة والأجوبة في المسرح الملكي، قرأ كويتزي بعضًا من أعماله الخاصة. كان يرغب بشدّة في قراءة القصة الأخيرة التي تظهر فيها كوستيلو، وعنوانها “السكتة الدماغية”. تبلغ كوستيلو الآن الثمانين من عمرها، وقد أصيبت بسكتة دماغية في إسبانيا، وتعوّل على ابنها ليحضر لها ما يُسمى “حبوب الموت” من حمّامها. يعلم ابنها أنها لا ترغب في برنامج إعادة تأهيل، بل تحتاج “المساعدة؛ تريد الفراغ، النسيان، والفناء”. يكتب كويتزي: “الموت يقود سيارتك إلى الهاوية، يجرّك تحت الأمواج. الموت يجعل شريانًا في دماغك ينفجر ليطرحك أرضًا وهو يقول: ’هل تريد أن تلعب بعض الألعاب؟ هاك براعتي، فأين هي براعتك’”؟
السؤال ذاته الذي سأله الحب منذ البداية، ها هو ينتهي على لسان الموت. وسواء كنت تعلم ذلك أم لا، فأنت تلعب الشطرنج مع نفسك، مع عواطفك الخاصة. الجملة الأخيرة من القصة الأخيرة تقول: “بقدر ما لا يزال عقلها نشطًا إلى حدّ ما، فإنّها تفكّر فيه، في ابنها، وفي مكان وجوده وما سيفعله؛ هل سيتحلّى بالشجاعة ليحرّرها، أم سيخيّب أملها للمرّة الألف”.
هل سيخيّب ظنّها مرّة أخرى؟ الابن؟ وللمرّة الألف؟
قال كويتزي خلال المقابلة إنّه لا يؤمن بأن الأدب قادر على تخليصنا. لم أجد أنه من اللائق ولا من الضروري أن أسأله عمّا إذا كان قد آمن بذلك حقًا يومًا ما. وقّع كويتزي على كتبه كما وعد بعد انتهاء المقابلة. وبينما لم يعد هناك أحد تقريبًا في المسرح الملكي، كان لا يزال جالسًا إلى طاولة التوقيع، وقد تحوّلت العشرين دقيقة إلى ثلاثة أرباع الساعة.
عند خروجي، ألقيتُ نظرة أخيرة على الكاتب الذي تعني أعماله الكثير بالنسبة لي، حينها فقط لاحظت أن النساء وحدهن هنّ اللاتي يحطن بطاولته، الآن فقط أستطيع أن أقولها؛ لقد تغلّب الكاتب على جميع منافسيه.
***
(*) يُعدّ أرنون غرونبرغ (Arnon Grunberg) واحدًا من أبرز وأكثر الكتّاب الهولنديين نشاطًا وإنتاجًا اليوم. وُلد في أمستردام في 22 فبراير/ شباط 1971، وينحدر من عائلة يهودية ألمانية هاجرت إلى هولندا، ما ترك بصمة واضحة على تناوله لمواضيع الهوية والتراث وصدمة الحرب. لم يكمل غرونبرغ تعليمه الثانوي، إذ طُرد منه في السابعة عشرة، وبعد عامين أسس دار نشر خاصة به. وبدأ مسيرته الأدبية بنشر روايته الأولى “أيام الاثنين الزرقاء” (1994)، وهو في الثالثة والعشرين. حققت الرواية نجاحًا فوريًا وحصلت على جائزة “أنطون فاختر” لأفضل عمل روائي أول. وهي “كوميديا استعراضية مأساوية” تغوص في عالم البغاء، ولكنها تستكشف أيضًا العالم العاطفي للجيل الثاني من الناجين من المحرقة. ومنذ ذلك الحين، أصبح غرونبرغ أحد أكثر الأصوات الأدبية غزارة وتأثيرًا في هولندا. وقد تنوّع إنتاجه بشكل ملحوظ؛ فإلى جانب الروايات، كتب القصص القصيرة والمقالات والمسرحيات والترجمات، كما يعمل صحافيًا وكاتب أعمدة منتظم في صحف ومجلات هولندية وبلجيكية. وفي الفترة بين 2000 و2005، نشر أعمالًا تحت الاسم المستعار “مارك فان دير ياخت” (Marek van der Jagt)، وقد فازت روايته “تاريخ صلعتي” بجائزة “أنطون فاختر” للمرة الثانية، مما جعله الكاتب الوحيد الذي فاز بها مرتين. وكذلك حصل غرونبرغ على جميع الجوائز الأدبية الهولندية الكبرى. ففازت روايتاه “الألم الوهمي” و”طالب اللجوء” بجائزة AKO الأدبية. كما حصل على جائزة “كونستانتين هاخنز” عن مجمل أعماله عام 2009، وجائزة P.C. Hooft المرموقة للروايات والقصص عام 2022.