عبد الخالق كيطان.. جريدة المدى
فور انتهائي من مشاهدة المسلسل البارع «see” من بطولة الممثل الشهير جايسون موموا أعدت قراءة رواية “العمى” لجوزيه ساراماغو. وبعدها شاهدت الفيلم المأخوذ عن هذه الرواية المذهلة، وحمل العنوان ذاته، بالانجليزية: “blindness”. هذه الثلاثية تقدم عالم العميان في زمن الكارثة. صحيح أن المسلسل يقدم حبكة عن فترة خيالية مستقبلية، مفارقا زمن رواية ساماراغو والفيلم، إلا أن الموضوع واحد في تقديري. عليّ هنا ان استدرك لأذكر بمسرحية الكاتب البلجيكي موريس ميترلنك، التي توصف عادة بأنها تحفة مسرحية من روائع المسرح الرمزي، وهي مسرحية “العميان”.
هذه الأعمال ليست الوحيدة التي تناولت موضوعة العمى، ولكنها قد تكون الأبرز. كما أن الشحنات العاطفية والدلاية فيها كثيرة لدرجة أن متابع هذه الأعمال لا يجد غير التوقف متسائلا أمام القدرة البشرية على التكيف مع الكارثة، ليصنع منها، ومن خلالها، وهمه الشخصي الذي يجعل الحياة ممكنة.
إن حياة الأعمى ليست عبارة عن لون أسود، كما يتخيل المبصرون. ومع التقادم الزمني وتطور الوسائل التي تتقصد زيادة احتمال العيش، أو بالأحرى: التأقلم المعيشي، فإن قصة الألوان تتراجع في ذهن الأعمى لصالح عناصر أخرى أكثر ضرورية. في هذا السياق، ولا أجزم بنهائية ما أقول هنا، سألت شخصا أعمى عن أكثر شيء افتقده في حياته، فأجابني الرجل، الذي دخل توا في عقده الثالث، أن قيادة السيارة هو ما يفتقد. ولما تحدثنا عن الألوان لم يبد أي اهتمام.
الحدث في مسرحية ميترلنك يقع في جزيرة صغيرة. أما المسلسل فتدور أحداثه في المستقبل حيث ابتكر العميان المستقبليون كل شيء، بما فيها وسائل النقل، من أجل تيسير أمورهم. وبالرغم من أن الرواية، والفيلم لاحقا، تبدأ من لحظة تحضر فيها “السيارة” إلا أن هذه الأخيرة تغيب من الاحداث اللاحقة، وهي احداث اهم في سياق الروي.
هل يعيش العميان متعة الوهم، أم أنهم يصنعون الوهم لكي يعيشوا؟
في الأعمال الأدبية، والفنية كذلك، تحضر ثيمة العمى لا بوصفها مجرد إعاقة بشرية، بل سببا لتغيير المصائر. بالطبع أنت تتذكر الآن الممثل المخضرم آل باتشينو ودوره المؤثر في فيلم “عطر امرأة”. فبالرغم من معاناة البطل الشخصية إزاء هذا العوق إلا انه يستمتع في إنفاق حياته بالشكل الذي يريد. ومن ذلك المشهد الجنوني لقيادة السيارة وسط شوارع نيويورك المكتظة.
القدرة هنا ليست مجازية، بل واقعية حقا. انها اشارة حمل لوائها الإنسان منذ الأزل، منذ كاهن أبولو المرعب الذي ساعد أوديب على رؤية مستقبله، وبالتالي دفع البطل إلى فقء عينيه عند تحقق النبوءة. هذا الكاهن كان يرى من خلال الحكمة التي تعلمها ودرسها، وهو على عكس كاهن مسرحية ميترلنك الذي كان مبصرا يقود مجموعة من العميان، إلا أنه خذلهم بموته المفاجئ، ترك المجموعة حائرة وسط العراء. الكاهن الأول مبصر في الغيب، والكاهن الثاني خلخل منظومة العمى التاريخية عند مجموعته.
لقد ظل العمى رمزا للحكمة في الآداب والفنون. غياب العنصر البصري الفيزيائي للإنسان يقود الى بصيرة قد لا يمتلكها المبصرون، ذلك أن من يريد العمى فسوف يعمى، كما يقول ساراماغو في روايته. أو، والقول له ايضا، ان الخوف قد يقود الى العمى. بالنهاية، نحن نتغلب على عمانا لا من خلال الذهاب الى طبيب العيون، فنحن نرى بشكل جيد، بل من خلال وهم أننا نعيش مبصرون، وفي الحقيقة اننا لا نرى الكثير من الحقائق حولنا، وهو عكس ما “يتمتع” به العميان من نظر..